الرئيسية | مقالات - عمود زاكورة بريس | أحبك يا لغتي العربية
أحبك يا لغتي العربية

أحبك يا لغتي العربية

اللغة ليست مجرد وسيلة للتواصل أو أداة للفكر بل هي جزء من الفكر ووسيلة للتميز والحفاظ على الذاتية والهوية المستقلة عن غيرها. فهي وعاء الثقافة وجزء منها وكل حضارات الأمم مرتبطة بلغتهم ، وإذا أردت أن تعرف حضارة أمة ما فتعرف على لغتهم ,وكذلك لو سادت حضارة ما فإنه من الطبيعي أن تسود لغتهم.

فما تعانيه اللغة العربية اليوم من تهميش وغيره سببه أبناؤها وقومها, فقد كانت لغة العلم والآداب ولغة الفن والصواب و لغة الإبداع والابتكار إلى عهد قريب ولازالت بحمد لله رغم كيد الكائدين وتضليل المضلين وستضل إن شاء الله.

عار علينا أن نتهم لغة وقفت شامخة في وجه كل المغرضين والمنحرفين والمتغربين ونعلق فشلنا في التعليم والتربية والعلوم وغيرها عليها,وهي التي ضربت لنا المثل الأعلى في الصمود والمقاومة والشموخ كما في الذوق الرفيع والجمالية الآخاذة والحكمة البليغة وكذا في المرونة والاحتواء والمواكبة.

يكفي الغة العربية شرفا وفخرا ارتباطها بالوحي واختيارها لتحمل آخر رسالة للعالمين من لدن حكيم خبير رب العالمين, ، فهي لغة القرآن الذي أنزل للناس كافة وقال تعالى: ﴿ وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا وَتُنْذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ لَا رَيْبَ فِيهِ فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ ﴾ (سورة الشورى آية: 7)، وبلغ الرسول – صلى الله عليه وسلم – رسالة ربه بهذه اللغة المختارة المتميزة، وأعطي جوامع الكلم، ليكون رحمة للعالمين ومرسلًا للناس كافة,فكانت لغة عقيدته وشريعته وخطابه إلى جميع البشر… يقول عنها شيخ الإسلام ابن تيمية: اعلم أن اعتياد اللغة يؤثر في العقل والخلق والدين تأثيرًا قويًّا بينًا، ويؤثر أيضًا في مشابهة صدر هذه الأمة من الصحابة والتابعين، ومشابهتهم تزيد العقل والدين والخلق.
وقد أحسن حافظ إبراهيم رحمه الله في وصف اللغة العربية بقوله:
وَسِعْتُ كِتابَ اللَهِ لَفـــــظاً وَغايَةً وَما ضِـــقْتُ عَن آيٍ بِهِ وَعِظاتِ
فَكَيفَ أَضيقُ اليَومَ عَن وَصفِ آلَةٍ وَتَنــــــسيقِ أَسْماءٍ لِمُختَرَعاتِ
أَنا البَحرُ في أَحــشائِهِ الدُرُّكامِنٌ فَهَل سَأَلوا الغَوّاصَ عَن صَدَفاتي.

تميّزت اللغة العربية بخصائص أبرزتها, من الناحية الصوتية , والمترادفات, والوضوح, وشدة الارتباط بين الصوت والمعنى في كلماتها, والاشتقاق, والإعراب, والتغيير في الدلالات بتغيير بنية الكلمات. وإن الإحاطة بمنزلة اللغة العربية ومميزاتها الأساسية التي عملت على قوتها وانتشارها من الصعوبة بمكان ومن بين خصائصها لا الحصر:

1. أنها لغة ثابتة وراسخة وشامخة ، ضاربة بجذورها في أعماق التاريخ لأكثر من خمسة عشر قرنا ،

2. أنها محفوظة بحفظ الله فقد تكفل الله سبحانه بحفظ القرآن ، والعربية لغة القرآن وبالتالي فهي محفوظة بحفظه .

3. أنها لغة راقية في التعبير وتتميز في الفصاحة والبلاغة والصور الفنية البديعة وقد كان العرب في العصر الجاهلي وغيره تعجبهم الكلمة الجميلة بل لقد ضربوا أروع الأمثلة في اليلاغة والبيان والفصاحة ولازال أبناؤها الأوفياء إلى اليوم يبدعون وينظمون.

4. والعربية لا تنفك عن الإسلام ؛ إذ بها يمارس المسلم عباداته وشعائره وأذكاره وأوراده
5. واللغة العربية هي مستودع ذخائر الأمة ومخزونها الثقافي والحضاري.

6. وقد تميزت العربية بجملة من الخصائص ذاتية أخرى أكسبتها مزيدًا من الأهمية ونأخذ منها ما يأتي :

· غزارة مفرداتها وثراها.

· الطبيعة الاشتقاقية فيها.

· قيامها علي القوالب البنائية

· وقوع الاشتراك فيها : والمشترك هو أن يكون للفظ أكثر من معنى واحد . ومثاله العين تطلق على العين الناظرة ، وعلى عين الماء.

· وقوع الترادف فيها : والمترادف هو أن يكون للشيء الواحد أو المعنى الواحد أكثر من لفظ يدل عليه . مثاله : الأسد يطلق عليه الليث والغضنفر وأسامة وغيرها كثير .
· وقوع النحت فيها : وهو انتزاع حرف أو أكثر من كلمتين أو أكثر وصياغة كلمة جديدة ؛ لتدل على معنى ما انتزعت منه ، ومثاله : بسمل الرجل اختصار لقول : بسم الله الرحمن الرحيم….

· وقوع الاتساع فيها : والمقصود به المجاز والاستعارة فالمجاز هو استعمال اللفظ في غير ما وضع له علاقة ، مع قرينة دالة . مثالة الأسد في العربية هو الحيوان المفترس المعروف وعندما تقول : رأيت أسدا مسلحا, فإن المقصود هو الإنسان الشجاع المقاتل . والعلاقة بين المقاتل الشجاع والأسد الحقيقي هي المشابه في الشجاعة….

· ….

وللغات الحية كالعربية قيمة إنسانية اختص الله بها الإنسان ، فهي تتيح للإنسان التعبير عن همومه و أفكاره ومشاعره وآماله وآلامه ، وهذه نعمة خاصة بالإنسان من بين سائر الكائنات ولغة القوم يمكن أن تأخذ الريادة إذا كان قومها كذلك أو تكون تابعة إن كان القوم كذلك وقد تنقرض بسبب قومها المهمل كذلك وهذا ما لا يمكن أن يحدث للغة العربية السامية و المحفوظة بحفظ الله لها.

فإذا كانت اليوم تسود الحضارة الغربية على العالم وتهيمن عليه وتفرض سلطتها بالقوة وبالحديد والنار ، ففرضت معها لغتها عليهم, فإن الحضارة الإسلامية عندما سيطرت لم تفرض سيطرتها بقوة السلاح وإنما فرضت نفسها ، وتعلمت الشعوب الحضارة الإسلامية واللغة العربية حبا فيها وطواعية منهم ،وتعلموا معها الدين والأدب والحكمة والذوق الرفيع بل أصبح بعضهم من أعلام علماء اللغة متبحرًا فيها متضلًعا بها مقدرا لمكانتها وسموها ومكبرًا لها كسيبويه وأبي الفتح ابن جني وأبي على الفارسي وغيرهم ,أي أن اللغة العربية قد تجاوزت حدود القبيلة والقوم وارتبطت بالإسلام فكانت لغة عقيدته وشريعته وخطابه الرحمة كافة الناس بل إلى العالمين.

وفي الختام اللغة العربية ليست أية لغة بالنسبة لنا بل هي قضية هوية وحضارة ,هي قضية وجود وعدم , اللغة العربية أس وقاعدة الكيان العربي والإسلامي , فهي وعاء الثقافة، والأداة المثلى لمعرفة مبادئ الدين الحنيف, وفهم أحكامه… فاللغة العربية فضلا عن كونها لغة التراث العربي الإسلامي,فهي لغة عالمية بامتياز تعطي للجميع وتحضن كل من يهتم بها وتسقيه من رحيقها اللذيذ والراقي الذي يسمو بصاحبه ويرفع من قدره, خلاصة القول إنها لغة العلم والحكمة ولغة الأدب والعظمة ولغة الدين والبسمة, فكن لها خادما وابنا وفيا, وارفع قدرك واحفظ الهوية.

ذ: رشيد وجريرشيد وجري.jpg

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>

Current ye@r *

إلى الأعلى