الفلسفة … ذلك الفارس المزدوج‎

2 262

[box type=”shadow” align=”alignright” width=”95%” ]

بقلم: محمد نيت سيدي يوسف

[/box]
احيانا يطول الكلام ، وتجد المرء يحاول تبرير شيء لم يقصده أصلا ، بل و لم يفكر في القيام به يوما حتى ،أو دفع أقوال تم اتهامه بها دونما سبب ، ان سكت ظنوا أنه فعل ، و بسكوته هذا، فهو عاجز عن الدفاع عن نفسه ، و إن حاول الدفاع عن نفسه ألصقوه تهمة “الجحود” بتعريف آخر يلائم السياق “انكار التهمة رغم القيام بها ” . و للنقاش طعم آخر مع البعض ، خصوصا إذا قيس بما يسمى عندهم ب “الطابوهات” ، و الحل بالنسبه لهم ، إدراج النقاش في خانة خاصة بمصطلح دخيل تم تعريبه ليصبح في آخر المطاف “فلسفة” ، ذلك المصطلح الفارس ، ليس مجرد فارس ، انه “الفارس المزدوج”.
لست اريد بادء ذي بدء ، أن أذكر التعريف المتداول لكلمة “فلسفة” ، أو بالاحرى الذي تم الاتفاق علية بالاجماع من طرف الرفاق الفلاسفة ، -أي محبة الحكمة- ، و لكن الانطلاق منه على أساس الطريقة التي ينظر (برفع الياء) بها اليه ، لا من طرف العامة فحسب ، بل من طرف بعض المتعلمين أيضا بالجنوب الشرقي ، أولئك الذين أقر الله تعالى باختلافهم و تميزهم عن غيرهم ، و هو ما أكده في كتابه الحكيم إذ يقول –بعد أعوذ بالله من الشيطان الرجيم- “…قل هل يستوي الذين يعلمون و الذين لا يعلمون…الآية ” – صدق الله العظيم .( الزمر ، الآية 9)
ان ما أحاول قوله أخطر مما يمكن تصوره ، و لا أدري أي عقل حباه الله تعالى كل هذه القدرة ليلبس كلمة قناع أخرى بقدرة قادر رغم بعد المسافة التي بينهما – لن تكون أقل من المسافة بين الارض و السماء حتما- . ان مفهوم الفلسفة و الفيلسوف عند بعض العامة بالجنوب الشرقي – أقول بعض العامة لان التعميم تعتيم ، و لكل قاعدة استثناء ، ألا قد برأت قلمي من أية تهمة ، اللهم فاشهد- لا ينفصل عن كلمة “الالحاد” – بالمعنى الصافي للكلمة. اي ان الفيلسوف و المتعاطي للنقاش العقلي الموضوعي لا يخرجان عن خانة اللادينيين ، هذا ما كان شائعا بقدرة قادر ، و انتشرت الفكرة بين الاوساط المتعلمة انتشار العدوى حال ظهورها ، هذا رغم أنهم يرتادون المدارس و يملكون بذلك من العلم ما ليس باليسير ، والغريب في الامر هو المبرر الذي عقد على لسان بعض مما أجمعني بهم النقاش بمحض الصدفة، و هو منطق التبعية و مسايرة السائد – أي منطق هذا ما ألفينا عليه آباءنا – كأن تحصيلهم الدراسي و تعليمهم لم ينجهم من ظلام الامية ، و لم يستطع إنقاذ عقلهم من تلك الاحكام المسبقة المسوسة ، و بالتالي بدل أن يكون ( من التكوين) عقولهم اكتفى فقط بملئها.
ان كشف الحجاب عن كلمة فلسفة يضفي عليها طابع البراءة الذي تستحقه ، و ترفع عنها بهذا ذلك الخوف و الرعب الرمزيين اللذين “تعشعشا ” في المخيلة لما بقيت في قناعها الأصلي ،و يطال الشيء نفسه مجموعة من الكلمات كلما سمعها المرء ، و نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر كلمة ” إديولوجية” التي لا تعني سوى ” نسق من التصورات و الأفكار التي توحد مجموعة معينة” ، أو الاثنولوجيا و غيرها من الكلمات ذات التأثير “الفوبي ” ( من الفوبيا) رمزيا.
محبة الحكمة ، تلك التي تقود الى معرفة الله تعالى و بالتالي الوصول إلى قمة اليقين و الإيمان المبنيين على توابث لا يزلزلها الشك و لا تحركها ريح بعض الافكار المسمومة ذات الحجج الواهية ، والناتجة بالضرورة عن التبعية و ” خمول الذهن عن التفكير” و بالتالي فتح الباب أمام “التفكير العاطفي” كلما عزف من سولت له نفسه على الوتر الحساس ( و الكل يعرفه) . و الحكمة كما يعلم الجميع ، لم يجعلها الله تعالى في موضع واحد، رغم أنه ميز بها البعض عن البعض الآخر ، و ذي لعمري من أفضاله ، و الهدف من ذلك هو تبادل العلم و تشجيع طلبه مصداقا لحديث للمصطفى عليه السلام يدعو من خلاله الى طلب الحكمة و لو من كافر، و يستفاد من هذا مدى أهمية الاطلاع على الفكر بغض النظر عن جنس ، لون، و دين صاحبه ، و حقائق التاريخ كنبع لا ينضب ، ننهل منها ابن رشد على سبيل المثال الذي ترجم مجموعة من مؤلفات أرسطو- و لقلة الامثلة ما يبرره ، و هو أن لا يتحول المقال إلى درس في أحد المواد عوض تصحيح نظرة مغلوطة –
أقول (ليس أقول أسمع كما علمونا في الابتدائي على سبيل المزاح)، و التاريخ يشهد، أن التعريف المرتبط بكلمة ” فلسفة” قد أثبت نفسه بجدارة عن طريق دخول مجموعة من المفكرين و كبار الفلاسفة في الدين الحق ،لهذا ، فمن الغباء أن يخرج علينا قوم و يصيحون فينا من أجل مقاطعة كل فكر لا يتماشى مع الملة و الدين بدعوى التأثر السلبى بما جاء فيه ، ناسون من جانب آخر “الكنوز” المختبئة بين سطوره، و إلا فما دور عقل حبانا الله به إذا ، إذا كان عاجزا عن تمييز الصالح من الطالح ، و انتقاء النافع من المتوفر على بعض الضار؟
ان النقاش الفكري ، الجاد و المسؤول مع بعض الاطراف بالجنوب الشرقي يكون فيه المرء ضحية ” تيكيتات” ما أنزل رب السماء بها من سلطان ، و نسرد منها ” الضرب في المثالية” ، سخونية الراس” ، ” التجرؤ على الله تعالى” ، ” استعراض العضلات اللغوية” ، “المغضوب عليهم و الضالين” ، و الأكثر خطورة …” الإلحاد”. أية محاولة للنقاش المنطقي العقلاني تساوي كونك “فيلسوفا”، ذلك القناع الذي يخفي وراءه “لادينيا” في نظرهم ، لا لشيء سوى لكون بعض الفلاسفة متنكرين للدين كرفاق التنوير الأوربي ” ديدروو غيرهم” ، و أعتذر للرفاق الفلاسفة من أفلاطون إلى هوسرل و غيرهم من رفاقنا المفكرين بالعالم الإسلامي ” العروي ، الحبابي و طه عبد الرحمان….” عن هذا التعريف الجديد المختفي وراء حجج واهية ، و نعترف بكل عفوية دون قيد أو شرط أو حتى رقابة أنه ” ما بيننا و بين الفلسفة غير شي مؤلفات ف المكتبة المتواضعة” .
ان المسألة بسيطة ، بسيطة جدا ، و لا تستدعي منا سوى مراجعة دقيقة لمكمن الخلل ، و يمكن إجمالل ذلك فيما يلي :
أشرت سابقا إلى مسألة التبعية و مسايرة السائد
اعتبار المصطلح دخيل على المنطقة ، و تطرف بعض الاساتذة المشرفين على المادة في بعض مؤسسات المنطقة
كثرة الزوايا بالمنطقة و بالتالي هيمنة الفكر و التفكير ” اللاهوتيين” ( أعتذر للرفيق باروخ اسبينوزا على استعارة المصطلح) ، و أدى هذا الى سيادة النقاش الديني و دونه ليس نوع من الطوباوية و العبثية المؤديان إلى ضياع الوقت
عدم وفرة الكتب بالمستوى المطلوب في المؤسسات التعليمية مما لا يفتح مجالا لتوسيع المعارف و إغناء الثقافة العامة من خلال الانفتاح على منابع العلوم المتنوعة و الكثيرة
الاهمال الشبه التام للجانب الثقافي المساعد على تربية المتعلمين على ” ثقافة النقاش و تقبل الافكار الجديدة” من طرف الجمعيات و المؤسسات على حد سواء
هنا يبقى دورنا لتصحيح هذه النظرة عن طريق النقاش و القلم ، و خصوصا هذا الأخير الذي قال عنه الشاعر ” هو قلمي أهش به على ألمي و لي فيه مآرب أخرى” و تجسيدا لقول الرفيق نزار القباني ” كل من قاتل بحرف شجاع ثم مات فإنه من الشهداء”، نقاتل ماذ؟ نقاتل الجهل و الأمية و نحارب عيوب الثقافة السائدة ، لذا لا تثريب علي ما دمت أعرف نفسي أكثر من نفسي

مواضيع قد تعجبك المزيد عن المؤلف

2 تعليقات

  1. إدريس باموح يقول

    السلام عليكم
    تحية لك سي محمد على هذا المقال الرائع، الذي يحمل في طياته أفكارا عميقة عمق فكرك. هذا التأخر الفكري ناتج عن التبعية و عدم استخدام العقل الذي أصاب أمة محمد. المقارعة بالحجة و الدليل غائب تمام، عليك أن تفعل ما أقوم به أو أنت في النار. لقد غابت المناظرات الفكرية التي قال عنها أركون في قولة منسوبة إليه: لم نتخلف بسبب الاستعمار و إنما تخلفنا بسبب غياب المناظرات الفكرية كما كان من ذي قبل.
    الفلسفة هي دعوة لاستخدام العقول و هي لا تخالف دعوة الله في القران الى التفكر و التدبر.

  2. محمد نيت سيدي يوسف يقول

    مشكور السي ادريس على التفاعل، و معذرة عن التأخر في الرد. هي رسالة بسيطة أتمنى أن تصل. شكرا مجددا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.