الرئيسية | أبحاث الطلبة | تاريخ النقد الأدبي عند العرب( العصر الجاهلي والاسلامي)
تاريخ النقد الأدبي عند العرب( العصر الجاهلي والاسلامي)

تاريخ النقد الأدبي عند العرب( العصر الجاهلي والاسلامي)

الأستاذ عبد الجليل الخاضيري - جامعة ابن زهر كلية الآداب والعلوم الإنسانية أكادير

المـــــــقــــــدمــــــــــة

     سنحاول في هذا البحث أن تتحدث عن تاريخ النقد الأدبي عند العرب من الجاهلية مرورا بعصرصدر الإسلام فالأموي ثم العباسي، فمن البديهي أن نقول إن الشعر الجاهلي كان قويا جياشا بالأغراض الشعرية في البادية، و يسيرا خفيفا في القرى العربية  ،وأن نوازن يبن النسيب الأموي وصدقه وصفائه وبين النسيب في أوائل الصر العباسي، ومن البحوث الأدبية  أن نخوض في معرفة الشعراء وحياتهم و ثقافتهم  وأن نحلل آثاهم الأدبية المتصلة بحالاتهم النفسية وسنهم، ومن البحوث الأدبية أيضا أن نحلل لماذا يمدح امرؤ القيس لا عمر بن أبي ربيعة ولماذا عد جرير والفرزدق و الأخطل رجال الطبقة الأولى في الإسلاميين ؟وماهي خصائص كل واحد منهم؟ وأيهما أشعر عن الآخر ؟ولماذا أجاد الحريري في صناعة المقامات وأقصر في الرسائل؟ ولماذا الأعشى أشعر الناس؟

       في هذا البحث سنركز أساسا على بعض الصور النقدية في تاريخ الأدب العربي المرتبطة بالذوق لا بالتعليل.

الباب الأول:

النقد الأدبي في العصر الجاهلي

   تمهيد:

 

         كان الشاعر فيما مضى زعيم القبيلة ولسانها وحكيمها وكل الناس يحترمونه ويقدسونه لكثرة علمه وكما قال فيكتور هيغو” الشاعر يكتب باسم الشعب ومن أجل الشعب أدبا ديمقراطيا إنه الناطق الرسمي باسم الشعب” وكان الجهالة يقمون الأعياد والإحتفالات كلما ولد شاعر فالشعر هو أجود ما عند العرب وهو ديوان علمهم وكما يقول محمد بن سلام الجحي في مقدمته “1 وكان الشعر في الجاهلية عند العرب ديوان علمهم ومنتهى حكمهم به يأخدون وإليه يصرون”.

إن الشعر يمثل أفكار الجاهليين ومشاعرهم وأنه مجموع علمهم وثقافتهم ولقد ضاع أكثر الشعر والنثر الجاخليين حتى قال عمرو بن العلاء “2 مااتنهى اليكم مما قالته الغرب أقله،ولو جاءكم وافرا لجاءكم شعر كثير” والسبب في ذلك أن قسطا منه لم يخفظ والآخر زال مع الرواة الذين ماتوا في حروب الفتح. ولقد اجتهد العلماء منهم الجمحي ز ابن قتيبة في تحديد أول من تحدث بالشعر اي الأوائل الذين تكلموا به ووجدوا صعوبة في ذلك.

                  يقول امرؤ القيس:

    عوجا على الطلل المحيل لعلنا               نبكي الديار كما بكى بن خدام

والملاحظ هنا أن هناك من تحدث بالشعر قبل امرؤ القيس كإبن خدام الذي لانعرف عنه شيء. ولقد وصلنا الشعر كاملا مكمولا بأوزانه الشعرية رغم أننا لم نعرف علم العروض إلا مع الخليل بن أحمد الفراهدي….

      أ- المظاهر النقدية عند الجاهليين:

      ارتبط النشاط النقدي بالظروف الإجتماعية للإنسان الجاهلي فلقد كانت عطاظ سوقا تجارية يباع فيها ويشترى طريف الأشياء والحاجي منها وكان يأتيها العرب من كل فج حتى من الحيرة وكانت مجمعا لقبائل العرب بحيث يفدون إليها للصلح أو التعاهد أو التفاخر، وكانت موعدا للخطباء وفوق كل هذا هي بيئة من بيئات النقد الأدبي يلتقي فيها الشعراء في كل عام وكانت العرب تأتي لكي تعرض أشعارها على قريش وكان النابغة الذبياني تضرب له قبة حمراء من جلد فيأتيه الشعراء فتعرض عليه أشعارها. و من أهم الصور النقدية الت كانت في هذا السوق تلك المشاهدة التي كانت بين النابغة والشعراء الأخرون حيث أنشده الأعشى مرة ثم حسان بن ثابث ثم شعراء… ثم الحنساء التي أتشدته قصيدة في رثاء أخيها صخر :

              وإن صخرا لتأتم الهداة به                   كأنه علم في رأسه نار

    فأعجب بالقصيدة وقال لها لولا أن أبا بصيرا-الأعشى- أنشدني لقلت أنك أشعر الجن و الإنس وبالتالي فالأعشى أشعر الناس الذين أنشدوا النابغة تليه الخنساء منزلة.

   ولقد عاب العرب على النابغة الذبياني وبشر بن أبي خلزم بسبب الإقواء في الشعر أي اختلاف حركة الروي في القصيدة ولم يستطع أحد أن يصرحه أحد فأسمعوه شعرا:

            امن ال مية رائح أو مغتدي            عجلان ذا زاد و وغير مزود

            زعم البوارح أن رجلتنا غدا           وبذلك حدثنا الفداف الاسود

ولم يعد إليه مرة أخرى أما بشر بن أبي خلزم فقد نبهه أخوه سوادة …

    ويقول حماد الرواية إن العرب تعرض أشعا رها على قريش فما قبلوه كان مقبولا وما دوه كان مردودا فقدم عليهم علقمة بن عبدة فأنشدهم فقال:

                 ها ما علمت وما استودعت مكتوم؟

   – فقالوا: هذه سمط الدهر ثم عاد إليهم العام المقبل فأنشدهم قائلا:

         طحابك قلب في الحسان وطروب          بعيد الشباب عصر حان مشيب

فقالوا: هاتان سمطا الدهر

  ولقد سمع طرفة بن العبد يوما تنشد بيته :

               وقد أتناسى الهم عند احتضاره         بتاج عليه الصيعرية مكدم

فقال طرفة: استنوق الجمل لأن الصيعرية سمة تكون في الناقة لا في عنق البعير، مجمل القول هذا النفد الأدبي نثد ذوقي يقوم على الإنطباعات الحسية فقط بدون تعليل محدد فهي أحكام لا تتسم لا بالموضوعية لا الحياد والنزاهة فهي أحكام نسبية ليس إلا.ومن الظاهر النقدية الت توضح صحة ما أقول محاكمة أم جنذب بين زوجها أمرؤ الثيس وعلقمة بحث تنازعا في الشعر فقال كل واحد للأخ أنا أشغر منك فاحتكما إلى أم جنذب وطلبت منهما أينشدا شعرا يصفان فيه فرسيهما على قافية واحدة وعلى روي واحد.

فقال امرؤ القيس:

    خللي مر بي على أم جنذب              تقضي لبنات الفؤاد المغذب

وقال علقمة:

    ذهبت من الهجران في غير مذهب         ولم تك حقا كل هذا التجنب

فقالت : علقمة أشعر من زوجها قيس فسألها زوجها عن السبب فأجابته : فرس علقمة أجود من فرسك فطلقها وفي رواية فتزوجها علقمة من هنا يمكن أن نلاحظ أن هذا النقد لم يرتقي إلى مستوى الموضوعية ويحتكم إلى الأحاسيس والذوق الشخصي.

وفي كتاب الأغاني للأصفهاني أنشد لبيدلا النابغة الذبياني يوما وهو لا زال صغيرا فقال:

                   الم ترجع على الدمن الخوالي

   فقال له : أنت أشعر بني عامر فأنشده ثانية فقال:

              طلل لخولة في الرسيس قديم

قفال له: اذهب أنت أشعر من قيس كلها

   النابغة الذبياني يغير آراءه مع مرور الزمان والمكان في الأول أشار إلى أن الأعشى أشعر الناس ثم بكلام صغير جعل من لبيد أشعر من قيس كلها هذا إن دل على شيئ فإنما يدل على أن النقد الجاهلي لا يستند إلى منهج محدد وإنما برعبة النافد فقط.

سئل الحطيئة : من أشعر العرب فقال: الذي يقول

     ومن يجعل المعروف من دون عرضه           يفره ومن لا تتقي الستم يستم

يعني زهيرا ثم سئل : ثم من؟ فقال الذي يقول:

     يا من سئل الناس يحرموه           وسائل الله لا يخيب

ومن المظاهر النقدية أيضا ما جرى بين النعمان بن المنذر والنابغة الذي مدحه بقوله:

         تراك الأرض إما متخفا         وتحيى إن حييت بها ثقيلا

إذ قال النابغة: هذا البيت أن لم يافقه من لم يثبث معناه كان من الهجاء فقال:

    وذاك إن حللت العز منها            فتمنع جانبيها أن يميلا.

 

 

الباب الثاني:

النقد في عصر صدر الإسلام

 

 

تمهيد:

تحدى القرآن الكريم العرب وأمعن في التحدي ووقف العرب إزاءه ذاهلين حيارى لا يدرون كيف يعارضونه ولا يجدون إلى تلك المعارضة سبيلا، ولو أن للعرب روحا علمية في الشعر وحسبنا أن نقول في هذا المقام : إن القرأن تحدى العرب ببلاغته ونظمه وأن عجزهم أن يأتوا بمثله جعلهم يعرفون أن هناك من هوأصح من علمهم. ولم يكن النبي صلى الله عليه وسلم يتحرج من الشعر ويتألم بالقدر الذي يظنه أكثر من الناس فالشعر سلاح ماض من الأسلحة العربية………

   إن النقد الأدبي ظل مستمرا في عهد البعثة الإسلامية وأن العرب لم يكفةا عن النظر في

الشعر والموازنة بين الشعراء وقد أينا إقرار قريش لحسان بن ثابث.

- المظاهر النقدية في صدر الإسلام:

       يعتبر عمر بن الخطاب رضي الله عنه من أخص الخلفاء الذين عرفوا النقد الأدبي فقد كان رضي الله عنه عالما بالشعر ذا بصر فيه تحدث يوما مع وفد غطفان فقال أي شعرائكم الذي يقول:

                أتيتك عاريا خلقا ثيابي               على خوف تظن به الظنون

     قالوا: النابغة فقال لهم أي شعرائكم الذي يقول :

               حلفت فلم أترك لنفسك ريبة            وليس وراء الله للمرء مذهب

         قالوا: النابغة فقال لهم أي شعرائكم الذي يقول :

          فإنك كالليل الذي هو مدركي           وإن خلت أن المنتأى عنك واسع

قالوا: النابغة قال : هذا أشع شعرائكم فالنابغة في أي عمر أشعر غطفان أشعر شعراء عبيد وذبيان أشعر من أمرو القيس وعنترة و عروة بن الورد وجاء في كتاب الأغاني: أن عمر سأل عن أشعر الناس فلم يجبه أحد فأنشد الأبيات السابقة فقالوا النابغة الذبياني فقال هو أشعر العرب.و لكن رغم ذلك فهناك خبر يروى عن عمر لا يتمشى مع ما سبق قال ابن عباس:

قال لي عمر : ليلة في غزوة غزاها هل تعرف من هو أشعر الشعراء فقلت: من هو قال الذي يقول:

                ولو أن حمدا يخلد الناس أخلدوا         ولكن حمد الناس ليس بمخلد

 قلت: زهير فقال: هو أشعر الشعراء لأنه لا يعاظل في الكلام ولايمدح احد إلا بما فيه….

   هكذا يتضح لنا وبجلاء أن النقد الأدبي في عصر صدر الغسلام لازال كما هو في الجاهلية مرتبط بالذوق والإنطباعات الحسية فالنقد يتغير بتغير الزمان والمكان فالنابغة كان أشعر الناس لكن زهير أيضا أشعر الناس، ومن المظاهر النقدية أيضا من هناك أشعار حرمها الإسلام ويعاقب عليه من يخرص على إقامة حدود الله من ولاة المسلمين والرواة بحدثوننا أن الحطيئة هجا الزبرقان وقال:

        دع المكارم لاترحل لبغيتها             وأقعد فإنك أنت الطاعي الكاسي

ولجأ الزبرقان إلى عمر ضي اللله عهه فحاول أن يصلح الأمر بينهما لكن الزببرقان عنيد بسبب كلمات الحطيئة الت جرحته، كان الناس يحترمون الحطيئة شعا الهجاء خوفا من أن يهجوهم ويقدمون له المال والخدمات.

   كذلك استعدى بنو عجلان عمر بن الخطاب على النجاسي الذي جهاهم بقوله:

         إذا الله غادى لؤم ورقة             فعادى بني العجلان رهط ابن مقبل

     ولقد ظل النقد الأدبي في هذا العصر يتميز بالإتساع والتطور وتنوعت جاله فكان الرسول صلوات الله عليه ينزاح إلى شغر النضال الديني فكان يردد بيت طرفة:

     ستبدي لك الأيام ما كنت جاهلا             ويأتيك الأخبار ما لم تزود

فقال هذا من كلام النبوة وكان عمر معجب بسحيم الدينية الذي يقول:

      عميرة ودع إن تجهزت غاديا         كفى الشيب و الإسلام للمرء ناهيا

وبالتالي فجميع هذه النصوص النقدية التي وقفنا عليها في فتة صدر الإسلام هي أحكام ذوقية ليس إلا لأن الحكم النقد غالبا يأتي ويذهب بدون تعليل هذا لا يمنعنا أن نقول إن النقد الأدبي غير موضوعي لا يتسم لا بالحياد ولا النزاهة والشفافية ..

 وجاء في كتاب تاريخ الأدب العربي لحنا الفاخوي أن حسان بن ثابث تغلب على أشعاره المدح والهجاء فقلقد تصادما يوما مع قيس بن الخطيم وهحجاه قائلا:

        لعمر إبيك الخير يا شعت ما نبا      علي لساني في الخطوب ولا يدي

        لساني وسيفي صارمان كلاهما       ويبلغ ما لا يبلغ السيف مذودي

 كان حسان يفتخر بالنبي صلوات الله عليه ويتناقض مع مجموعة من الشعراء الذين يهجونه.يقول حيان وهو يمدح النبي صلى الله عليه وسلم:

              نبي أتانا بعد يأس وقسوة          من الرسل والأوان في الأرض تعبد

    ومن المظاهر النقدية أيضا قال حسان وهو يهجو بن سلم بن عمرو هصيص:

            واللهما في قريش كلها نفر           أكثر سيخا جبانا فاحشا غمرا

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>

Current ye@r *

إلى الأعلى