الرئيسية | مقالات - عمود زاكورة بريس | الحلقة الاولى من نقد الإلحاد المعاصر
الحلقة الاولى من نقد الإلحاد المعاصر

الحلقة الاولى من نقد الإلحاد المعاصر

محمد الحلوي

محمد الحلوي
أريد إذا سمحتم لي أن أنتقد الإلحاد المعاصر (بما أستطيع من التبسيط والوضوح) في مقالتين … سأخصص المقالة الأولى لبسط الحجج الأساسية للإلحاد المعاصر لأتناول هذه الحجج تناولا نقديا في المقالة الثانية.

الإلحاد المعاصر ليست فكرا واحدا أو فلسفة واحدة، بل هو كم هائل من الأطاريح التي تتخذ أحيانا طابعا “علميا” (مثال ريتشارد داكينز صاحب كتاب: the delusion of God) أو “فلسفيا علميا” (مثال دانييل دانيت صاحب كتاب: فكرة داروين الخطيرة) أو “فلسفيا” (مثال برتراند راسل صاحب مقالة “لماذا أنا ملحد أو لا أدري؟”).

سأحاول هنا أن أستجمع البناء المنطقي الأساسي لأهم الحجج التي استخدمت لنفي وجود الله أو التشكيك في هذا الوجود كما وردت عند ممثلي هذه الإتجاهات الثلاثة ثم سأقوم بعد ذلك بنقد هذا المنطقي بطريقة جذرية.

تبدأ قصة الإلحاد المعاصر رسميا مع رجل ألماني ألمعي اسمه كانط إيمانويل. لم يكن كانط ملحدا بل مهد للإلحاد المعاصر بطريقة ذكية. فكرته الأساسية هي أن مشكلة المدافعين عن وجود الله يغفلون سؤالا في منتهى الأهمية وهو: هل الجملة “الله موجود” (أو نفيها: “الله ليس موجودا”) جملة ذات معنى أصلا؟ إذا لم يكن لهذه الجملة معنى، فلا يمكن أصلا أن نطرح السؤال: “هل الله موجود” وبالتالي لا يمكن نثبت أو ننفي وجود الله.

تتكون الجملة “الله موجود” من مبتدأ هو “الله” وخبر نسنده لهذا المبتدإ وهو “موجود” … الخبر، في هذه الحالة، “محمول” يسند إلى موضوع هو “الله”. ولكن ما معنى “موجود”؟ يشكك كانط في إمكان توفر هذا الخبر على تأويل وينبني تشككه على الإعتبارات التالية:

أولاـ “موجود” ليست محمولا أصلا ولكن مجرد رابط نحوي توهمنا اللغة أنه محمول. إنه مثل الفعل etre في الفرنسية الذي يربط بين الفاعل والمحمول الحقيقي. فعندما تقول Marie est intelligente، فإنك تستعمل الفعل est لتربط بين الفاعل وما تريد أن تسنده لهذا الفاعل Marie

ثانياـ الخبر “موجود” هو معنى يلزم عن أي محمول كيفما كان. فعندما تقول: “التفاحة خضراء”، فإن قولك هذا يفترض بأن التفاحة موجودة، لكن عندما تقول: “التفاحة موجودة” فلا يلزم أي شيء عن “وجودها”. لذلك فإن “الوجود” ليس محمولا بل مجرد رابط نحوي توهمنا اللغة بأنه محمول.

ثالثاـ إذا اعتبرنا بأن “الوجود” محمول حقيقي فإننا سنسقط في تناقضات منطقية منها ما يلي: عندما تقول:”سقراط غير موجود” فإنك تناقض نفسك، لأن استعمال “سقراط” في موقف الفاعل يفترض وجوده بالضرورة، وبالتالي فلا يمكن أن نقول عن شيء بأنه غير موجود (إذن فكل شيء موجود!!)، وهذا عبث.

رابعاـ بما أن الله يُعرف بأنه خالق الكل فهو متتميز عن هذا الكل، ومتميز عن الزمان والمكان. لكن بما أن كل ما يستطيع أن يتصوره الإنسان، لا يفلت من قبضتي الزمان والمكان، فلا يمكن أن نسند لله أية صفة بما في ذلك “صفة” الوجود.
مشكلة إثبات وجود الله إذن ليست هي أن لا دليل على وجود الله، بل أن الجملة “الله موجود” هي جملة غير ذات معنى … غير قابلة للتأويل …

الحل؟ … بالنسبة لكانط لا يمكن أن نثبت وجود الله ب”البرهنة” على وجوده بل تثبيت وجوده ب”العمل الأخلاقي” … الله هو المثال الذي ينبغي أن تتجه أعمالنا الأخلاقية نحوه، وكلما “ثبتنا” في المبادئ الأخلاقية القطعية الواجبية الصادرة عن “عقلنا الأخلاقي” كلما “أثبتنا” وجود الله عمليا بسلوكنا.
وصلنا هنا منتصف الطريق نحو الإلحاد الكامل

الجزء الثاني من القصة سيبدأ مع فلاسفة آخرين (مثل هيڭل) لكني لن أدخل في تفاصيل تقنية فلسفية … سأتجه رأسا إلى الإلحاد بصيغته الحديثة.

مشكلة الإيمان بوجود “إله” بالنسبة لبرتراند راسل أن المؤمن به يدفع نفسه للإيمان بشئ ليس متأكدا من وجوده. لذلك فالمؤمنون دائما “كذابون” … يكذبون على أنفسهم إذ يوهمون أنفسهم بأنهم مقتنعون بوجود الله، ويكذبون على الأغيار لأنهم يثبتون ما لا دليل لهم على وجوده ولأنهم يوهمونهم بأنهم متيقنون من وجوده بينما هم غير متيقنين من ذلك.

تتخذ الحجة الراسلية الشكل التالي: ليس لدينا دليل على عدم وجود الله ولكننا لسنا في حاجة لافتراض وجوده لتفسير ما نراه في عالمنا. وجود الإنسان وفرادته الأنطولوجية يمكن تفسيرها بدرجة عالية من اليقين بمبدأي الإنتقاء الطبيعي وآلية البقاء للأصلح، وجود النظام في الطبيعة يمكن تفسيرها بمضاعفة الأنساق الطبيعية البسيطة. إذا استعملنا هذه المبادئ البسيطة يمكن أن نفهم حتى الأمور الدقيقة في حياتنا التي نأخذها مأخذ البداهة …

مثلا يمكننا مبدأ البقاء للأصلح أن نفهم لماذا يميل الرجال إلى تفضيل الإناث ذوات الخصر الواسع، وذلك عندما نتذكر بأن الخصر الواسع يدل على اتساع رحم الأنثى وبالتالي قدرتها على الإنجاب الفعال … يمكننا أيضا هذه المبدأ أن نفهم لماذا نستلذ بعض المأكولات كالسكر، وذلك إذا تذكرنا بأن الملايين من أجدادنا الذين كانوا لا يستلذونه هلكوا بسبب عجزهم عن الحركة. يمكننا هذا المبدأ أيضا أن نفهم لماذا يستلطف الكبار الأطفال الرضع ويستلذون رائحتهم البيولوجية … فالجينات المشتركة بيننا وبين الأطفال تجعلنا نميل إلى إكمال ضعفهم الفيزيولوجي بالإعتناء بهم والحفاظ عليهم … ولا يمكن لهذا الميل أن يرسخ إلا احتفظت الطبيعة فقط بهؤلاء الكبار الذين طوروا حواس تستلذ “قذارة” الأطفال وتستلطف شكلهم وسلوكهم، إلخ. طور الإنسان ملكة “الضحك” لأن الجماعة تحتاج إلى معاقبة كل سلوك شاذ دون استعمال العنف الجسدي المؤذي … الضحك خاصية “انتقائية” حافظت على بقاء النوع الإنساني لقرون … وهكذا.

“وجود الله” لا يفسر شيئا … هذه هي خلاصة الإلحاد الحديث. حتى بداية الكون التي كنا ننسبها للإله أو الآلهة يمكن فهمها إذا افترضنا أن الكون بدأ بانفجار عظيم لكتلة مكثفة من المادة ـ الطاقة وإذا افترضنا أن هذا الإنفجار هو السبب في التوسع المطرد للكون الذي نستطيع أن ترصده المكبرات العملاقة اليوم … فالجزء الأكبر من الكون ينتكون من أخف الغازات وأكثرها بساطة وهو غاز الهيليوم، مما يؤكد أن التعقد الظاهر للكون هو نتيجة لتركيب العمليات والمكونات البعدية… مما يعني أننا لسنا لافتراض “المحرك الذي لا يتحرك” لنفهم لماذا يوجد الكون بالصورة التي هي عليه.

العقل الإنساني مسألة معقدة، ولكن الملاحدة الحديثين مثل دانييل دانيت يؤكدون بأن هذا التعقد الظاهري قابل للفهم في إطار طبيعي لا تدخل “للآلهة” فيه. إذا حللنا أفعال الوعي الإنساني بدلالة سلوكات النيورونات، وحللنا سلوك النيورونات بيولوجيا، وحللنا السلوك البيولوجي كيماويا، فإننا سنفسر ما يعتبره الناس دليلا على وجود خالق ذكي (= الله) بطريقة لا تحتاج لأي تدخل خارق. كثير من الناس لا يعرف بأن بأن شومسكي ملحد وبأن مشروعه اللساني هو محاولة للبرهنة على أن اللغة (البيان الإنساني) ليس سوى آليات بسيطة تختفي وراء التعقد الظاهري للغة الإنسانية.

يتخذ الإلحاد المعاصر أيضا شكل الإعتراض على الظلم الإجتماعي … “الله” أيديولوجية استعملت لقمع الطبقات الفقيرة وتخديرها، ولاستعباد المرأة، ولتخليد أنماط الإنتاج الإستغلالية، ولتخدير الشعوب والطبقات الكادحة. أكبر دليل على عدم وجود الله بالنسبة لجون بول سارتر هو أن وجوده يفترض بأننا لسنا أحرارا (والحقيقة أننا أحرار)، وذلك لأن وجود الله يستلزم أن كل أعمالنا معروفة لديه من الأزل، وبالتالي فهي محتومة في “علمه الإلهي”. وجود الله نفي للحرية.

خلاصة الإلحاد المعاصر أن “وجود الله” لا يفسر لنا أي شيء … بل يستعمل لتأبيد الظلم والفقر والجهل.

سأبين لك في المقال الثاني بأن البناء المنطقي للحجج الإلحادية مؤسس على الرمل … مهما كانت ضخامة البيوت المبنية على الرمال فإنها تسقط سريعا.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>

Current ye@r *

إلى الأعلى