الرئيسية | إقتصاد | السياحة الصحراوية بواحة سكورة زخم في المؤهلات و فقر في البنيات
السياحة الصحراوية بواحة سكورة  زخم في المؤهلات و  فقر في البنيات

السياحة الصحراوية بواحة سكورة زخم في المؤهلات و فقر في البنيات

سليمان رشيد / سكورة - ورزازت

تشكل السياحة الصحراوية بواحة سكورة (إقليم ورزازات) فرصة مواتية لبناء التنمية المحلية تعول عليها الساكنة كثيرا بعد قطاع الفلاحة ,ترتكز هذه الفرصة على مؤهلات المنطقة الطبيعية و التراثية و التاريخية حيث يتزاوج المناخ الجاف بالواحات الخضراء و تتجاور الطبيعة العذراء بالمداشر الجبلية ’ و هي كلها أمور تبني عرضا سياحيا نادرا قل مثيله على المستوى الدولي ، مما يمنح المنطقة إمكانية أن تصبح مقصدا سياحيا وطنيا و دوليا ذا قيمة مضافة كبيرة وواجهة بارزة للسياحة المغربية. لكن لتحقيق ذلك، وجب بناء إستراتيجية مستدامة للتنمية السياحية المحلية قوامها حزمة إجراءات تهم تقوية البنيات الأساسية و حسن الترويج والتسويق للمنتوج السياحي المحلي و تثمين التراث الثقافي و الغنائي والشفوي للمنطقة وتطوير وسائل النقل الداخلي ودعم تنافسية القطاع.

·       المؤهلات الطبيعية و التاريخية و التراثية :

 تحتل واحة سكورة موقعا صحراويا / جبليا متميزا على السفوح الجنوبية لجبال الأطلس الكبير كمنبسط سهلي بين الأودية يربط هضاب الأطلس الكبير بجبال صاغرو و يفتح الطريق نحو صحراء الجنوب الشرقي للمملكة  و تنقسم إلى خمسة أطراف مترامية على هوامش المجاري المائية لكل من وادي دادس و وادي امدري و وادي بوجهيلة و وادي الحجاج ’هناك حيث تفاجئك بساتين طبيعية ممتدة و روابي خضراء من حقول الفصة و الحبوب مخفية بإحكام تحت ظلال النخيل و أشجار الزيتون لا يكسر صمتها سوى تغريدات حية لأنواع نادرة من الطيور الغناء و خرير مياه السواقي التقليدية المتدحرج على مدرجات إسمنتية بسيطة و على الطريق الداخلية للواحة تطالعك بين الفينة و الأخرى قصبات و قصور شاهقة و قديمة تحجب أشعة الشمس الصفراء على عيون الناظرين ,تتناسب بنيتها الطينية السميكة مع متطلبات المناخ الجاف السائد هنا أغلب شهور السنة و تتناغم زخارفها المعمارية مع التنوع الثقافي و الاثني المتعاقب على المنطقة منذ القرون الوسطى .أنشئت هاته الواحة خلال القرن الثاني عشر الميلادي من طرف السلطان الموحدي يعقوب المنصور و تتألف من عدد كبير من القصبات تعلوها أبراج دفاعية تشبه الحصون بنيت أغلبها في القرن التاسع عشر ومن أشهر هذه القصبات و أقدمها قصبة أمريديل التاريخية الواقعة بالجزء الجنوبي للواحة بدوار اولاد يعقوب و التي يعود تاريخ إنشائها إلى القرن السابع عشر و تعتبر من أهم المنشآت العمرانية المتواجدة بواحة سكورة، وتتميز بأبراجها المزخرفة بالطوب والطين و تشتهر بكونها إحدى أهم المعالم التاريخية التي حضيت بشرف الترويج لها بالورقة المالية (خمسون درهما ) بالإصدار السابق لسنة 1997 على الجهة الخلفية ,كما تحضى بالقسط الأوفر من زيارات السياح المتوافدين على المنطقة , وتتكون قصبة أمريديل من ثمانية منازل قديمة مرتبة على جانبي ممر أوسط بينما تشكل واجهاتها بنية دفاعية بأبراج مراقبة تؤثث زواياها الأربع ، كما تمت إضافة رياض و صالة للضيوف بداخلها و تسير حاليا من طرف عائلة أل الناصري ذات الأصول العريقة و المتفرعة عن الزاوية الناصرية .كما توجد قصبة أيت عبو في الجزء الشمالي من واحة سكورة بدوار تجنات ، بنيت هذه القصبة في العقود الأولى من القرن التاسع عشر و تمت إضافة وحدات جديدة داخلها لاحقا كي تشكل دارا للضيافة ومأوى سياحي ,و هي القصبة التي حضيت بشرف إدراجها ضمن اتفاقية تثمين القصبات التي وقع عليها المجلس الإداري للشركة المغربية للهندسة السياحية والشركة المغربية لتثمين القصبات مع ملاكي هذه القصبة تحت رئاسة السيد لحسن حداد وزير السياحة،بتاريخ 24/07/2013 بورزازات، و ترمي هذه الاتفاقية إلى التأهيل والتطوير والتنمية السياحية لهذه القصبة التاريخية – إضافة إلى قصبات أخرى من مدن زاكورة و الراشيدية – التي تزخر بدلالات ثقافية وحضارية و تراثية شتى بالإضافة إلى قصبات ايت بن مورو و ايت بعلال و دار ايت الشعير و ايت المديحي و غيرها كثير .  

كما تمتاز هذه المنطقة، بـتراث شعبي أصيل ومتميز و متشعب يتوزع بين حكايات وروايات وخرافات مازال الرواة يتداولونها حتى الآن، و شعر غنائي محلي و فرق عيساوة و كناوة (العبيد) و أحواش و الهرامي و الملحون و الريلة وغيره ’و هي خاصيات محلية متجذرة تنضاف إليها العديد من التقاليد و العادات الاجتماعية الراسخة بالوعي الجمعي للساكنة كموسم مولاي الطيب الذي يقام في التاسع عشر من ربيع الأول من كل عام،بتزامن مع أسبوع ولادة النبي صلى الله عليه وسلم وهو احتفالية كبرى تنظم كل سنة على امتداد أسبوع ’يجري إجراؤه بمناطق مختلفة من الواحة قبل الاحتفالية الكبرى لليوم الثامن و تعرف حضورا مركزيا لفن عيساوة يترافق مع شبه معرض للأنشطة التجارية و بيع للمنتوجات الفلاحية .

 منتوجات الصناعة التقليدية أيضا تغنى المشهد السياحي المحلي بحيث تعتبر واحة سكورة قبلة وحيدة لفن الخزف التقليدي بإقليم ورزازات  و يتوزع ممارسوه بين أفران قرية الكدارة و دوار اولاد العربية و يحضى هذا الفن بسمعة طيبة بعموم الجنوب المغربي ’كما تعرف المنطقة حضورا لافتا لصناعة الزرابي بنوع  يمزج بين الفسيفساء الامازيغية التقليدية و الواوزكيتية العصرية  ’إضافة لعدة فنون أخرى كالطرز و الصناعات القصبية و السعفية و الدوم و الخشب و الجبص و العديد من الفنون المعمارية العريقة . كلها مؤهلات تعمل مجتمعة على خلق منتوج سياحي واحي فريد من نوعه ’بامكانه خلق فرص حقيقية للنهوض الاقتصادي بالمنطقة لو تم تثمينه من خلال تقوية فضاءات الاستقبال السياحية وإحداث مدارات لاكتشاف هذه المؤهلات الطبيعية و التاريخية ودعم التنشيط الثقافي الرامي للاحتفاء بالتراث المادي وغير المادي للواحة و ساكنتها.

·       أرقام متباينة ودلالات عميقة  :

تحتوي واحة سكورة على حوالي 32 مؤسسة إيوائية بطاقة استيعابية تبلغ في مجملها ما بين  460 غرفة و 890 سرير بمطاعم سياحية داخلية غير مصنفة في غالبها و تبعد سكورة عن المطار الدولي لورزازت بحوالي النصف ساعة فقط ( 40 كلم ) مطار يستقبل زوارا من كل جهات العالم ،و تفيد إلاحصائيات المحلية بأن السياح الفرنسيين يتصدرون قائمة الوافدين على واحة سكورة متبوعين بالسياح الألمان ثم  السياح الأسبان بنسب متفاوثة بين 2 و 5 بالمائة . أما بالنسبة للسياحة الوطنية، فقد احتلت المرتبة الرابعة من مجموع الوافدين على الواحة ، وذلك بعد أن سجلت ارتفاعا بنسبة 15 بالمائة عما كانت عليه سنة 2012 .

تتوزع المؤسسات السياحية بالمنطقة بين مؤسسة واحدة للضيافة الراقية بدوار أولاد الشيخ علي بقلب الواحة و هي قصبة قديمة شرع في استغلالها و تحويلها إلى مؤسسة للإيواء السياحي قبل حوالي عشرين سنة خلت من طرف شركة سياحية أجنبية ,و بين ثمان دور للضيافة من المستوى الأول يتوزع تدبيرها بين المنعشين السياحيين المحليين و الأجانب و تحقق نسب ملء متوسطة و احدى و عشرين مأوى مرحليا متفاوتا و مخيما سياحيا واحدا و فندقا عصريا واحدا ’و تتوزع الخدمات التي توفرها هذه المؤسسات لزبنائها و تتفاوت بحسب درجات تصنيفها بين الخدمات الداخلية كالمطاعم و المسابح و مواقف السيارات و الهاتف و الانترنت و الصونا و التكييف و التلفاز و قاعات الألعاب و الرياضات و غيرها و بين الخدمات الخارجية كتنظيم الخرجات السياحية و توفير النقل السياحي و المرافقين السياحيين  … الخ .معظم هذه المؤسسات تحافظ على شكل البناء التقليدي القائم على المواد المحلية مع إضافات عصرية لا تفسد المنظر العام .

نسبة مساهمة هذه المؤسسات السياحية مجتمعة لا تتعدى 17 مليون سنتيم فقط بمداخيل ميزانية الجماعة القروية لسكورة أهل الوسط بالرسم المعروف بالضريبة على الإقامة بالمؤسسات السياحية الا أنها تخلق حوالي 300 منصب شغل بطريقة مباشرة و حوالي الألفي شخص بطريقة غير مباشرة عن طريق الأنشطة الموازية للقطاع ’غير أن بإمكانها المساهمة بأكثر من ذلك بكثير لو خضعت لحكامة و مراقبة جيدين حيث أنه صار معلوما لدى الجميع أن مؤسسات كثيرة لا تصرح بالعدد الحقيقي الذي تأوي سنويا في محاولة منها للتهرب الضريبي ,و يغلب على معظم المأوي السياحية الصغيرة الطابع العائلي الشيء الذي يحول دونها و دون تحقيق الاحترافية و التطور .

·       فقر في البنيات الأساسية و ضعف التسويق السياحي و مشاكل أخرى :

نظرا  لطبيعتها القروية و لتشتت أطرافها فان معظم مناطق واحة سكورة تعاني خصاصا مهولا في البنيات الأساسية كالطرق و القناطر و هو الشيء الذي يؤثر سلبا على نشاط معظم المؤسسات السياحية الواقعة وسط الواحة و التي يزيد عددها عن ثلثي العدد الإجمالي ,بحيث لا تساعد أبدا المسالك الترابية على الولوج و التعمق في الواحة خصوصا إبان فتراث تساقط الأمطار و توحل الطرق إضافة لضيقها و تقطعها باستمرار بفعل ارتفاع منسوب الأودية و فيضانها  ’و يزيد من تعقد المسألة غياب أية وسائل للتشوير و التوجيه الشيء الذي يؤدي لتيه السياح وسط الواحة و إحجامهم عن الاستكشاف و البحث عن مؤسسات الإيواء هناك .

 بدوره يؤدي غياب وكالة محلية للأسفار و الرحلات كما غياب مكتب للإرشاد السياحي بالمنطقة و انتشار المرشدين  السياحيين المزيفين إلى إفقاد المنطقة  عددا لا يستهان به من السياح بفعل الممارسات المشينة و المسيئة للمهنة التي يقوم بها المرشدون المزيفون في حق السياح و التي تصل حد النصب و الاحتيال و ابتزاز الأموال و التي تؤثر سلبا على سمعة المنطقة في غياب تام لأدنى تدخل من السلطات المحلية لوضع حد لذلك .

ناهيك عن كل ذلك أدى انتشار الإيواء السياحي العشوائي تحت مسمى السياحة التضامنية أو الإيواء العائلي إلى إضعاف المؤسسات المرخصة بفعل ممارستهم للإيواء السياحي بدون رخصة بأثمان جد رخيصة بلغت حد الخمسين درهما (50 درهما) لليلة الواحدة بينما تتراوح السومة العادية للإيواء بين 250 درهما و 1200 درهما بالمؤسسات المرخصة’في حين تلجأ عائلات أخرى أجنبية إلى شراء منازل قديمة و تحويلها إلى رياضات ( Riad ) مجهزة و مفروشة تكتريها للأجانب عن طريق عرضها على الانترنت مع استعمال خدمة الأداء المسبق بالبطاقات البنكية الدولية لتحصيل الأموال و تكليف حارس محلي بتدبير تسليمها للأجانب في الزمان و المكان المتفق عليهما و هي عملية تجني بها أرباحا صافية كبيرة و لا تؤدي عليها أية ضرائب .

من جهة أخرى يشتكي العاملون بقطاع السياحة بواحة سكورة من غياب خطة للتسويق و الترويج السياحي لمنتوجهم سواء داخل الوطن أو خارجه و هو شيء يرجعه البعض لضعف التمثيلية داخل المجلس الإقليمي للسياحة’كما يتوق هؤلاء الفاعلون إلى تدخل وزارة السياحة عن طريق مندوبيتها الإقليمية لتصحيح المسار و بناء و تفعيل خطة مستدامة للنهوض السياحي قوامها حملات إعلامية و دعائية دائمة بالاعلامين المرئي و المكتوب الوطني و الدولي و إعداد نشرات و دوريات دعائية متعددة اللغات و عقد لقاءات موضوعاتية بين الفينة و الأخرى و تنظيم زيارات للوكلاء السياحيين المغاربة و الأجانب للمنطقة شبيهة بتلك التي نظمت لفائدة الجمعية الجهوية لوكالات الأسفار بالدار البيضاء على مدار يومين و تم فيها استكشاف مدينة ورزازات شهر نونبر 2013 بهدف التعرف على المنطقة والوقوف عن قرب على منتوجها السياحي المحلي وتوجت بالتوقيع على اتفاقية ثنائية للشراكة والتعاون للنهوض بالقطاع و تلك التي نظمت لفائدة منعشين سياحيين و صحافيين برازيليين بالثالث و الرابع من نونبر 2013  وأخرى نظمت لفائدة رجال الأعمال و المقاولين السياحيين الايطاليين و الألمان و غيرهم .

 ·       الجمعية السياحية لسكورة : من الفكرة الى التحدي

         على مدى سنوات ظلت فكرة التنظيم الجمعوي للفاعلين السياحيين بالمنطقة مغاربة و أجانب تراودهم كحلم و فجأة تحققت الفكرة بفعل دخول كفاءات شابة ذات تجربة احترافية بالقطاع ولجت الميدان و أنشأت تنظيمها الجمعوي ’هذا المولود الذي رفع شعار تطوير السياحة في واحة سكورة و جعله رافعة للتنمية في المنطقة’ما فتئ أن اصطدم بواقع الحال بفعل انعدام الدعم المادي و اللوجيستيكي و جسامة التحديات المتمثلة في اشتداد المنافسة غير المشروعة و ضعف البنيات الأساسية و صعوبة الالتزام ببرنامج عمل تنموي مدقق و مفصل ,غير أن ذلك لم يمنع الجمعية من تركيز جهودها من أجل جعل واحة سكورة وجهة سياحية متفردة للسياحة الصحراوية /القروية وجعل القطاع شريكا رئيسيا بمجال التنشيط الاقتصادي والثقافي والتراثي بالمنطقة’من خلال المشاركة بمهرجان سكورة الأول و دعم جهود الدولة في تنمية التراث المعماري لسكورة من خلال الحفاظ على القصبات و القصور وتثمين حمايتها ’كما ساهمت الجمعية منذ نشأتها في جهود المجتمع المدني لحماية نخيل الواحة من العمليات التجارية التي استهدفت اجتثاثه و إبادته ’و هي اليوم تسعى لتشكيل جبهات للتعاون مع المنظمات الوطنية و الدولية لتعزيز قطاع السياحة في سكورة و تنميته .

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>

Current ye@r *

إلى الأعلى