الرئيسية | مقالات - عمود زاكورة بريس | “الزاوية”وسؤال التعريف
“الزاوية”وسؤال التعريف

“الزاوية”وسؤال التعريف

محسن عباسي - زاوية سيدي صالح . زاكورة

مؤسسة الزاوية: سؤال التعريف

     إن أول ما يعترض الباحث في الزوايا؛ سؤال الماهية.  فما المقصود ب” الزاوية”؟.

 تجد كل المصطلحات العلمية سندا لها في اللغة بحيث يطابق مدلولها في أصل اللغة مدلولها في تداول المهتمين وأهل الاختصاص. ومفهوم “الزاوية” من هذا القبيل؛ فمن يرجع إلى أصل اشتقاقها في اللغة يجده يحوي كل المعاني المرتبطة بتكوين وتشكل الزاوية حتى عهدنا اليوم. قال ابن فارس :” الزاء والواو والياء أصلٌ يدلُّ على انضمامٍ وتجمُّع “.وفي لسان العرب :”الزَّيُّ مصدر زَوى الشيءَ يَزْويه زَيّاً وزُوِيّاً فانْزَوى نَحَّاه فتَنَحَّى وزَواهُ قبضه وزَوَيْت الشيءَ جمعته وقبضته(..)وانْزَوى القوم بعضُهم إلى بعض إذا تدانوْا وتضامُّوا ,,وزاوِيَة البيت رُكْنُه.

 

zaouiat sidi Saleh

    وهكذا نجد أن المعاني اللغوية لكلمة الزواية تدور حول التجمع وحول العزلة والانفراد؛ وهذه المعاني حاضرة في تكوين الزواية، فلا شك هي التي يجتمع فيها المريدون والمرابطون، بحيث يكونون في معزل عن الناس حتى يمكنهم ممارسة شعائرهم وطقوسهم في جو من السكينة والهدوء. وإلى هذا الجماع أشار د: عبد الجليل حليم قال:” لئن كانت الزاوية لغة ركنا من المكان بما يحيل عليه الفعل انزوى الدال على الانعزال والانفراد، فهي أيضا تحمل معنى الجمع والضم من زوى الشيء بمعنى جمعه”.

   وأما في الاصطلاح وهو مقصودنا فإن التعريفات التي ساقها المهتمون قد اختلفت ألفاظها وعباراتها  واتحدت أغراضها، وإن كانت أغلبها عرفها بما اضطلعت عليه من وظائف ومهام كما سيظهر:

  يقول حجيي:” أما الزاوية فعبارة عن مكان معد للعبادة وإيواء المحتاجين وإطعامهم وتسمى في الشرق خانقاه. فالزاوية باعتبارها محجا لأهل التصوف وطلبة العلم عند متصوفة المشرق تسمى الخانقاه وقد اضطلعت هذه الأخيرة تماما بمهام الزاوية عندنا؛ وإلى هذا المعنى  يشير الطاهر بن عاشور قال:وأما الخوانيق ” جمع خانقاه ويقال الخانكات جمع خانكاه ” وهي منازل ذات بيوت يقطنها طلبة الصوفية وكذلك المدارس يقطنها طلبة العلم”.

    وقيل في تعريف الزاوية إنها “مدرسة دينية ودار مجانية للضيافة وهي بهذين الوصفين تشبه كبير ا الدير في العثور الوسطى”.[1] لكن الزاوية تجاوزت الخانقاه والدير كلاهما من جهة تأثيرها في محيطها الخارجي كما هو معلوم، كذا اشتغالها بالسياسة وأمور الجهاد والحرب..

     ويعرفها الدكتور حليم بقوله :”كانت الزوايا في الأصل عبارة عن رباطات حيث يختلي بعض الأولياء الصالحين مع مريديهم. ولكل منها طريقتها الخاصة التي تكمن في أوراد وفي مجموعة طقوس معينة .إنها مؤسسة دينية تعليمية تعمل على نشر تعاليم الإسلام كما تتكفل بمساعدة المحتاجين وبالذود عن دار الإسلام إن تعرضت لتهديد ما، إلى جانب الدعوة إلى التعبد والزهد في الدنيا تقوم إذن بوظائف اجتماعية وسياسية . “فالزاوية حسب حليم هي تطور للمارسة الصوفية بالمغرب؛ حيث يمكن القول إنها استأنفت تاريخيا دور الربط أو الرباط الذي كان يجتمع فيه حماة الثغور المغربية؛ حيث كان المتصوفة يهرعون إليه للخلوة بالنفس وترويضها على الاشتغال بذكر الله ومناجاته حتى تتبؤ في مرقاة الإحسان..

    ويعرفها الأستاذ محمد اقضاض بقوله:” فالزاوية لم تكن مجرد مؤسسة صوفية دينية منزوية ومعزولة عن العالمّ؛ بل كانت مؤسسة دينية صوفية تأطيرية تجمع بين المقدس والعبادة والتصوف والتقشف والتفلسف أحيانا والتشوف الغيبي عبر البركة والكرامات والخدمات” . صاحب التعريف يشير إلى الإنزياح الوظيفي للزاوية في التاريخ، ونحن نتساءل حول مسوغاته ومبرراته؛ يمكن القول إن الزاوية كانت دائما تتأثر بمحيطها الخارجي، وكانت تستجيب دوما لدواعي المراحل التاريخية التي تمر بها. فالأصل فيها أنها مؤسسة دينية تعليمية؛ لكنها في أوقات الحرب تتجند للجهاد فتجمع مريديها لمواجهة المتربصين بحوزة الوطن والدين؛وفي أوقات المجاعة والقحط نجدها تستقبل الناس جميعهم وتقدم لهم ما يلزم من المأكل والمشرب؛ ساعدها في ذلك المساعدات والإكراميات التي كانت تتلقاها من مختلف الجهات..وهكذا نقول في حالات الفتن الداخلية وباقي المشاكل المرتبطة بمجتمع الزاوية.

    تعرف الزاوية -عبد الهادي أعراب- كذلك بكونها:”مسجد وقبة على ضريح المرابط المنسوبة إليه، ومحل يقرأ فيه القران وآخر تدرس فيه العلوم، وثالث لتعليم الصغار، ومنزل للطلبة  الذين يريدون إتمام دروسهم حتى يصيروا أهلا للتدريس أو نيابة للقضاء، كما تحتوي منزلا للفقراء والمسافرين، وقد يكون فيها مقبرة لأهل الصلاح القاصدين مجاورة قبورهم لقبور المرابطين والأساتذة في الزوايا والمرابطون أنفسهم.”

   ويعرفها محمد مفتاح:”عبارة عن موضع للعبادة والجهاد والإجتماع أو مظنة لهما دائما أو غالبا أو قليلا”. ويعتبر الدكتور عبد اللطيف الشاذلي في تعقيبه على تعريف حجي ومفتاح أن هذا الإختلاف في التعريفات يرجع إلى محاولة كل باحث حصر الأدوار التي لعبتها الزاوية في حدود معطيات المرحلة التي يهتم بها الباحث؛ ؛ ولأن دراسته تخص مغرب القرن العاشر الهجري يقترح صياغة تعريف إجرائي مطابق لمعطيات المرحلة التي يهتم بها، وتكون الزاوية بمقتضاه :”مؤسسة اجتماعية اقتصادية ذات أساس ديني”.

    ولعل ما يلاحظ من سوق بعض تعريفات الزاوية أن الباحثين أغلبهم انطلقوا من الوظائف المختلفة التي احتفت بالزاوية؛ فجعلوا يختلفون في حصرها بين التعليم والإطعام والجهاد وأمور السياسة.. كل في حدود المرحلة التي يهتم بها هذا الباحث أو ذاك، وما انتهت إليه الزاوية من أدوار؛ وإن اتفقوا على بعض تلكم الأدوار على غرار  الوظيفة الدينية التعليمية. فكيف تقلدت الزاوية هذه المهمة؟ وما هي مظاهر ذلك؟.

[1] حجي نقلا عن دائرة المعارف الإسلامية المترجمة الى العربية من المجلد العاشر ص:332.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>

Current ye@r *

إلى الأعلى