الرئيسية | مقالات - عمود زاكورة بريس | خطاب المسيرة.. الصراحة والحقيقة والمواقف الحاسمة
خطاب المسيرة.. الصراحة والحقيقة والمواقف الحاسمة

خطاب المسيرة.. الصراحة والحقيقة والمواقف الحاسمة

إبراهيم المرزوقي - صحفي بالقناة الأولى المغربية

دلالات وإشارات قوية، حفل بها خطاب العاهل المغربي الملك محمد السادس، في الذكرى التاسعة والثلاثين لحدث المسيرة الخضراء. قوة في مبنى ومعنى كلمات الخطاب ووقوف عند جملة من الحقائق ودحض لمغالطات وافتراءات وتحميل وتحديد  لمسؤوليات وتبشير بسياسات ومقاربات جديدة على مستوى الأقاليم الجنوبية وحزم في القطع مع ممارسات وسلوكيات لم تعد مقبولة ولم يعد لها مكان.

إن قضية الصحراء، هي قضية كل الوطن وكل المغاربة، فهي كما جاء في الخطاب الملكي، قضية وجود وليست قضية حدود. وقد وصف الخطاب لدى العديد من المراقبين والمتتبعين والمحللين، بأنه يمثل ثورة فيما يتعلق بمقاربة ملف قضية الصحراء المغربية والأمر في الحقيقة هو أكبر من ثورة في التعاطي مع هذا الملف، خاصة وأن مسار الأحداث في المغرب في عهد الملك محمد السادس، أثبت أن الثورة على المفاهيم والمسلمات المغلوطة وعلى كل ما يهدد أمن وسلامة الوطن، هي القاعدة وليست الاستثناء. فهي ثورات متتالية إذن. ثورة في المجال الحقوقي وتجربة رائدة في الإنصاف والتصالح مع الماضي، ثورة في المجال الإنساني والالتصاق بهموم الفقراء والطبقات المسحوقة وذوي الاحتياجات الخاصة، ثورة حكيمة في التعاطي مع موجات الربيع العربي، حيث استطاعت القيادة المغربية أن تحافظ على التوازن والاستقرار في محيط عربي متغير ومتلاطم الأمواج. وخطاب سادس نونبر 2014 لم يكن ثورة فقط، بقدر ما كان تجلية للحقيقة وتعرية للواقع وتسمية للأشياء بمسمياتها، سواء رضي الآخرون بذلك،  أم لم يرضوا.

تفعيل الجهوية المتقدمة والنموذج التنموي

فعلى الرغم مما تحقق على مدى السنوات التسعة والثلاثين الماضية، فان الخطوات التي سيقبل عليها المغرب في الصحراء بدءا من السنة المقبلة، ستكون حاسمة بالنسبة لمستقبل المنطقة. فتفعيل الجهوية المتقدمة والنموذج التنموي للأقاليم الجنوبية، يعني اكتمال الآليات المتعلقة بهذا الورش الإصلاحي الكبير، كما يعني أن إنزال هذه الآليات سيحقق قفزة نوعية على مستوى حجم وأهمية الأوراش القادمة. وقد حدد العاهل المغربي ملامح وتفاصيل تلك الجهوية المتوخاة. فهي جهوية تتجاوز الأشكال والقوالب الجامدة، يتداخل فيها البعد المحلي بالبعد الوطني  وتنصهر فيها جميع مكونات الهوية المغربية  وتنزيلها هو تنزيل أيضا واحترام لما جاء في الفصل الأول من دستور 2011 والذي ينص على أن التنظيم الترابي للمملكة تنظيم لامركزي، يقوم على الجهوية المتقدمة . إضافة إلى هذا فان تفعيل الجهوية المتقدمة والنموذج التنموي للأقاليم الجنوبية، هو نتاج سلسلة من الاتصالات والنقاشات والمشاورات، التي انخرط فيها المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي بتوجيهات من الملك محمد السادس طوال السنتين الماضيتين، وشملت أزيد من 1500 شخص، من مختلف الفعاليات والحساسيات، وكانت محور اجتماعات في المغرب وجنيف وواشنطن، حضرها خبراء مغاربة ودوليون، مطلعون على مخططات التنمية التي جرى تنفيذها في إطار تجارب الحكم الذاتي ببعض الدول كالبرتغال وبلجيكا والفلبين، حيث أشاد هؤلاء بأهمية وخصوصية  وفرادة النموذج التنموي للأقاليم الجنوبية. من جهة أخرى سبق للعاهل المغربي أن حدد بعضا من أهداف الجهوية المتقدمة، خلال تنصيب اللجنة الاستشارية برئاسة عمر عزيمان في مارس 2013 ، إذ أوضح أن الهدف هو تمكين أبناء وسكان الصحراء المغربية، من التدبير الواسع لشؤونهم المحلية، ضمن جهوية متقدمة يتم تفعيلها بإرادة سياسية وطنية.

أثمان استرجاع الصحراء وأوضاع التنمية بين الأمس واليوم

 

قضية أخرى رغم أنها ثابتة لا جدال فيها، فقد جدد العاهل المغربي في خطابه التأكيد عليها بشكل حاسم وحازم..” المغرب سيظل في صحرائه، والصحراء في مغربها، إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها “. وهي رسالة للأصدقاء أولا، أن المغرب ثابت على قضيته، متشبث بأرضه وصحرائه وحقوقه، ثم رسالة للخصوم الذين ما فتئوا يناوئون المغرب ويسعون لوضع العراقيل في وجه استكمال وحدته الترابية ويزيفون الحقائق ويتسترون وراء مجموعة انفصالية صنعت ومولت ودربت في حضانة هؤلاء الخصوم.

إن موقف القيادة المغربية هذا، ينطلق من كون قضية الصحراء بالنسبة للمغرب والمغاربة، هي  ليست قضية حدود أو تفاصيل جغرافية ولكنها قضية وجود، فلا معنى للمغرب من دون صحرائه، ولا وجود للصحراء من دون مغربها، فهناك التاريخ وهناك التضحيات. هناك تضحيات بالنفس تحملتها شرائح متعددة من المجتمع المغربي، تحملتها الأرامل والأيتام والشباب الذين حرموا من الحرية في سبيل القضية. وهناك التضحيات بالنفيس في أشكالها المادية والمعنوية، من أجل تنمية الصحراء وتقاسم الخيرات مع الإخوة في الجنوب. ولمن يحاول التضليل والتغليط والترويج لادعاءات واهية ومغرضة، عن استغلال المغرب لثروات الصحراء، صحح محمد السادس المعطيات المغلوطة ودحض الادعاءات المقصودة، حيث وضع حقيقة وضع مؤشر التنمية البشرية بالصحراء تحت ضوء الشمس وبالأرقام. فالصحراء لم تكن أبدا بقرة حلوبا بالنسبة للمغرب والمغاربة دفعوا من جيوبهم ومن قوت أبنائهم، لتنمية الأقاليم الجنوبية وليعيش الإخوة في الصحراء في ظل الكرامة الإنسانية. فمقابل درهم واحد من مداخيل المنطقة، كان المغرب يستثمر سبعة آخرين. أما مؤشر التنمية البشرية في المنطقة في عهد المستعمر الاسباني، أي قبل عام 1975 فقد كان في أدنى مستوياته، أقل من6 بالمائة عن جهات شمال المغرب، و 51 بالمائة مقارنة مع اسبانيا وهي اليوم، تفوق بكثير المعدل الوطني لباقي جهات المغرب. والرسالة هنا هي أن المغرب يعطي ولا يأخذ، وأن القضية حين يتعلق الأمر بجزء غال من الوطن، لايعود هناك مجال للحسابات المادية ولأرقام وحجم الثروات إن وجدت أو لم توجد، وإنما يصبح الحساب والاعتبار لقيمة الإنسان المغربي في الجنوب ولقيمة الوطن الذي تعد كل ذرة من ذرات ترابه، أغلى من ثروات الدنيا والعالم أجمع”.

إعادة النظر في نمطي الحكامة والتدبير

 

تفعيل الجهوية المتقدمة والنموذج التنموي للأقاليم الجنوبية كما ورد في خطاب المسيرة والأثمان والتضحيات الباهظة التي قدمت في سبيل القضية، تتعارض كليا واستمرار بعض الاختلالات والسلوكات اللاوطنية. فلا يمكن السماح باستمرار اقتصاد الريع والامتيازات المجانية كما وصفها العاهل المغربي. ولم يعد أيضا مسموحا لقلة من الانتهازيين، بأخذ الوطن رهينة لخدمة أجندتها ومصالحها، في مقابل الأغلبية الصامتة التي تؤمن بوحدة الوطن. وقد أعلنها جلالة ملك المغرب صريحة ومدوية..” كفى من سياسة الريع والامتيازات، وكفى من الاسترزاق بالوطن ” .

فالوقوف بقوة وحزم في وجه هذه الممارسات الشاذة واللامسؤولة، يدخل أيضا في سياق تنزيل مضامين دستور يونيو 2011 والذي ينص على أن خيار بناء دولة الحق والقانون الذي لا رجعة فيه وتقوية مؤسسات الدولة الحديثة، يرتكزان على المشاركة والتعددية والحكامة الجيدة وأيضا على ارساء مجتمع متضامن، تتكافؤ فيه الفرص وتسوده العدالة الاجتماعية.

ولهذا ولإنصاف الأغلبية الصامتة، شدد الملك محمد السادس العزم على إعادة النظر جذريا في نمط الحكامة المتبع بالأقاليم الجنوبية والقطيعة مع نمط التدبير السابق وتمكين أبناء المنطقة من المشاركة في تدبير شؤونهم المحلية، في إطار الشفافية والمساواة بين الجميع. ودعما لهذا التوجه دعا الملك إلى  فتح حوار وطني صريح، لإيجاد الحلول والإجابات لكافة القضايا والانشغالات، في إطار  الوحدة الوطنية والترابية للبلاد. كما وجه الدعوة أيضا للقطاع الخاص من أجل الانخراط أكثر في تنمية المنطقة.

منع استغلال الورقة الحقوقية والفصل بين شهداء الخيانة وشهداء الوطن

 

في سياق الحديث عن الورقة الحقوقية، جاءت لهجة الخطاب أقوى وأكثر حزما وحسما، لأن المسألة هنا تتعلق بالوطن وأمنه واستقراره، ولا يمكن التساهل في هذا الأمر، كما لا يمكن السماح باستغلال مناخ الحريات والانفتاح الحقوقي بالمغرب، لتنفيذ أجندات خارجية والعمل لحساب خصوم، لا يتورعون عن توظيف طابور خامس، لزعزعة استقرار البلد والعبث بأمنه. فقد أكد الملك محمد السادس على ضمان الأمن والاستقرار في ظل دولة الحق والقانون وأن الفوضى وتخريب الممتلكات الخاصة والعامة وترويع المواطنين بدعوى ممارسة حقوق الإنسان، هي سلوكات مرفوضة. كما فصل بين مفهومي الوطنية والخيانة، فليست بينهما منطقة رمادية أو وسطى، فإما أن يكون الإنسان وطنيا وإما خائنا وليست هناك منزلة بين المنزلتين وأن الفرق بين وواضح بين شهداء الخيانة وشهداء الوطن الحقيقيين. وهنا نستحضر أحداث الشغب التي شهدتها مدينة العيون السنة الماضية، على اثر سحب المسودة التي كانت خلفها الجزائر والتي طالبت بتوسيع صلاحيات ” بعثة المينورسو ”  بالصحراء، لتشمل مراقبة حقوق الإنسان وكيف قامت بعض العناصر المسخرة من قبل المخابرات الجزائرية، بأعمال شغب، أدت إلى إصابة حوالي 150 من رجال الأمن وعناصر حفظ النظام وكان الهدف استفزاز الأمن المغربي، للتدخل واستغلال ذلك إعلاميا، عن طريق توظيف صور النساء والأطفال، لكسب نوع من التعاطف، كما هي العادة في أساليب أخرى سابقة، والتي لم يتورع فيها هؤلاء حتى عن استغلال مأساة فلسطين عموما ومأساة أطفال غزة على وجه الخصوص في مثل هذه الأجندات. من هذا المنطلق، فان يافطة حقوق الإنسان، لم تعد مبررا أو غطاء لأعمال الخيانة العظمى، التي تجرمها كافة القوانين الوطنية والدولية ويكفي المغرب حسب العاهل المغربي، أن يشهد  لمؤسساته وآلياته دوليا، بالالتزام والمصداقية في مجال حقوق الإنسان وكونه البلد الوحيد في المنطقة، الذي يتعاون مع الآليات الخاصة للمجلس ألأممي لحقوق الإنسان وهو مستعد كما جاء في الخطاب، للانفتاح على الهيئات والمنظمات المحايدة تجاه قضاياه، لكنه يرفض تبخيس مبادراته وتضخيم الأحداث في الأقاليم الجنوبية، مقابل الصمت والتواطؤ حيال ما يقع في تيندوف وبلدان الجوار ومعلوم أن هناك الكثير من الانتقادات، التي وجهتها المنظمات الحقوقية والإنسانية الدولية، للجزائر فيما يتعلق بالأوضاع الإنسانية للاجئين قسرا، في مخيمات البوليساريو بتيندوف ومنها منظمة “هيومن رايتس ووتش”، باعتبار أن الجزائر هي المسؤولة ضمنيا، قانونيا ومعنويا عن تلك الانتهاكات الحقوقية الجسيمة في المخيمات.  وما قضية الشابة الصحراوية محجوبة محمد حمدي التي احتجزت بشكل قسري في المخيمات قبل بضعة أسابيع، بعد أن توجهت إلى هناك لزيارة أسرتها المحتجزة ولم يسمح لها بالعودة إلى أسرتها بالتبني في بلنسية باسبانيا و الالتحاق لمتابعة دراساتها العليا بإحدى الجامعات البريطانية، ما هي إلا الجزء الظاهر من جبل الجليد والعنوان الأبرز على المعاناة الإنسانية لسجناء المخيمات على مسمع ومرأى ورعاية ومباركة حكام قصر المرادية.

سقف المفاوضات ومبادرة الحكم الذاتي..

لقد حدد الخطاب الملكي سقف التفاوض لايجاد حل للنزاع المفتعل حول الصحراء، فالتفاوض لن يكون خارج الثوابت الوطنية، أي خارج السيادة المغربية والوحدة الترابية، فهما خطان أحمران  ومبادرة الحكم الذاتي وهي أقصى ما يمكن للمغرب أن يقدمه في إطار هذا التفاوض، لن تكون بدورها خارج هذين الخطين وهذه رسالة أخرى إلى الطرف الحقيقي في هذا النزاع والذي أشار إليه الخطاب غير ما مرة، إلى حكام الجارة الشرقية، الذين ما فتئوا يضعون العراقيل ويحيكون المؤامرات ضدا على الوحدة الترابية للمغرب. فهؤلاء إذا كانوا يعتقدون أن التفاوض حول هذا الملف، قد يفضي إلى تنازلات من قبل الرباط، خارج مبدأي السيادة والوحدة الترابية للمملكة، فهم واهمون وحالمون والتفاوض الذي يعنيه العاهل المغربي هنا، ليس تفاوض الضعيف العاجز، أو المقهور المغلوب على أمره، وإنما هو تفاوض الفضلاء، تفاوض عن أريحية من أجل التعاون مع الجميع لحل هذا الملف، وإلا فان المغرب في صحرائه والصحراء في مغربها أبد الآبدين..

اللاءات الخمس في مواجهة الانزلاقات والمغالطات..

سعى العاهل المغربي في الخطاب، إلى تصويب المفاهيم وتحديد المسؤوليات، في التعامل مع الأمم المتحدة، حيث أعلن رفض جملة من الانزلاقات والمغالطات التي تعرفها قضية الصحراء من خلال لاءات خمس..

1-لا لمحاولة تغيير طبيعة هذا النزاع الجهوي وتقديم الأمر وكأنه يتعلق بتصفية استعمار وهي طروحات ما فتئ الخصوم الحقيقيون في هذا النزاع، يرددونها على شاكلة”اكذب اكذب حتى يصدقك الآخرون”، ويصرفون على هذه الدعايات المغرضة من أموال الشعب الكثير الكثير، لكن من دون جدوى. فالمغرب فوق أرضه يمارس صلاحياته السيادية.

2-لا لأي محاولة لمراجعة مبادئ ومعايير التفاوض، أو إعادة النظر في مهام المينورسو أو توسيعها ،لتشمل مراقبة حقوق الإنسان. وكان الملك محمد السادس، قد نبه الأمين العام للأمم المتحدة “بان كي مون” في اتصال هاتفي أجراه معه في أبريل الماضي، إلى ضرورة الاحتفاظ بمعايير التفاوض كما تم تحديدها من طرف مجلس الأمن والحفاظ  على الاطار والآليات الحالية لانخراط منظمة الأمم المتحدة وتجنب المقاربات المنحازة والخيارات المحفوفة بالمخاطر. أما بخصوص مهام المينورسو، فقد أعلن المغرب مرارا رفضه بشكل قاطع أي مقترح يهدف توسيع تلك المهام، أو إحداث آلية بديلة لمراقبة حقوق الإنسان في الأقاليم الجنوبية وهو موقف حسب الخارجية المغربية، ُ يستند إلى اعتبارات سياسية وأمنية وقانونية بديهية. وفي تصريح لوزير الشؤون الخارجية والتعاون السابق سعد الدين العثماني، أوضح فيه أنه منذ تقديم المغرب لمبادرة الحكم الذاتي في 2007، تم باستمرار توظيف قضية حقوق الإنسان، في محاولة لإخراج مسلسل التفاوض عن مساره واستغلال ذلك من لدن الأطراف الأخرى، كمبرر لعدم الانخراط في البحث عن حل سياسي للنزاع الإقليمي حول الصحراء.

3-لا لمحاباة الطرف الحقيقي في هذا النزاع، وتمليصه من مسؤولياته، والطرف الحقيقي في هذه القضية هو الجزائر، والمسؤولية هنا يتحملها المجتمع الدولي وعلى رأسه المنتظم ألأممي، لأنه لايريد أن يسمي الأشياء بأسمائها ويعرف الأمور بعناوينها، ويشير لهذا الطرف ويحمله المسؤولية عن كل التعثر والتأخر الذي يعرفه هذا الملف وتداعياته السياسية والأمنية على المستويين الإقليمي والدولي. وربما جاءت كلمة “تمليصه” هنا مبنية للمجهول بدل ” تملص”، للإحالة على احتمال حدوث نوع من التواطؤ بين هذه الجهات الدولية والطرف الحقيقي المقابل للمغرب في هذا النزاع.

4-لا لمحاولة التوازي بين دولة عضو في الأمم المتحدة وبين حركة انفصالية. فالمغرب بلد عضو كامل العضوية في الأمم المتحدة، ملتزم بالسلام وببنود ميثاق الأمم المتحدة، وله حقوق وعليه واجبات تجاه المنتظم ألأممي. أما البوليساريو فهي حركة انفصالية، مدعومة من قبل النظام والمخابرات الجزائرية، زرعت كجسم غريب في المنطقة المغاربية وتعمل على زعزعة الأمن والاستقرار في المنطقة، وسبق للمغرب أن نبه إلى مجموع المخاطر الأمنية، التي تهدد منطقة الساحل والصحراء، في ظل وجود مرتزقة البوليساريو خارج الشرعية وخارج القانون.

5-لا لإعطاء الشرعية لحالة انعدام القانون في تيندوف..وهذا واضح، فما يقع هناك في المخيمات هو خارج الأعراف الإنسانية والقوانين الدولية. فهناك انتهاكات صارخة للحقوق والكرامة الإنسانية، واستغلال لمأساة المحتجزين في تلك المخيمات، وهناك أيضا تقارير دولية، تحدثت عن إيواء البوليساريو لعناصر إرهابية، وعن علاقات بين زعماء البوليساريو وعناصر من تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي. إذن فما يقع في تيندوف من هذا القبيل لا يمكن إضفاء الشرعية عليه.

وفي سياق حديثه عن الانزلاقات والمغالطات، أكد الملك محمد السادس أن سيادة المغرب، لا يمكن أن تكون رهينة أفكار إيديولوجية وتوصيات نمطية لبعض الموظفين الدوليين، لأن ذلك سيرهن عمل الأمم المتحدة في هذه القضية. وكلنا يتذكر أسباب طلب المغرب في 2012 سحب الثقة من المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة إلى الصحراء كريستوفر روس، احتجاجا على عدم حياده وانحيازه لطروحات الجزائر وجبهة البوليساريو. وكان “روس” السفير الأمريكي السابق في الجزائر، قد قدم تقريرا للأمين العام للأمم المتحدة، يتهم فيه المغرب بوضع العراقيل في وجه المفاوضات حول الصحراء والتجسس على بعثة الأمم المتحدة، كما طالب في التقرير، بتوسيع صلاحيات المينورسو، لتشمل مراقبة حقوق الإنسان، في حين تجاهل انتهاكات حقوق الإنسان في مخيمات تيندوف وما يطالب به المغرب حول إحصاء سكان هذه المخيمات. وقد سمح المغرب باستئناف جهود المبعوث الشخصي، وذلك بعد الضمانات والتوضيحات التي قدمها “بان كي مون” للملك محمد السادس، حول طبيعة مهمة “كريستوفر روس”  ومعايير التفاوض، التي تؤكد وجاهة المبادرة المغربية، بمنح حكم ذاتي موسع للصحراء. وكانت الرباط قد أكدت لروس خلال آخر زيارة قام بها للمغرب، ضرورة التحلي بالواقعية وروح التوافق بين جميع الأطراف ، كما شددت على أن المفاوضات وضرورة إشراك جميع الأطراف المعنية فيها، تبقى السبيل الوحيد لإيجاد حل سياسي متوافق عليه، في إطار قرارات مجلس الأمن الدولي ذات الصلة، خصوصا القرار2099 الصادر في أبريل 2013  والذي يشير إلى أن الحل السياسي للنزاع ودعم التعاون بين الدول المغاربية، سيسهمان في تعزيز الاستقرار والأمن بالمنطقة. وكما  أوضح العاهل المغربي في الخطاب، فالمغرب مستعد للتعاون مع كل الأطراف للبحث عن حل يحترم سيادته، ويحفظ ماء وجه الجميع، أي بما فيهم أولئك الجيران الذين عملوا على مدى تسع وثلاثين سنة ضد استكمال المغرب لوحدته الترابية. وهذا كله في سبيل ترسيخ الأمن والاستقرار بالمنطقة وتحقيق الاندماج ألمغاربي، والذي هو حلم الشعوب المغاربية.

المواقف الدولية بين الشفافية والوضوح وتحديد المسؤوليات..

نوه الملك محمد السادس بالمساهمة الايجابية للأطراف الدولية وضمنها الأمم المتحدة والولايات المتحدة الأمريكية، في مختلف المراحل لإيجاد حل لهذه القضية، ودعمهم لجهود المغرب والمسار التفاوضي، على أساس مبادرة الحكم الذاتي. فهذا الموقف مشكورة عليه هذه الأطراف، لكن المطلوب إلى جانب هذا هو الموقف الواضح من النزاع حول الصحراء. فالمغرب مشهود له من قبل هؤلاء بتبني الخيار الديمقراطي وبدوره الفاعل في ضمان الأمن والاستقرار بالمنطقة ومكافحة الإرهاب، وماذا عن وحدته الترابية؟ أين الوضوح في هذه القضية؟ ولما الغموض والتلكؤ؟ فهذه الأطراف إذا كانت جادة بالفعل، فعليها تحميل المسؤولية مباشرة للجزائر، لأنها الطرف الرئيس في النزاع المفتعل حول الصحراء ومن دون ذلك، فلن يكون هناك لا حل ولا استقرار. والكل يعلم أن الجزائر متورطة بشكل مباشر في هذا النزاع، من خلال المساعدات المالية والعسكرية واللوجيستية الكبيرة والسخية التي تقدمها للبوليساريو، ومن خلال حجم الأموال التي تصرفها في الدعاية ضد الوحدة الترابية للمملكة، و..و..و..إلى غير ذلك. وكان وزير الشؤون الخارجية والتعاون صلاح الدين مزوار في أحد تصريحاته، قد اعتبر أن تصرفات ومواقف وسلوك الجزائر منذ ظهور قضية الصحراء المغربية، جعل منها بالتأكيد الطرف الرئيسي في هذا النزاع. كما طالبها بتحمل مسؤولياتها وإيجاد حل على مستوى تورطها العسكري والسياسي والدبلوماسي في افتعال واستمرار هذا النزاع. مزوار أكد أن على الجزائر، أن تفهم أن ممارسة المغرب لسيادته على صحرائه، أمر لا رجعة فيه.

الملك محمد السادس أوضح أن تحميل المسؤولية للجزائر، لا يعني الإساءة إليها أو لقيادتها أو لشعبها، الذي يكن له المغرب التقدير والاحترام. فالكلمات هنا محسوبة وموزونة، ومعناها واضح وأن الحديث هو عن الحقيقة التي يعرفها الجميع وهي حقيقة تورط النظام الجزائري المباشر، في هذا النزاع. وكان آخر هذا التورط المفضوح الرسالة التي بعث بها الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة لاجتماع أبوجا في ال28 أكتوبر2013 والى مجلس الأمن  ودعا فيها إلى توسيع صلاحيات بعثة قوات الأمم المتحدة، لتشمل مراقبة حقوق الإنسان وأشياء أخرى، خطوة أكدت للمغرب أن النظام الجزائري طرف أساسي في النزاع بخصوص ملف الصحراء وعنصر تحريضي ضد الوحدة الترابية للمملكة وأنه يتعمد اتخاذ مواقف تمس بسيادته على أقاليمه الجنوبية، ما جعل المغرب يرد بحزم ويسحب سفيره من العاصمة الجزائر للتشاور. وقد وصف بيان الخارجية المغربية الموقف الجزائري آنذاك، بالمستفز والعدائي، وأنه يكشف بوضوح الإستراتجية الحقيقية للجزائر والقائمة على التوظيف السياسي لقضية نبيلة، هي قضية حقوق الإنسان. إذن فالتورط الجزائري واضح والمجتمع الدولي عليه امتلاك الشجاعة والوضوح  وتحمل المسؤولية في تحديد المسؤولية، مسؤولية الجزائر في النزاع وهذه هي الحقيقة التي كلما قالها المغاربة، كلما اتهموا ظلما بمهاجمة الجزائر.

معادلة البترول والغاز في مقابل الحق والمشروعية..

لإغراء المادة والثروات تأثيرها وزخمها وبريقها، كما لقيم الحق والمشروعية ثوابتها وقوتها وبقاءها. والعاهل المغربي أشار إلى أنه إذا كان هناك من يمتلك البترول والغاز، لتوظيفه في هذا النزاع من أجل شراء المواقف والذمم والحصول على أصوات تأييد مزيفة مدفوعة الثمن، فان المغرب لديه ثروات لا تقدر بثمن، لديه مبادئه وعدالة قضيته وحب المغاربة وتشبثهم بالوطن، كما أن لديه التاريخ الضارب في القدم، تاريخ ارتباط سكان الصحراء بهذا الوطن. فالمغرب الحضاري العريق لا يمكن مقارنته بغيره، وقضية الصحراء المغربية ، لايمكن إسقاطها أو مقارنتها بما عرفته تيمور الشرقية أو بعض النزاعات الترابية في أوربا الشرقية، لأن لكل قضية خصوصيتها، وخصوصية الصحراء المغربية كما جاء في الخطاب ، هي في هذه القيم المتواصلة والمتعاقبة عبر الأجيال ، وفي هذا البعد التاريخي المتميز عبر القرون. والإيمان بهذه القيم والأبعاد هو ما سينتصر في نهاية المطاف ويتغلب على نزعات الانفصال.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>

Current ye@r *

إلى الأعلى