الرئيسية | مقالات - عمود زاكورة بريس | من الديمقراطية التمثيلية إلى الديمقراطية التشاركية ورهانات انتخابات 2015
من الديمقراطية التمثيلية إلى الديمقراطية التشاركية ورهانات انتخابات 2015

من الديمقراطية التمثيلية إلى الديمقراطية التشاركية ورهانات انتخابات 2015

رضوان لحميدي - نائب الكاتب للاتحاد الجمعوي للتنمية و التضامن باولاديحي لكراير بزاكورة

تتزايد النداءات الرامية إلى ضرورة فتح مجال أوسع أمام مكونات المجتمع المدني، خصوصا السكان و الجمعيات التي تمثلهم، للمشاركة في صياغة القرار العمومي، يبقى التساؤل متعلقا بالكيفية التي تتم من خلالها هذه المشاركة. يدفعنا هذا إلى طرح السؤال المحوري التالي : أي دور للمجتمع المدني في تفعيل آليات الديمقراطية التشاركية ؟
حددت الديمقراطية في ثلاث مبادئ ؛
أولا، أنها مجموعة من القواعد (règles) محددة من طرف السلطات وذلك من أجل اتخاذ القرارات التي تهم الحياة الجماعية ؛
ثانيا، مشاركة الأفراد بشكل مباشر أو غير مباشر في اتخاذ هذه القرارات ؛
ثالثا، يجب أن تكون القرارات واقعية(réels)
يستنتج من ذلك أن مشاركة الأفراد في اتخاذ القرارات التي تعنيهم هو جوهر الديمقراطية، وهذا يتأتى عن طريق المشاركة المباشرة أو غير المباشرة. والمقصود بذلك، أن الديمقراطية تنقسم إلى قسمين : تمثيلية و تشاركية. فالديمقراطية التمثيلية تعني اختيار الأفراد لممثليهم عن طريق انتخابات مباشرة، كمثال الانتخابات الجماعية. أما الديمقراطية التشاركية، عندما يتم استدعاء الأفراد للقيام باستشارات كبرى تهم مشاريع محلية تعنيهم بشكل مباشر و ذلك لإشراكهم في اتخاذ القرارات مع التحمل الجماعي للمسؤوليات المترتبة عن ذلك.
من خلال الجمع بين الديمقراطيتين التمثيلية و التشاركية، يمكن القول أن الأفراد يساهمون على المستوى المحلي في المشاركة في تدبير الشأن العام. فالمواطنون يختارون ممثليهم لتمثيلهم و السهر على تدبير شؤونهم العامة، وفي الوقت نفسه يشاركون في صنع القرار من خلال المشاركة في النقاشات المحلية المتعلقة بالبرامج التي تهدف إلى تحسين ظروف حياتهم.
        و يرى البعض أن الديمقراطية تكون ناقصة عندما تكون تمثيلية فقط، معنى ذلك، لكي تصبح الديمقراطية كاملة يلزم إضافة مشاركة السكان في تدبير الشأن العام عبر استشارات كبرى قبل البدء في انجاز المشاريع، و كذا القيام باجتماعات عمومية معهم، و غير ذلك من الآليات. وبذلك يمكن القول أن الديمقراطية التشاركية مكملة للديمقراطية التمثيلية.
وانطلاقا مما تقدم، نقدم مجموعة من التساؤلات لها ارتباط بدرجة مشاركة السكان في تدبير الشأن المحلي في إطار الديمقراطية التشاركية : إذا كانت مشاركة المجتمع المدني (جمعيات، سكان…) في تدبير الشأن المحلي هي أساس الديمقراطية التشاركية، كيف تتم هذه المشاركة ؟ هل يكفي فقط القيام باستشارات كبرى مع السكان قبل صياغة القرارات للقول بأن الديمقراطية التشاركية تحققت ؟ نفس التساؤل يهم الإجتماعات الدورية مع السكان و مع ممثليهم المدنيين. لنفترض أن هناك فعلا استشارات و اجتماعات تنظم مع السكان بصفة منتظمة و دورية، هل مطالب الساكنة المعنية بمشروع ما تأخذ بعين الاعتبار؟ وكيف ينظر ممثلو السكان الذين اختيروا عن طريق الاقتراع إلى مطالب السكان من خلال الاستشارات و الاجتماعات معهم؟ ألا يتخوف هؤلاء على مواقعهم من خلال تنامي المطالب المنادية بضرورة توسيع مشاركة السكان في تدبير الشأن العام المحلي؟
وفيما يخص النوع الثاني من المشاركة – مشاركة السكان في مساعدة السلطات، نقدم نموذج البرامج التنموية بالدول السائرة في طريق النمو، كمثال المبادرة الوطنية للتنمية البشرية”، إذ يساهم المجتمع المدني، من خلال الجمعيات التي تمثل السكان، في تفعيل الخطوط العريضة للبرامج على المستوى الميداني دون أن يشارك، أو على الأقل أن يستشار، في مسلسل صياغتها.
        ويدفعنا هذا إلى التساؤل عن دور الفاعل الخاص (سكان، جمعيات، مقاولات…) في صياغة السياسات العمومية بالبلدان السائرة في طريق النمو، و كذا التناقض بين الخطاب و التطبيق في تفعيل المبادئ الأساسية للديمقراطية التشاركية
ومن خلال النموذجين السالفين الذكر، يتضح أن مشاركة المجتمع المدني في تدبير الشأن العام المحلي قد تكون أتناء صياغة القرار أو في التنفيذ أو هما معا، و في الحالة الأخيرة يتحقق، حسب اعتقادنا، الهدف الأساسي للديمقراطية التشاركية، بمعنى المشاركة في الصياغة والتنفيذ معا.
        ويمكن القول، أن المجتمع المدني بالدول المتقدمة (فرنسا كمثال) يشارك في تدبير الشأن العام المحلي، إلا أن تلك المشاركة تبقى محدودة، و هذا راجع إلى تخوف المنتخبين من تراجع دورهم في الحكم المحلي.
أما بالنسبة للدول السائرة في طريق النمو، فمشاركة المجتمع المدني تتحقق في مرحلة التنفيذ، وفي الوقت نفسه يعتبر هذا الفاعل (المجتمع المدني) مقصي أثناء صياغة البرامج. يدل ذلك، على أن التخوف من المجتمع المدني لازال قائما بهذه الدول رغم أن التجارب أتبثت أن الثقة بين الدولة و هذا الأخير تعد مسألة حاسمة في تحقيق التنمية المنتظرة.
ومن جهة أخرى، يعتبر القاسم المشترك بين الدول المتقدمة و نضيرتها النامية من خلال مشاركة المجتمع المدني في تدبير الشأن العام المحلي هو “الخطوط الحمراء” القائمة بين الديمقراطية التمثيلية و الديمقراطية التشاركية، إذ التخوف نابع من التأثير الذي قد تلعبه هذه الأخيرة على مستقبل الأولى.
      والواقع أن النقاش حول الديمقراطية التمثيلية والديمقراطية التشاركية نقاش فلسفي قديم، حيث سبق للفيلسوف جون لو ك أن ألمح إلى محدودية الديمقراطية التمثيلية عندما اعتبر أن لا أحد يمكنه أن يضفي الشرعية الديمقراطية على سلطة سياسية غير المواطنين أنفسهم.وأنه لا يكفي بالنسبة للمواطنين التعبير عن اختياراتهم، عبر التصويت لفائدة “ممثلين”، بل ينبغي أن تكون لديهم القدرة على مراقبة نشاط هؤلاء الممثلين.و يعتبر جون جان روسو المدافع القوي عن “الديمقراطية التشاركية”.ففي نظره لكي تكون الإرادة عامة، لا ينبغي تمثيل الشعب.فهو يؤاخذ على الانجليز على الخصوص وعلى نموذجهم التمثيلي التخلي عن حرية المشاركة السياسية بواسطة التصويت الانتخابي. يقول روسو يعتقد الشعب الانجليزي أنه حر، فهو مخطئ كثيرا، فهو ليس حرا إلا في فترة انتخاب أعضاء البرلمان، فما أن ينتخبوا، حتى يصير عبدا، ولا شيء.ففي الفترات القصيرة لحريته، الاستعمال الذي يقوم به لحريته يجعله يستحق فقدانها.” وينتقد روسو بشكل عام كل تنظيم لا يأخذ بعين الاعتبار الاختلافات القائمة بين الأفراد، ويعتبر ذلك استهدافا للإرادة العامة.ومع ذلك فنموذج الديمقراطية المباشرة الذي يطالب بها روسو تم استبعاده تاريخيا في الديمقراطيات الحديثة، لصالح سيادة الديمقراطية التمثيلية التي يعتبر بنجمان كونسطان من أبرز منظريها .بل يمكن القول إن تصور بنجمان كونسطان للديمقراطية التمثيلية، انتصر لدرجة انه يصعب اليوم تخيل ديمقراطية لا تكون تمثيلية.
       لكن هذا لا يمنع كون مفهوم الديمقراطية التشاركية بدأ يفرض نفسه شيئا فشيئا في الخطاب السياسي منذ عدة سنوات، لدرجة أن المفهوم أصبح أشبه ب”موضة، وهو يشير إلى نموذج سياسي “بديل”.يستهدف زيادة انخراط ومشاركة المواطنين في النقاش العمومي وفي اتخاذ القرار السياسي. وتستهدف الديمقراطية التشاركية دمقرطة “الديمقراطية، وذلك بتعزيز دور المواطن الذي ينبغي أن لا يقف عند حدود الحق في التصويت و الترشح والولوج إلى المجالس المنتخبة محليا ووطنيا ، بل أن يمتد ليشمل الحق في الإخبار وفي الاستشارة، وفي التتبع و التقييم.أي أن تتحول حقوق المواطن من حقوق موسمية تبدأ مع كل استحقاق انتخابي وتنتهي بانتهائه، إلى حقوق دائمة ومستمرة ومباشرة، تمارس بشكل يومي وعن قرب ، لدرجة أن هناك من يسمي الديمقراطية بهذا المعنى التشاركي، بالديمقراطية المستمرة” أو “المباشرة” تمييزا لها عن الديمقراطية التمثيلية التي هي ديمقراطية غير مباشرة، تمارس عبر واسطة المنتخبين الذين قد يتخلون عن دور الاقتراب من نبض المواطن، فيعيدون إنتاج مركزية الإدارة أو الدولة. والواقع أن المؤسسة الحزبية ببلادنا، مطالبة بإعادة هيكلة ذاتها و أدوارها و برامجها وأنشطتها، بل وبنياتها التحتية(المقرات والتجهيزات وكل الوسائل المادية المتاحة لديها) من أجل الاضطلاع بدورها الطبيعي في تأطير وتأهيل المواطنين باعتبارهم شركاء حقيقيين في بناء المشاريع السياسية وفي تنفيذها وتقييمها، والإقلاع بالتالي عن تلك العادات القبيحة، التي تحولها إلى دكاكين تفتح في موسم الانتخابات، ثم تغلق بمجرد ما تظهر النتائج !! وهذا يقتضي من الأحزاب السياسية الاشتغال على آليات التواصل التشاركي، والارتقاء بثقافة الإنصات، التفاعل، التشارك واقتسام المسؤولية والمعرفة مع المواطنين، مع الانفتاح على اختلاف المجتمع وتنوعه.
الديمقراطية التشاركية اليوم لم تعد تلك اليوطوبيا التي داعبت أحلام الفلاسفة والسياسيين منذ قرون عديدة، بل صارت واقعا فعليا، يتجسد في العديد من التجارب المجتمعية ، لعل أهمها تلك التجارب التي شهدتها بلدان أمريكا اللاتينية، في خضم دينامية المنتديات الاجتماعية، وبشكل خاص تجربة مدينة بورتو ألغري، والتجربة الفينزويلية التي بلغت حد “دسترة ” الديمقراطية التشاركية، وحيث تقوم المجالس الجماعية على مشاركة الأسر في تدبير السياسة العمومية التي تهمها(صياغة، تنفيذ ومراقبة وتتبع).وفي أوربا تظل بعض الدول الاسكندنافية رائدة في التأسيس لتجربة الديمقراطية التشاركية، علاوة سويسرا التي تتوفر على ، صندوق لدعم مشاركة السكان في لجن مجالس أحياء، وفي الجمعيات
لكن مع ذلك فالديمقراطية التشاركية لها سلبياتها أيضا، فهي تخلق ما لا نهاية له من أقطاب القرار، مما يحول أحيانا دون القدرة على اتخاذ القرار.و بتعبير ريمون بودون: يمكن أن ينحرف تدبير الاختلاف بين هذه الأقطاب، إلى صراع متواصل حول السلطة.بل الأكثر من ذلك، فمن الصعب معرفة ما إذا كانت آراء الأشخاص المشاركين في صنع القرار، تتأسس على اعتبارات موضوعية أو أنها تعبير فقط عن مصالح شخصية أو فئوية. هذا إضافة إلى أن الانخراط المتزايد والمكثف للجمعيات في مسلسل الديمقراطية التشاركية، يؤدي إلى تحجيم دور الفاعلين التقليديين (المنتخبين وممثلي الإدارة)، بل ويخفي أحيانا التأثير غير المباشر للمنظمات الدولية ، إذا أخذنا بعين الاعتبار التمويل الكبير الذي تتلقاه الجمعيات من هذه المنظمات، والنتيجة هي استهداف السيادة الوطنية وتقليص سلطة الدولة والمؤسسات المنتخبة.وهناك في الأخير خطر تحول الديمقراطية التشاركية إلى نوع من الشعبوية السياسية: فهناك من يعتبر أن الرجوع إلى الشعب بدون الوساطات التي تمنحها الديمقراطية التمثيلية (الانتخابات والتصويت والمؤسسات المنتخبة)، ينطوي على صعوبات وتعقيدات ومخاطر.

تعليق واحد

  1. تحية الى صاحب المقال رضوان لحميدي . فعلا واقع الممارسة السياسية في المغرب اصبح موسميا في فترة الانتخابات . وما نريده نحن هو خطاب سياسي واقعي يلامس هموم الشعب قولا و فعلا.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>

Current ye@r *

إلى الأعلى