الرئيسية | مقالات - عمود زاكورة بريس | كيف ينتخب الناس من يمثلهم بالجنوب الشرقي
كيف ينتخب الناس من يمثلهم بالجنوب الشرقي

كيف ينتخب الناس من يمثلهم بالجنوب الشرقي

محمد حداوي

           لا يخفى على أحد ،أن منطقة الجنوب الشرقي للمملكة تضم طائفة عظيمة من قبائل مغربية مختلفة الألوان واللهجات والأصول نذكر منها :دوي منيع ،ركيبات الشرق،ايت خباش،أيت عطى،دبلان،تجكانت،ايت توسا،بني هلال،بني سليم ،...ومعلوم ان قبائلنا هاته، تتميز بالشدة والأنفة والشجاعة والكرم والنخوة والمروءة، ويغلب على بعضها الحمية والعصبية القبلية، ولنا في (الإنتخابات) أكبر شاهد على مدى تجذر العصبية القبلية عند بعض الطبقة المتعلمة،وحتى عند بعض المسؤولين الكبار من هذه القبائل ،فضلاً عمن دونهم، حتى ان كثيراً من الناس يصرح بذلك ويفاخر به، بل يتذكرأحيانا الأيام الخوالي قبل استتباب الأمن في المنطقة ايام الإستعمار والسيبة والغارات القبلية، ليفخر بعض على بعض بإنتصاراته، أو يعير بعضا بعضاً على خسارته.. ولنا موروث شعبي ضخم وهو (إزلان :شعر الرد) يذكي هذه العصبية القبلية، ويزيدها اضطراماً بين الفينة وأخرى حتى في أوقات السلم..لذلك صار من المألوف، ان تجد في هذه القبائل ،من يقف مع الظالم على المظلوم، لأن الظالم من قبيلته أو عشيرته ،والمظلوم من خارجها، حتى بين الطلاب في المدارس، بل حتى في المرحلة الإبتدائية ..

           لاشك انكم أعزائي الكرام، سبق لكم ان سمعتم أكثر من مرةتلك المقولة البغيضة التي يرددها بعض الناس في المنطقة حين تستبد بهم حمية عصبية الجاهلية أثناء الإنتخابات، وهم يقولون “كلبنا ولارجل منهم”،أي ان نناصركلبا من “إغس”عشيرتنا أو قبيلتنا ولو كان ظالما، أفضل من أن نناصر رجلا من عشيرة أو قبيلة أخرى ولو كان مظلوما ..وهنا تظهر العنصرية بأقبح وأبغض قرونها الشنيعة في هذا المجتمع القبلي ذات الطابع التعددي الإنقسامي..وأمثال هؤلاءالذين اشرنا اليهم، يمثلون الماضي البائد في صورته السلبية. وأمثال هؤلاء ،هم الذين جروا المنطقة وحتى البلد الى الوراء لسنوات ضوئية..

     لا أريد هنا ان اتناول تمظهرات العصبية القبلية من خلال أشعارالرد “إزلان”، بل من خلال الإنتخابات، وكيف يظهر هذا الوباء، لينشر سمومه بين الناس ويحيي النعرات القبلية والعشائرية مع كل موعد إنتخابات برلمانية كانت أو جماعية أو بلدية..لاشك أن كل بلدة بلدة، وكل مدينة مدينة على امتداد بطاح الجنوب الشرقي، وربما البلد بأسره، يعاني من هذا الوباء الوبيل ، وباء العنصرية القبلية وحتى الحزبية والجهوية أيضا.لكنني في إطار هذه المحاولة المتواضعة، سأتنأول هذه العصبية بناء على مارصدناه في الواقع المعيش في بعض الولايات الجماعية والبرلمانية الماضية في بعض المناطق ،مع الإفتراض ان ما رصدناه هنا، يسري أيضاعلى أغلب حالات المناطق الأخرى بالجنوب الشرقي، مع فارق طفيف، ربما يرجع الى بعض خصوصيات محلية لكل منطقة. لكن هذا الفارق لايخرج عن نفس الإطار العام لمشكلة العنصرية والقبلية المقيتة والمرفوضة في دساتير المملكة الشريفة بما في ذلك الدستور القديم وحتى الجديد .قلت ،الإفتراض مع وجود أيضا خطرومجازفة في التعميم على المنطقة، ولهذا أقول مع بعض التحفظ في حالة وجود حالات مخالفة تشذ عن القاعدة، وهذا ما نستبعده ايضا. والتمس منكم عذرا قرائي الكرام، إن كنت قد وظفت لغة منحطة وبمفردات بائدة استقيتها من قاموس العصر الجاهلي الأول، لأن الموضوع هو الذين فرض علينا هذا الإنحدار والهبوط اللغوي الى هذا المستوى الوضيع الذي سيفهم به أصحاب الفكر العشائري ،خدام الجمود والتخلف ،الذين كانت لهم صولةوجولة، في مناطق المغرب الشرقي  منذ عقود.واعلموا ان كل كاتب حين يكتب، فهو دائما يكتب ضد شيء ما.و هذا الشيء الذي أكتب ضده  اليوم ،هو العصبية القبلية وحتى الحزبية في الإنتخابات .

      وقبل ان اتناول كيفية التقدم الى الترشيح في الإنتخابات، وكيف يتم فرز المنتخبين بناء على حسابات عشائرية عرقية شوفينية صرفة في المنطقة، أود ان أوضح أولا ان الإنتخابات في الدول المتقدمة صانعة الدولة المدنية الحديثة ومفاهيم الديموقراطية العصرية هي إنتخابات  تقوم على أساس الكفاءة، فالكفاءة هي المعيار،وليس الإنتماء الى عشيرة أو عائلة أو قبيلة.. الدولة المدنية أحلت الأمة محل القبيلة، وحتى في الثقافة الإسلامية ،نجدرجال الدين يقولون ،إن الله مع الجماعة لا مع الفرد ولا مع الفرقة. وقد سارت الشعوب منذ فجر التاريخ نحو الإنصهار في بناء أممها. وعندما قامت الدولة المغربية الحديثة طرحت فكرة الوحدة حتى بالقوة، وادعت إقامة الدولة المدنية المطلقة، وأعلن إلغاء النظم العشائرية، وتعويضها بالمنظمات الحزبية، ولم يعد يقبل ما هو أقل من الدولة الحديثة، بهياكلها العصرية،  لمواكبة  التغيرات والمستجدات  الإقليمية والمحلية والعالمية . واليوم، ورغم مرور أكثر من نصف قرن من الإستقلال ، يبدو ان أغلب الأحزاب الكارتونية، قد نسيت رسالتها  في الجهاد الأكبروتأصيل العمل الحزبي النظيف في كل أرجاء البلاد ومنها منطقة الجنوب الشرقي  لسبب واحد وبسيط و هو،ان هذه الأحزاب الإنتهازية، لم تعد تظهر إلا في ايام الإنتخابات، لجمع الغلة، وبعد نجاحها تسدل الستارة على الجماهير، لتعيش ما تسميه ب “عرسها الديموقراطي” دون  أن تنفتح على أفراد  الشعب الذي تتكلم بإسمهم. وهذه مهزلة آخرى.

          في الدول الديموقراطية، حيث الأحزاب تمثل المجتمع بكل أطيافه، يمكن ان يفوز بالإنتخابات بكل يسر وسهولة، مرشح كفؤ حتى وان كان مهاجرا مقطوعا من شجرة أو من غير ديانة أو طائفة أو عرق أغلبية سكان البلد..لكن في بلدنا، وفي مناطقنا على امتداد بطاح جنوب المغرب الشرقي على  سفوح جبال الأطلس الصغير بالخصوص التي ابتدعت مقولة”كلبنا ولا رجل منهم”،لايمكن ان تنجح دون عصبية قبلية..فلا مكان للكفاءات أو المواهب مع هذه العصبية، ولهذا، لاغرابة وسط هذا المجتمع القبلي العنصري المتخلف الذي ينبذ الكفاءات ولا يعترف بالآخر ان ترى الناس يصوتون على أشخاص أميين ميسوري الحال بعدشراء ذممهم طبعا، أويكون التصويت من نصيب شخص ينتمي إلى عشيرة تتميز بسواد بطنها تتحدر من جد خرافي وهمي، تدفعه للظهور الى الواجهة في المجلس الجماعي أوالبلدي أوحتى البرلمان على طريقة” كلبنا”،حتى ولوكان هذا المنتخب”الكلب” لايعرف كيف يكتب إسمه ولايفقه شيئا عن القوانين المنظمة لإختصاصاته كممثل للسكان..فحتى حين ينجح هذا المترشح المفترض، فهو لايمثل الساكنة عامة،ولا المصلحة العامة لسكان تراب الجماعة أو المنطقة عامة، وإنما يمثل مصلحته الشخصية أولا، ومصلحةالعشيرة التي صوتت عليه والتي تتباهى دائما بنجاح أحد أبنائها في الإنتخابات، وكأن الهدف هو العملية الإنتخابية وتصفية حسابات عرقية إثنية ضيقة مع الخصوم الذين لم يصوتوا على مرشحهم ذاك..ولهذا دائما تفرز صناديق الإقتراع في الغالب أصحاب المال الأميين الذين تحكموا في رقاب الناس، أوأصحاب عصبيات ومثيري الفتن والغوغائيين والفئويين والإنتهازيين، وتراهم بذلك يشكلون مجالس عداوات لامجالس إنجازات، عداوات يستمرنارها أوينام جمرها تحت رماد خفيف حسب الظروف والحيثيات.. وما ان تظهر ريح بسيطة، حتى تعاود الظهور، والإشتعال بين أحلاف متصارعة، لتنتهي بالإنقسام  فيما بينها ،ويظل كل لف ينبذ الآخر،ولايتعايش معه إلا لماما .

             أمام هذه الحالة المتخلفة عن الركب الحضاري العالمي والتي تضر بالعملية الديموقراطية بالمنطقة والبلاد عامة في زمن العولمة وحقوق الإنسان والحكامة الجيدة والمفهوم الجديدة للسلطة ، كان لابد من أن ننادي كمتتبعين لهذه الظاهرة الخبيثة، الى تأصيل في المنطقة أولا ،مفهوم الإنسان المدني الذي ينتمي لوطنه من خلال ولائه وفاعليته ومشاركته وعمله، وليس من خلال أصوله، ومن أين أتى وتحدر، لأن الناس جميعا متساوون في هذا الجانب. والمواطن الحق هو من يخلص للمنطقة وللبلد أيا كان هذا المواطن.

         بإختصار مكبسل، يجب ان يتقبل البعض البعض الآخر،وأن يغير الجميع من وضعهم الحالي، لأنه من المحال إقصاء مواطنين بإسم الفئوية والعشائرية والتشهير بهم،أو تهميش شريحة معينة لحساب آخرى، وليكن الناس أكثر تسامحا وسموا وإدراكا للعبث الذي يمارسونه تحت مسميات عدة أو مصالح دنيوية زائلة. وليعرف الجميع ان استمرارهم في هذا الأسلوب العبثي به اضرارللمنطقة وللبلد..من واجب الجميع، تغيير سلوكاتهم ،ونبذ القبلية والعصبية، ومحاصر أصحاب المال الأميين الذين لاهم لهم سوى تنمية ثرواتهم القارونية على حساب بؤس المنطقة وتخلفها. ومن واجب الجميع التصويت للأفضل ، وبغط النظر عن إنتمائه أو تياره أو مذهبه،وإنما ليكن معيارالجميع  المواطن الأكفأ الصالح فقط، بعيدا عن الحسابات المالية والعشائرية والقبلية الهدامة .وهذا لايتأتي إلا بسحب البساط من تحت تجار الريع والمزايدين الفئويين والمتعيشين على التكسب الإنتخابي من أصحاب المال والفكر العشائري العنصري الهدام ،وما أكثرهم، والذين لهم صولة وجولة في المنطقة منذ عقود.. فالسياسة ليست هيمنة بشروط مدعمة ممن عن خطأ ، بل ما تنتسب لإجماع يفتت كل الأطماع بما يتلاءم والمصلحة العامة القائمة على الرؤى الواضحة المنسجمة مع المستجدات لحظة بلحظة ،وفق برنامج متحرك عسى لِمَا خُطِّطَ له يُدرك في الأوقات المضروبة بقوة إنتاج، ومزايا كثيرة تصب في مصلحة الوطن والمواطنين جميعا وخاصة في مصلحة الفئات المستضعفة والفقراء قبل الاغنياء.. فالسياسة ليست إنتخابات وديمقراطية وأكثرية وأقلية وانفراد وتفرد بالحكم، بل السياسة تحقيق المصالح العامة للناس دون إقصاء أو ميز، والعمل أيضا على تنظيم المجال العام وتنميته والدفع به الى ما هو أرقى، وما هوأفضل، بالتشارك والتعاون المتبادل بين كل الأطراف من المواطنين و جمعياتهم من المجتمع المدني و مؤسسات الدولة المتخصصة.

********

آخر الكلام:

اجتمع ثلة من الناس في أحد مقاهي المدينة .. من أجل الوصول إلى حلٍ لنبذ العصبية فيما بينهم..

قال أحدهم: أنا من حزب كذا..

أجاب آخر: وانا من القبيلة الفلانية  ..

فرد ثالث: وانا من الجهة العلانية وأصلي واضح المعالم لمن يعرف الجهة جيدا…

انتفض شيخ طاعن في السن، كان يجلس على مقربة منهم وقد افسدوا عليه بكلامهم وعصبيتهم  متعة شرب كأس شاي  منعنع  وصرخ على وجوههم قائلا:

- كفاكم..كفاكم..كلكم تعملون للتفرقة..  نحن من طين وأنتم جميعاً من نار…

تعليق واحد

  1. هاته العنصرية المقيتة التي مازالت في درعة هي السبب في كل الكوارث. مامعنى التفرقة بين العربي والامازيغي. وكلهما يتحمل مسؤولية عدم تشبته بالتعايش والتساكن. مامعنى العنصرية بين الأمازيغ انفسهم وبين العرب أنفسهم وما معنى العنصرية بين البيض والسمر . كل هذا اقول كل هذا سببه الجهل وضعف الوعي وضيف الأفق العلمي والايمان بالخرافات التاريخية وعقلية القطيع… لذلك فدرعة كلها ستبقى بقرة حلوب لكل من يزورها ويشتغل مسؤولا فيها طالما ان السكان الأصليين مازالوا يعاملون بعضا بعضا بالتنابذ والصراع.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>

Current ye@r *

إلى الأعلى