الرئيسية | مقالات - عمود زاكورة بريس | جمالية اللغة في “سفر.. عراءات” للكاتب والقاص المغربي بشير إركي
جمالية اللغة في “سفر.. عراءات” للكاتب والقاص المغربي بشير إركي

جمالية اللغة في “سفر.. عراءات” للكاتب والقاص المغربي بشير إركي

عبد العزيز بلفقير

“حين كنا صغارا .. لم نكن نملك سوى كرة قدم

محشوة بقماش.. وحلم.. وجرح” (ص 10)

بهذه اللغة الطافحة بمعاني الغربة والحزن والأمل تكلم القاص بشير إركي، ليكشف عن واقع متناقض، واقع القسوة والحب والشوق والجرح والحلم. إن جمالية اللغة في “سفر” تكمن في بلاغة اللغة التي تدخلك من الباب وتخرجك من النافذة.

لقد حاول القاص بشير إركي استنطاق الذاكرة الموشومة من خلال لغة بليغة تشد القارئ، فمثلا الطفولة باعتبارها تيمة حاضرة بقوة في النص/ الكتاب، جعل منها الكاتب بؤرة الكشف عن جروح الذات، واستكناه أغوارها، يقول الكاتب: “رائحة الصمغ.. والصلصال، ورطوبة حصائر السمار.. تفوح في أرجاء المكان” (ص 11).

كما اعتمد الكاتب / القاص بشير اركي على تيمة الزمن، سواء الزمن الماضي أو الزمن الحاضر أو زمن المستقبل، “منذ كنت طفلا وأنا أبحث عن معنى حقيقي لمشهدنا المغربي” (ص 14). يبدو لي أن القاص هنا يتخذ من الزمن أسلوبا للتعبير عن آهات الواقع وجرح الذات، ذات يجهض حلمها وتنطفئ الشمعة، “كنت أحلم بشمعة .. ومضة .. تضيف ألوانا أخرى .. لحلاق درب الفقراء.. تحافظ على زرقة شواطئنا التي ضاعت.. تعيد لنا طفولتنا المغتصبة” (ص 14).

الشمعة دلالة على النور، على الخلاص، وحينما لا يجد السارد الشمعة يطالب بومضة فقط للحياة، علَّها تكون بلسما للجراح، ودواء لكل نفس حيرى. وبما أن الكتابة “تجاوز للذات” كما قال عبد الفتاح كيليطو، فإن لغة القاص بشير إركي هي أيضا تجاوز للذات، وتمرد على واقع معيش أنشب مخالبه في الذاكرة التي لا تموت، بل تحلم وتحلم، ” كان لا بد لهذا الغد أن يحضر ويجيئ ولو في ذاكرتي فقط” (ص 19).

 

safar

يظهر للقارئ أن “سفر عراءات” تجترح جماليتها من تيمة التذكر، فالتذكر هنا هو الذي يساعد الذات على أن تحيا، ورغم أن الحلم / الأمل معلق بين الأرض والسماء، فإنه يشعر الذات بأنها ما زالت تقوى على العيش، “الحلم هناك سرمي لا يذبل” (21).

إن استحضار تيمة الحلم في “سفر عراءات” يوقظ لدى القارئ _غير الكسول_ لذة القراءة وجمالية الأسلوب، لنتأمل قول الكاتب / السارد: “كنا نحلم سويا بزرقة صافية من أرنبة الأنف حتى الشفق البعيد.. منذ عام .. منذ عامين.. منذ عمر ونيف” (ص 23).

  • هل ما زال السارد يحلم؟ ولماذا يحلم بزرقة صافية؟ هل أصبح العالم بلا لون؟

السارد لا يتوقف عن الحلم/ الأمل، السارد يؤمن بأن هناك شعاع خلف العتمة، لا بد للزرقة (الصفاء) أن تأتي، فالحلم بداية الاقتحام، بداية التغيير. وهذا ما يجعل من لغة “سفر عراءات” لغة بلاغية مفعمة بالأمل.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>

Current ye@r *

إلى الأعلى