الرئيسية | مقالات - عمود زاكورة بريس | مساهمة النسيج الجمعوي في برامج التنمية المحلية
مساهمة النسيج الجمعوي في برامج التنمية المحلية

مساهمة النسيج الجمعوي في برامج التنمية المحلية

يــاسين عطار

ارتبط بروز مفهوم المجتمع المدني بمجموعة من المتغيرات الدولية والإقليمية، المتعلقة على وجه الخصوص بالتحرر الاقتصادي وتنامي دور الفرد والابتعاد عن التخطيط المركزي، إلى جانب تلك السياسات المتعلقة بالتحول الديمقراطي، إضافة إلى تراجع الإنفاق العام للحكومات. ولقد ساهمت جمعيات المجتمع المدني بدور مهم في تقدم عدة مجتمعات ودول، وحلقة هامة وضرورية بالنسبة لتطور الشعوب من النواحي السياسية والتنموية، فمن الناحية السياسية يعتبر المجتمع المدني أساسيا في تكريس الديمقراطية الحقة من خلال المشاركة والرقابة، أما من الناحية التنموية فان دوره يبرز أساسا كقوة هامة تدفع وثيرة النمو من خلال العمل الميداني أو العمل التحسيسي وأحيانا خلق مشاريع مدرة للدخل.

وفي ظل المتغيرات الحاصلة على مستوى النسق الدولي المرتبطة بالحريات والحقوق السياسية والمدنية، لإضفاء طابع الديمقراطية في تسيير الشأن المحلي القائمة على تفعيل دور الفرد على مستوى السياسات العامة وسياسات التنمية المرتبطة بتوسيع مجال المشاركة المجتمعية حاول المغرب أن يبرهن عن إرادته في التماهي مع هذا النسق العالمي، لكونه قرر ومنذ فجر الاستقلال الإنخراط في ركب التنمية، ووضع في الحسبان مسألة إشراك المجتمع المدني كعنصر مهم وفاعل أساسي في العملية التنموية.

لكن إشراك المجتمع المدني ببلدنا لازالت سفينته لم تبلغ بر الأمان خصوصا في ظل تعثر تنزيل صيغ قانونية تنظم طرق مشاركة المجتمع المدني بشكل فعلي وعلى مستويات أعلى في صناعة وبلورة القرار التنموي. ولعل الإعلان عن ورش المبادرة الوطنية للتنمية البشرية وتعيين وزارة خاصة بالمجتمع المدني وإطلاق الحوار الوطني حول المجتمع المدني فعل يجسد رغبة حقيقية للمغرب في إعطاء مساحة أكبر لجمعيات المجتمع المدني للاشتغال إلى جانب مؤسسات الدولة في حقل التنمية، فدستور 2011 أعطى للمجتمع المدني ولأول مرة حق وامتياز تقديم عرائض ومشاريع قوانين تُعرض في البرلمان.  

وإنه لمن الضروري وبشكل دوري إجراء بحوث وتجارب ميدانية لاختبار وقياس مدى تطور تبني المقاربة التشاركية في المغرب، بالوقوف عند أهم الإكراهات التي لازالت تعيق مشاركة المجتمع المدني في برامج التنمية المحلية. إضافة إلى إلحاحية التعجيل بإقرار وتنزيل بعض القوانين التنظيمية الخاصة بعمل الجمعيات لترجمة هذه المقاربة بدرجة عالية.

وحتى لا نسقط في الجدال الإبستيمولوجي اللامتناهي حول للمجتمع المدني لا بد لنا من طرح وجهات النظر المختلفة حول ماهيته، فهو يحيل على مؤسسات منظمة، معزولة عن الدولة وتنشط في مجالات من اختصاص الدولة،([1]).وهناك من يعتبر المجتمع المدني كأداة قوية للاختراق والضغط والوصول إلى المعادلات الاجتماعية الصعبة من هذا الطرف أو ذاك([2]).

في المغرب :

كانت الدولة في السنين الماضية الفاعل الأول في عملية التنمية، وبعد أن توجت جل مشاريع التنمية العمومية التي سهرت على إنجازها بالفشل، كان لابد لها من طرف مكمل يساعدها على تنزيل هذه المشاريع وتحقيق أهدافها وتجاوز أي فشل محتمل، ومنذ أن تشكل هذا الوعي بضرورة إشراك المجتمع المدني، أصبح هذا الأخير يحظى بأهمية قصوى لحضور رأيه في برامج التنمية، خاصة على المستوى المحلي .

فالمجتمع المدني يعتبر إطارا شعبيا خارج المؤسسات الرسمية، ويتميز بالمبادرة والمساهمة والتطوع بدرجة أولى، وعمله يوازي العمل الحكومي، لدرجة أن ذهب البعض إلى حد وصفه بالحكومات الشعبية، نظرا لحضوره البارز في المجتمع، وعمل رموزه بالقرب من المواطنين وملامسة مشاكلهم.

وبتنامي دور المجتمع المدني في مجال التنمية بأبعادها الإجتماعية، الاقتصادية، الثقافية، والحقوقية… أصبح هذا الإطار بمثابة مؤسسات دستورية تنتظم في شكل: نقابات، أحزاب، جمعيات…

  • ولمعرفة دور تدخل الدولة المغربية في تطور المجتمع المدني يرسم لنا توفيق بوعشرين ثلاث مراحل التي ميزت نشأة المجتمع المدني بالمغرب باحتدام الصراع والمواجهة بينه وبين السلطة :
  • مرحلة المواجهة: وهي مرحلة بدأت منذ السبعينات إلى أواسط الثمانينات، وتميزت بالصدام المباشر مع الأنوية الأولى للجمعيات التي كانت ذات الصلة المباشرة بالأحزاب السياسية، خاصة اليسارية.
  • مرحلة المنافسة: وهي مرحلة جديدة، انطلقت أواسط الثمانينيات وتميزت بتنامي عدد الجمعيات، وآثار ذلك انتباه السلطة السياسية، وهو ما دفعها إلى تأسيس ودعم جمعيات أصبحت اليوم ذات صيت جهوي ووطني تنافس جمعيات المجتمع المدني المستقلة .
  • مرحلة الاحتواء: مع مطلع التسعينات وبعد فشل الدولة في منافسة المجتمع المدني الذي شهد انتشارا سريعا، غيرت السلطة من منهجية التعامل معه، وبدأ الحديث عن إشراكه في إعداد البرامج الحكومية وتدبير المرافق والتوسيع من حضور رموزه في الأنشطة الرسمية ووسائل الإعلام. إضافة إلى هذا فإن محاولة إقحام المجتمع المدني واحتوائه كان يرمي بالأساس إلى محاولة امتصاص الغضب الشعبي، كما أنه انفتاح اضطراري جراء تبني الدول المتقدمة للمقاربة التشاركية على نطاق واسع وتفضيلها للتعامل مع مؤسسات المجتمع المدني عكس المؤسسات الرسمية لمحدودية فعاليتها ([3])

واقع حال إشراك النسيج الجمعوي في برامج التنمية المحلية

إن إشراك المجتمع المدني في برامج التنمية المحلية بالمغرب يشهد ضعفا شديدا، ويعرف قصورا واضحا، رغم نضج النسيج الجمعوي، والذي يعبر عنه من خلال برامجه الذاتية، وأنشطته المتواصلة ،كما هو واضح ميدانيا، إضافة إلى نتائج تشخيص توفر هذا النسيج على برامج ومشاريع تنموية. ولذلك فإن النتائج السلبية التي تعبر عن تدني كل مستويات إشراك المجتمع المدني في برامج التنمية المحلية لا تدعوا للتسويق لنجاح النموذج المغربي في الظرف الراهن، كما لا بد من الوقوف عند بعض الهواجس التي تعيق عمل الجمعيات والتي تتمثل في عدم انخراطها في إطار شبكات أو فدراليات لتقوية النسيج الجمعوي المحلي، إضافة إلى عدم كفاية الدعم المادي المقدم للجمعيات أو غيابه لدى بعضها، وهذا ما يطرح مشكل عدم توفر العديد من الجمعيات على برامج تنموية ذاتية، ولا يكفي الوقوف عند ما يعتري الجمعيات من معيقات في مساهمتها في برامج التنمية المحلية، إذ لا بد من اقتراح حلول للدفع بالنسيج الجمعوي من أجل تعزيز المقاربة التشاركية .

وبعد مقابلة مسؤولي بعض الجمعيات، توصلنا إلى أنه لازال هناك خلل في عملية إشراك النسيج الجمعوي في برامج التنمية المحلية، وحسب الجمعيات فإن هذا القصور في المشاركة ناتج عن عدة إكراهات، وفي هذا الإطار تقدم هذه الجمعيات حلولا يعتبرونها سبيلا لتجاوز هذه الأزمة، ومن جملتها خمس اقتراحات تطرح بشدة :

  • تعزيز قدرات الجمعيات في مجال الإدارة الجمعوية.
  • تعزيز قدرات الجمعيات في تخطيط وتنفيذ المشاريع.
  • تطوير أساليب الشراكة وطرق تعبئة الموارد المالية لدى الجمعيات.
  • ضرورة الوعي بأهمية ونجاعة إشراك الجمعوي لدى المجالس المنتخبة.
  • إلحاحية انخراط الجمعيات في إطار شبكات وفيدراليات جمعوية.

[1] المنوني ندير .،2010 ،المجتمع المدني في السياسات العمومية .

[2] حسن بوزيدي .2014 .دور المجتمع المدني المغربي في دستور 2011 .مجلة الفرقان عدد74 .ص33

[3] رشيد، جرموني.،2014، المجتمع المدني بين السياق الكوني والتجربة المغربية، مجلة الفرقان،العدد74، الدار البيضاء، مطبعة النجاح الجديدة، ص27/32

2 المنوني ندير .،2010 ،المجتمع المدني في السياسات العمومية .

3 حسن بوزيدي .2014 .دور المجتمع المدني المغربي في دستور 2011 .مجلة الفرقان عدد74 .ص33

4 عزيز، شاكر.، 2012 ، التنمية المحلية والمشاركة الجماعية ، التنمية القروية بالمناطق الجبلية ،منشورات الجماعة القروية لإغزران، صفرو، ص75-90.

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>

Current ye@r *

إلى الأعلى