الإنسان أولا

الإنسان أولا

حظي الإنسان بقيمة كبيرة و تشريف عظيم ، في مختلف الشرائع و الأديان ، ومن أوجه ذلك التشريف و الإجلال التكليف بأمانة الاستخلاف في الأرض ، و سلامة النشأة و الخلقة ، و تسخير خيرات الكون كله من أجل هذا الكائن الصغير ” الإنسان” ، فأصبح هذا الأخير هو محور الوجود دون منازع ، بغض النظر عن لونه أو عرقه أو جنسه ، أو دينه ، و لايتسع المقام هنا لسرد وجرد صور وأمثلة على هذه الرعاية التامة ، و الإحاطة اللامة بشؤون الإنسان.
ولم يبق ذلك الاهتمام الكبير بالإنسان حبيس المصاحف و المصنفات أو رهين الرفوف و الرواقات، وإنما تابعنا أطوار و مراسيم تنزيله على أرض الواقع . تجلى هذا المعنى بوضوح في العصر الأول للإسلام ، حيث كان عهد الرسول الأكرم (ص) عهد احتفاء بالإنسان ، وتقدير لكيانه ، بل إننا نقول بالفم المليان أن ذلك العصر كان عصر الإنسانية الصافية في أزهى تجلياتها و أنصع صورها ، ليس مع الإنسان المسلم فحسب بل حتى مع المخالفين .
فقد نهى رسولنا الكريم أصحابه في الحروب و المغازي عن التمثيل بالجثث أو العبث بأعضاء الإنسان ، و كان لا يمل من دعوتهم إلى احترام أهل الأديان الأخرى ، وعدم إذايتهم ماداموا مسالمين متعايشين مع المسلمين.
و قد تكون أنصع صورة لتقدير الرسول (ص ) لقيمة الإنسان ، وقيمة مواطنيه بالتحديد، استنهاضه جميع قوى مجتمعه لرد الاعتبار لأحد مواطنيه، و هو المرأة التي كشف اليهود سوأتها في سوق قينقاع ، فحاصرهم الرسول الكريم إلى أن خضعوا و أذعنوا.
يتجلى نفس المعنى أيضا في غزوة مؤتة حينما جهز المسلمون جيشا قوامه ثلاثة آلاف مقاتلا لقتال ملك بصرى ، و كان سببها أن هذا الأخير قتل مبعوث الرسول (ص) إليه الحارث بن عمير الأزدي .
قد يقول قائل هل تتطلب إهانة إمرأة أو قتل رجل واحد كل هذا التجييش و هذه الحرب؟ بل قد يمتعض البعض، فيقول أليس من المبالغة شن حرب ضروس لمقتل جندي واحد؟ لكن يخفى عن هؤلاء ، أن قيمة الإنسان و كرامته لا تقدر بثمن، و لا يوجد لها ميزان. إنها أسمى قيمة في الوجود، وهي جديرة بأن تراق من أجلها الدماء، و أن تفدى في سبيلها الأوطان.
ومع توالي العصور و الأجيال بدأنا نلحظ ارتخاء و برودة في تمثل و احترام و تفعيل هذه القيمة ، بل إننا نتابع في كل لحظة اعتداءات سافرة و مشينة عليها. و الحال أن العقل الغربي كان قد انتبه و تفطن إلى سر هذه القيمة ” قيمة الإنسان” خاصة مع عصر الأنوار الأوربي، الذي رسخ أهم المبادئ المكرسة لكرامة الإنسان كالحرية والمساواة و العدل و غيرها ، و شيئا فشيئا أصبحت المجتمعات الغربية تجسد تلك القيم أحسن تجسيد- داخل مجالها طبعا- ،سواء على مستوى الدساتير و القوانين أو على مستوى السلوكات و التطبيقات ، وكانت أبرز عناوين ذلك ، القضاء العادل و المستقل الذي لا يفرق بين شريف و حقير أو رئيس و مرؤوس ، و المشاركة في صنع القرار من خلال بناء مؤسسات ديمقراطية تعكس إرادة المواطن و تحقق مسعاه . وإذا كان لا بد من ضرب الأمثلة فلننظر مثلا ، كيف تتعامل تلك المجتمعات و مسؤولوها مع بعض الحوادث التي تقع لمواطنيها كالاختطافات أو الاعتداءات ، حيث ترسل الوفود الوازنة ، و تجرى التحقيقات الوافية ، والتحريات الدقيقة للكشف عن الجناة و حماية و سلامة مواطنيها.وهذا لعمري أصدق تعبير على العناية اللائقة و التقدير المناسب الذي يلقاه المواطن الأوربي من لدن مسؤوليه .
لقد تجاوز اهتمام أوروبا بالإنسان إلى الحيوان، و لن أكون مبالغا إذا قلت أن الكثير من سكان العالم الثالث يغبطون كلاب و قطط أوروبا على أطعمتها و أدويتها و بحبوحة عيشها. صحيح أن هناك تجاوزات كثيرة لحقوق الإنسان في بعض المواقع وهناك ازدواجية في التعامل الغربي مع الآخر(العنصرية و التمييز كما حدث في قضية الحجاب وغيرها…) ، و صحيح أيضا أن ثمة نزوع نحو تشييء الإنسان وتبضيعه في الغرب بسبب طغيان المادة و تغولها على جوانب الحياة ، لكن لايمكن لعاقل أن ينكر بان سجل حقوق الإنسان هناك أحسن بكثير مما هو عليه في البلاد العربية. و إلا من تخفى عليه قوافل الضحايا المغدورين في قيعان البحار ؟ و سلاسل الشهداء المفحمين في جوف المصانع ؟ و طوابير القتلى في حوادث السير ؟ و آهات المرضى المتوجعين في أروقة المستشفيات ؟ و صيحات المعطلين والمشردين في الشوارع والطرقات؟ و أصوات السياط في قعر السجون و المعتقلات ؟
أليست هذه أقوى المؤشرات، و أوضح الدلائل على تدني مستوى الاهتمام بالإنسان، و انحطاط منسوب كرامته في بورصة القيم الإنسانية ؟ ترى هل سيكون للربيع العربي و للحكومات المنبثقة عنه مساهمة في تصفية تلك الصورة السوداء ؟ و التركة العمياء؟

ذ.رشيد رملي

تعليق واحد

  1. استاذ التقاك يوما ما

    تحية خاصة للسي رشيد على هذا المقال العميق والمفيد
    أخي واصل مسارك الجميل بالكتابة والقراءة.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>

Current ye@r *

إلى الأعلى