الإنسان أولا

1 1

حظي الإنسان بقيمة كبيرة و تشريف عظيم ، في مختلف الشرائع و الأديان ، ومن أوجه ذلك التشريف و الإجلال التكليف بأمانة الاستخلاف في الأرض ، و سلامة النشأة و الخلقة ، و تسخير خيرات الكون كله من أجل هذا الكائن الصغير ” الإنسان” ، فأصبح هذا الأخير هو محور الوجود دون منازع ، بغض النظر عن لونه أو عرقه أو جنسه ، أو دينه ، و لايتسع المقام هنا لسرد وجرد صور وأمثلة على هذه الرعاية التامة ، و الإحاطة اللامة بشؤون الإنسان.

ولم يبق ذلك الاهتمام الكبير بالإنسان حبيس المصاحف و المصنفات أو رهين الرفوف و الرواقات، وإنما تابعنا أطوار و مراسيم تنزيله على أرض الواقع . تجلى هذا المعنى بوضوح في العصر الأول للإسلام ، حيث كان عهد الرسول الأكرم (ص) عهد احتفاء بالإنسان ، وتقدير لكيانه ، بل إننا نقول بالفم المليان أن ذلك العصر كان عصر الإنسانية الصافية في أزهى تجلياتها و أنصع صورها ، ليس مع الإنسان المسلم فحسب بل حتى مع المخالفين .
فقد نهى رسولنا الكريم أصحابه في الحروب و المغازي عن التمثيل بالجثث أو العبث بأعضاء الإنسان ، و كان لا يمل من دعوتهم إلى احترام أهل الأديان الأخرى ، وعدم إذايتهم ماداموا مسالمين متعايشين مع المسلمين.
و قد تكون أنصع صورة لتقدير الرسول (ص ) لقيمة الإنسان ، وقيمة مواطنيه بالتحديد، استنهاضه جميع قوى مجتمعه لرد الاعتبار لأحد مواطنيه، و هو المرأة التي كشف اليهود سوأتها في سوق قينقاع ، فحاصرهم الرسول الكريم إلى أن خضعوا و أذعنوا.
يتجلى نفس المعنى أيضا في غزوة مؤتة حينما جهز المسلمون جيشا قوامه ثلاثة آلاف مقاتلا لقتال ملك بصرى ، و كان سببها أن هذا الأخير قتل مبعوث الرسول (ص) إليه الحارث بن عمير الأزدي .
قد يقول قائل هل تتطلب إهانة إمرأة أو قتل رجل واحد كل هذا التجييش و هذه الحرب؟ بل قد يمتعض البعض، فيقول أليس من المبالغة شن حرب ضروس لمقتل جندي واحد؟ لكن يخفى عن هؤلاء ، أن قيمة الإنسان و كرامته لا تقدر بثمن، و لا يوجد لها ميزان. إنها أسمى قيمة في الوجود، وهي جديرة بأن تراق من أجلها الدماء، و أن تفدى في سبيلها الأوطان.
ومع توالي العصور و الأجيال بدأنا نلحظ ارتخاء و برودة في تمثل و احترام و تفعيل هذه القيمة ، بل إننا نتابع في كل لحظة اعتداءات سافرة و مشينة عليها. و الحال أن العقل الغربي كان قد انتبه و تفطن إلى سر هذه القيمة ” قيمة الإنسان” خاصة مع عصر الأنوار الأوربي، الذي رسخ أهم المبادئ المكرسة لكرامة الإنسان كالحرية والمساواة و العدل و غيرها ، و شيئا فشيئا أصبحت المجتمعات الغربية تجسد تلك القيم أحسن تجسيد- داخل مجالها طبعا- ،سواء على مستوى الدساتير و القوانين أو على مستوى السلوكات و التطبيقات ، وكانت أبرز عناوين ذلك ، القضاء العادل و المستقل الذي لا يفرق بين شريف و حقير أو رئيس و مرؤوس ، و المشاركة في صنع القرار من خلال بناء مؤسسات ديمقراطية تعكس إرادة المواطن و تحقق مسعاه . وإذا كان لا بد من ضرب الأمثلة فلننظر مثلا ، كيف تتعامل تلك المجتمعات و مسؤولوها مع بعض الحوادث التي تقع لمواطنيها كالاختطافات أو الاعتداءات ، حيث ترسل الوفود الوازنة ، و تجرى التحقيقات الوافية ، والتحريات الدقيقة للكشف عن الجناة و حماية و سلامة مواطنيها.وهذا لعمري أصدق تعبير على العناية اللائقة و التقدير المناسب الذي يلقاه المواطن الأوربي من لدن مسؤوليه .
لقد تجاوز اهتمام أوروبا بالإنسان إلى الحيوان، و لن أكون مبالغا إذا قلت أن الكثير من سكان العالم الثالث يغبطون كلاب و قطط أوروبا على أطعمتها و أدويتها و بحبوحة عيشها. صحيح أن هناك تجاوزات كثيرة لحقوق الإنسان في بعض المواقع وهناك ازدواجية في التعامل الغربي مع الآخر(العنصرية و التمييز كما حدث في قضية الحجاب وغيرها…) ، و صحيح أيضا أن ثمة نزوع نحو تشييء الإنسان وتبضيعه في الغرب بسبب طغيان المادة و تغولها على جوانب الحياة ، لكن لايمكن لعاقل أن ينكر بان سجل حقوق الإنسان هناك أحسن بكثير مما هو عليه في البلاد العربية. و إلا من تخفى عليه قوافل الضحايا المغدورين في قيعان البحار ؟ و سلاسل الشهداء المفحمين في جوف المصانع ؟ و طوابير القتلى في حوادث السير ؟ و آهات المرضى المتوجعين في أروقة المستشفيات ؟ و صيحات المعطلين والمشردين في الشوارع والطرقات؟ و أصوات السياط في قعر السجون و المعتقلات ؟
أليست هذه أقوى المؤشرات، و أوضح الدلائل على تدني مستوى الاهتمام بالإنسان، و انحطاط منسوب كرامته في بورصة القيم الإنسانية ؟ ترى هل سيكون للربيع العربي و للحكومات المنبثقة عنه مساهمة في تصفية تلك الصورة السوداء ؟ و التركة العمياء؟

ذ.رشيد رملي

مواضيع قد تعجبك المزيد عن المؤلف

تعليق 1

  1. استاذ التقاك يوما ما يقول

    تحية خاصة للسي رشيد على هذا المقال العميق والمفيد
    أخي واصل مسارك الجميل بالكتابة والقراءة.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.