درعة تافيلالت : الجهة المظلومة

0 70

لم يمر سوى بضع سنوات عن التقسيم الجهوي الجديد حتى بدأت تطفوا على السطح ما عبر عنه العديد من المهتمين بالشأن الجهوي من مخاوف حول التقسيم الغير متكافئ بل وأنه غير عادل خصوصا فيما يتعلق بالأقاليم المكونة لجهة درعة تافيلالت. على الرغم أن الواقع المعاش في هذه المنطقة لا تحتاج إلى دراسات و تقارير ليدرك الزائر حجم المعانات التي تعيشها الساكنة هناك، ليس فقط في قدرة الأفراد على ولوج الخدمات الأساسية بل وكذلك في هزالت الاستثمار العمومي في المنطقة ككل و ضعف الخدمات الاجتماعية كأن الأمر لا يتعلق بجهة من جهات المغرب الإثنى عشر.إذا كان تركز المشاريع الضخمة الوطنية والدولية في جهات الشمال و الوسط فيما يعرف بقوس الاستثمار (طنجة، القنيطرة، الدار البيضاء)، يعطي إلى جانب ما تمتلكه هذه الجهات من ثروات بحرية و فلاحية قدرة تنافسية لا سبيل لجهات أخرى مفقرة على مجاراتها. ففي المقابل استفادت الجهات الجنوبية من خصوصيات المرحلة الراهنة ومما يطبع المنطقة من حساسية وطنية ودولية حيث فشكلت بذلك قضية الصحراء فأل خير على الجهات المجاورة،  حيث توجه المغرب مؤخرا إلى مدنه الجنوبية ليزين هذه الواجهة أمام المجتمع الدولي ويظهر للعالم أنه يحرص على تنميتها وأنها لا تشكل استثناءا داخل الوطن الواحد وبالتالي كنتيجة حتمية تغيير حياة شريحة واسعة من المواطنين عن طريق توفير فرص شغل قارة هناك بل واستقطاب يد عاملة من مختلف جهات المملكة في العديد من القطاعات،  وبذلك تشكلت قوة اقتصادية وطنية لا يستهان بها رفعت مستوى الدخل الفردي بسرعة فائقة حيث فاق المعدل المسجل على المستوى الوطني.  

في مارس من السنة الماضية 2016  أصدرت وزارة الاقتصاد و المالية تقرير بعنوان »تفاوتات كبيرة بين الجهات في الوصول إلى الحقوق الأساسية « حيث أظهر حجم التفاوت بين الجهات سواء في الحقوق الأساسية من تعليم وصحة و شغل وغيرها من المرافق العمومية و البنيات التحتية و حجم الاستثمار العمومي الذي يمول من أموال دافعي الضرائب في مشاريع من المفترض أن تعود عليهم بالنفع العام. تقرير آخر وضع أمام البرلمان بمناسبة تقديم مشروع ميزانية 2017  وهذه المرة كانت العبارة صريحة في كون جهة درعة تافيلالت أفقر جهة من بين الجهات لأثنى عشر للمملكة. لتسيل أقلام بالصخت على الجهة بدل الدفاع عنها ليس من موقف ضعف و استعطاف ولكن من موقف قوة نابعة من قناعة كبير أن الجهة فقيرة لا مفقرة. لدى وجب الانتباه إلى أن هذه الجهة هي حديثة التأسيس و قد ضمت أقاليم متهالكة فقيرة كانت فيما قبل قد أجحف في حقها من طرف الجهات التي كانت تنتمي إليها إقليم زاكورة وإقليم ورزازات و إقليم تنغير لم تترك لها مدينة أكادير ما تقتات عليه حيث كانت فيما قبل تنتمي لجهة سوس ماسة وبالتالي قلما يجود مركز الجهة بفتات على هذه المناطق في استثمارات خاصة وعمومية لا ترقى إلى المستوى المطلوب ومنه تكرست سياسة المركزية في الجهة الواحدة سواء في الإدارات أو حتى في الولوج للخدمات الاجتماعية. نفس الشيء بالنسبة لإقليم ميدلت و الراشدية نفسها التي هي الآن مركز الجهة و التي أعيد ترميمها بشكل كلي تقريبا لتحضى برئاسة الجهة، شرف مركزية جهة متهالكة جديدة قديمة، تجمعت كل هذه الظروف وتوحدت وأنجبت مولودا جديدا لا يقوى على الحركة اسمه: جهة درعة تافيلالت…. ليتذرع المسؤلون بالعامل الطبيعي “جفاف المنطقة” وقساوة المناخ في تبرير ما وصلت إليه هذه الجهة من هشاشة وفقر، كأن الجهات الجنوبية للمملكة التي سجلت أعلى مستويات الدخل الفردي بها حسب نفس التقرير، كأنها جنات خضراء. لتظهر جليا ساسة الكيل بمكيالين حينما يتعلق الأمر بمصلحة المواطنين في الوطن الواحد.

لكي نوسع من إدراكنا ونكون أكثر موضوعية في تناول هذا الموضوع لابد أن ننتبه إلى جانب ضعف الخدمات في الجهة إلى مؤهلات كل إقليم على حدا من أقاليم جهة درعة تافيلالت لنخلص بأنفسنا لحكم يرضي منطقنا دون أن ننسى الحكم الجاهز المسبق على هذه الجهة بأنها جزء من “المغرب غير النافع”. لكنها لم تكن أبدا صحراء فلاة يوما ما سواء فيما يخص المؤهلات المادية أو البشرية  حتى يتسنى لنا التمميز بكونها جهة فقيرة فعلا أو أن هذه الصفة هي مجرد لافتة يتم من تكريس وشرعنت سياسة الإقصاء لسكانها بكل أنواعه تماما قبل أن يعمل بالتقسيم الجهوي الجديد. فالدولة المغربية نفسها لا تنكر حجم المخزون الطبيعي من معادن مترامية مميزة لهذه الجهة نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر 5 شركات تشتغل في المعادن : واحدة تنتج الكوبالت + الذهب / واحدة تنتج الفضة /وثلاثة ينتجن النحاس في كل من منجم بوازار و منجم إميضر و منجم تازناخت وغيرها والسياحة الصحراوية والطبيعية التي تميز منطقة زاكورة والراشيدية و فكيك  وميدلت وواحاتها بالإضافة إلى خيراتها الطبيعية و منتجات محلية كانت من الممكن أن تكون رافعة أساسية لقاطرة التنمية الاقتصادية والتحويلية بهذه الأقاليم دون تدخل الدولة إلا في التسيير و الاستثمار فيها وإليها. دون أن ننسى حجم الإيرادات من هوليود أفريقيا ورزازات بملايير الدراهم حيث صورت وما تزال أضخم الإنتاجات العالمية بالإضافة إلى الاستقطاب السياحي الداخلي و الخارجي رغم ما يشهده القطاع من ضعف الاستثمار في هذا المجال بهذه المناطق. محطة نور1 للطاقة الشمسية التي باتت مفخرة المغرب في إنتاج الطاقة النظيفة و ما يمكنها أن تلعبه كقطب سياحي و صناعي… أما فيما يخص العامل البشري فالواقع يبين وفرة اليد العاملة المتخصصة في كل المجالات بهذه المناطق والتي تنتشر في كل المدن المغربية لتنقش اسمها في كافة المجالات داخل الوطن وخارجه، دون أن ننسى الأراضي المترامية الأطراف التي قد تستغل في إنشاء شركات تحويلية مستفيدة من اليد العاملة التي تفضل ألف مرة الاشتغال قرب مقر سكنها دون الحاجة إلى النزوح الجماعي الذي تمارسه أكثر من نصف الساكنة النشيطة طلبا للرزق في المدن القريبة و البعيدة. كل هذا لم يشفع لها أن تكون جهة على الأقل كباقي جهات المغرب ويستفيد سكانها من عدالة اجتماعية تضمن لهم كباقي سكان الوطن الواحد عيش كريم من خلال ولوج للحقوق الأساسية مما يضمن لهم عيش كريم ويعفيهم شر التنقل بين مدينة و أخرى طلبا لرزق حرموا منه ظلما و قهرا.

 

مواضيع قد تعجبك المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.