المجتمع المدني في زاكورة بين تحديات الواقع ورهان التنمية

0 29

   أصبح من الضروري أن يكون المجتمع المدني فاعلا أساسيا في النهوض بالأعمال الاجتماعية و التنمية الاقتصادية  المحلية لإقليم زاكورة، خاصة بعد محدودية المبادرات الفوقية والقطاعية من طرف الدولة، إذ تصاغ المخططات والبرامج في المركز وتطبق على المستوى المحلي دون معرفة مسبقة بحاجيات و متطلبات الساكنة المحلية. كما أن هناك عامل أساسي، كرس بدوره أهمية المجتمع المدني في التنمية المحلية، وهو دور المنظمات الدولية التي بدأت تضع الثقة أكثر في الجمعيات لتصريف المساعدات الاجتماعية. أضف إلى ذلك احتكاك المجتمع المدني بالواقع، الأمر الذي يؤهله أكثر للقيام بأدوار تنموية تتلاءم وحاجيات الساكنة المحلية. وتتحقق المشاركة الحقيقية للمجتمع المدني من خلال فعالية المبادرات التنموية التي يطرحها واعتماد ممارسة واقعية لصياغة وتنفيذ ومتابعة المشاريع التنموية التي تلامس مجموعة من الميادن بدءا من الاقتصاد وصولا الى المجال الرياضي والفني.

فالمجتمع المدني يعد مصدرا من مصادر الشرعية، حيث أصبحت الجمعيات تستقطب شرائح المجتمع من مختلف الفئات، التي عزفت عن العمل السياسي أو أستبعدت منه. لكن كيف يمكن استثمار هذا الصعود المتواصل للمجتمع المدني في النهوض بالأوضاع الاجتماعية ؟ ألا يمكن تفسير ذلك بوعي الشباب الطامح للمساهمة في الشأن المحلي ؟ ألا يمكن جعل منظومة المجتمع المدني شريكا للقيمين على الشأن العام وذلك بتقسيم المهام كل حسب اهتماماته؟ ليس التقسيم كما قد نفهم، وإنما هو حاجة المنطقة إلى فاعلين جمعويين كطرف ضروري لتفعيل السياسات التشاركية  الى جانب الجيل الجديد من السياسيين الذي جادت به الانتخابات الجماعية الأخيرة . ثم هل فعاليات المجتمع الزاكوري ( منتخبين ، رؤساء ساكنة محلية…)وصلت الى مستوى أن تفهم دور واختصاصات المجتمع المدني؟ وهل ما قدم لحد الأن من طرف المجتمع المدني كافي لكي يكون عند حسن تطلعات الساكنة المحلية؟

قبل الغوص في الحديث عن عمل المجتمع المدني  بإقليم زاكورة لابدا من استحضار الوضع التاريخي الذي ظهر فيه  المجتمع المدني على الصعيد  الوطني ،حيث في سنوات الثمانينيات  نهجت الدولة المغربية سياسة تسمى التقويم الهيكلي هذه الخطوة التي زادت الطين بلة حيث ظهرت مجموعة الفئات المهمشة والمقصية ،بالإضافة الى تدني المستوى المعيشي لمعظم الساكنة أنذك. هذه الخطوة كذلك أنتجت  مجموعة من النخب السياسية وكذا البرجوازية الكسولة، هذا كله ساهم في توسيع رقعة الفقر وتكريس مبدأ اللا عدالة، بعد ذلك ظهرت مشاريع تنموية معظمها ركز على الجانب الاجتماعي فقط، ومنجزة من قبل جمعيات من المجتمع المدني، حيث فتحت أوراشا لمحاربة الفقر والأمية والبطالة، والتوعية الصحية…

على مستوى  إقليم زاكورة الكل يلاحظ التزايد الكبير للجمعيات وفي مختلف المجالات ، لكن الشيء الذي يعاب على أغلبها، هو أنها تبقى حبيسة الوثائق لا غير، بمعنى أنه يصعب عليها تنزيل ما سطر في قواننها الأساسية، ولعل أبرز الأسباب التي تبدو للعيان هي أن هذه الجمعيات تكون ممركزة على بعض أعضاء المكتب وغياب أو تغيب باقي الأعضاء ، وهذا راجع لغياب مبادرة التكوين وعدم تحمل الوزارة الوصية مسؤوليتها في إدراج دورات تكوينية للراغبين في ولوج هذا المجال ،هذا من الناحية الذاتية للجمعية . وفيما يخص تعامل الجهات المسؤولة مع جسم المجتمع المدني فهو دئما يتسم بنوع من التوثر والمشاحنات حيث بعض المنتخبين والجمعويين لا يفرقون بين ممارسة التطوع الجمعوي، وممارسة الفعل السياس، وهذا يوقع أغلب الجمعيات في حسابات ضيقة هذه الأخيرة تعجل بجمود برامج الجمعية؛ لكن رغم ذلك فهناك جمعيات استطاعت أن تجد لنفسها مكان داخل المنظومة رغم محدودية مشارعها وكذا شح موارد الدعم، لأننا لم نصل بعد الى إنشاء جمعيات قادرة على اقتراح مشارع تفيد في التنمية الشاملة للمنطقة وقادرة على جلب ممولين رسمين في مختلف المجالات وحسب اهتماماتها . و أن تكون شريكا للقيمين على الشأن العام ، فقط تقتصر على  تحركات موسمية، وأنشطة ترفيهية خلال المناسبات ، الى درجة نجد جمعيات تنشط فقط في الأعياد من خلال أمسيات  إحتفالية، هذا جميل لكن يجب أن يكون تتويجا لموسم عمل متنوع وشامل نلمس فيه أن الأهداف التي أسست الجمعية من أجلها نزلت على أرض الواقع. ومن خلالها الساكنة المحلية تتذوق قيمة ودور المجتمع المدني. وإدا تأملنا حتى في الجمعيات التي تبدو لنا نشيطة  فمشارعها يمكن اعتبارها تنفيذا لما يدخل في اختصاصات الدولة ؛  لكن من واجب الجمعيات أن تخلق مشارع تهتم بالجوانب التي يمكن أن تغفل من طرف الوزارات الوصية أو انها غير قادرة على تغطية جل المناطق. ففي مجال التربية مثلا الجمعيات التي يدخل ضمن اهتماماتها من الواجب أن تخلق برامج للدعم  والتوجيه التربوي… ، خصوصا في المناطق النائية حتى يحق لنا ان نقول أنها فعلا تساهم الى جانب الوزارة الوصية في تنمية هذا القطاع , وليس فقط اشراف على مراكز لمحاربة الأمية …

وما يمكن قوله هنا هو أن كثير من الجمعيات تعيد اجترار ما اعتدناه من القطاعات الوزارية البارعة في إعطاء الإحصائيات غير الحقيقية، وحتى وإن نجحت بعض المشاريع الجمعوية وفي حيز ضيق وفي مناطق محدودة إلا أنه يجدر بنا التذكير هنا أنه لا يجب أن تتحول مشاريع الجمعيات المدنية بديلا لواجبات الدولة والجماعات المحلية، فليس هذا هو دور الجمعيات التاريخي، بحيث أن الإمكانيات الذاتية البسيطة للجمعية لا يمكنها أن تقوم مقام الدولة التي عليها أن تحل معضلات السكان الاجتماعية والاقتصادية والسياسية في إطار تشاركي مع مختلف الفعاليات المحلية.

إن الحديث عن دور الجمعيات في تحقيق الاندماج التنموي في المجتمع يتطلب مسبقا وضع مقاربة تأخذ بعين الاعتبار ثلاثة عناصر تعتبر الركائز الأساسية لتحقيق هذا الدور على الوجه الأكمل، وهذه الركائز هي: الديمقراطية، والمواطنة والإدارة الرشيدة داخل الجمعيات.

فالديمقراطية، بمفهومها الشامل، لا تعني فقط الحكم السياسي بقدر ما يمكن تعميمها على كل المرافق والتجمعات، سياسية كانت أم اجتماعية أم مهنية. فلا يمكن تحقيق دور متكامل ومنسجم من أجل التنمية من قبل الجمعيات في غياب الديمقراطية في هيكلة وبنية العلاقات داخل هذه الجمعيات.

 والمواطنة تقودنا إلى التأكيد بأن المشاريع التنموية يجب أن تخضع لمبدأ الأولوية وليس لاعتبارات انتقائية واصطفائية. كما ينبغي على الجمعيات تجنب الركض وراء مشاريع تنموية من أجل تحقيق أغراض شخصية ومصالح مادية ضيقة، حيث نجد في بعض الأحيان جمعيات تقدم تقارير مضخمة -يؤسف لها- هدفها الحصول على التمويل المادي من الجهات الخارجية والقطاع الخاص أو دعم الدولة والجماعات المحلية.

إن الأمر يتطلب استحضار الإرادة الرشيدة انطلاقا من تكريس الديمقراطية الداخلية ومبدأ المواطنة داخل إطار الحركة الجمعوية، كما يتطلب من الجهات الفاعلة في التنمية المحلية (الدولة، الجماعات المحلية، القطاع الخاص …) دعم المشاريع التنموية للجمعيات وفق ضوابط موضوعية وعادلة .

إن تحديات المجتمع المدني  بإقليمنا في الوقت الراهن تفرض على الجمعيات المدنية باعتبارها طليعة المجتمع بذل قصارى جهدها في سبيل عمل تنموي تشاركي يؤهلها إلى احتلال مكانة هامة ضمن حلقة الفاعلين التنمويين المحليين، كقوة ضغط واقتراح وآلية مراقبة تعتمد الموضوعية والروح العالية في اتجاه الفئة المستهدفة من مشاريعها التنموية .

مواضيع قد تعجبك المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.