مايسة سلامة الناجي ,نجاة حمص عملتين نادرتين في زمن الشرود

0 33

 

لا شك أن الكتابة من أهم ما يميز شخص عن آخر، وهي ماء زلال من الأفكار تتدفق من ذاكرة شخص الى فكر شخص آخر، وأما إذا كانت هذه الكتابة مصدرها كاتبة فإنها حينها ستكون بطعم وذوق آخر يختلف كلية عن كتابة الرجال وأذواقها، إن القضية ليست تمييزا بمفهومه السلبي بالقدر ما هو حقيقة بادية للعيان، ومن بين كاتبات الرأي اللواتي قرأت لهن الكثير وتفاعلت إيجابيا مع مقالاتهما: ماسية سلامة الناجي ونجاة حمص.

 

سأعترف أولا أنني لا أملتك الكثير من المعطيات الشخصية عن مايسة ونجاة حتى أعطي نبذة تاريخية عنهما كما هو معمول به منهجيا في مثل هذه المقالات.

 

 لقد لعبت الصدفة دورا مهما في التعرف على مايسة وذلك من خلال موقع هيس بريس الإلكتروني الذي كنت أطالع بين الفينة والأخرى ما ينشر فيه من مقالات وأخبار، وما أثارني كثيرا هي الطريقة الاحترافية التي كانت هذه الكاتبة تختار بها مواضيع مقالاتها وكذا الجرأة الكبير التي كانت بادية للقارئين لمقالاتها بين السطور.

 

فالكاتبة الغنية عن التعريف ليست متقوقعة في مواضيع بعينها بل إنها تكتب تقريبا في جميع المجالات حتى الحساسة منها والكبيرة من حيث البحث الأكاديمي والمدارسة الفكرية نعم هناك من يعتبر أن عدم التخصص هو نقطة ضعف للكاتب لأنه قد يقع في التناقض      بين مقال وآخر لكن هذه المسلمة ليست محققة في الكثير من الكتاب الواسعي الاطلاع كالكاتبة موضوع المقال.

 

ومما يؤكد هذا الكلام كون مقالاتها غالبا ما ترتكز على حجج وبراهين عقلانية وواقعية تقوي مذهبها وتعززه، نعم قد تتعرض الكاتبة لنقد شديد بل لمحاولة إقصاء ممنهج من طرف أياد سوداء مبثوثة ليس فقط على مستوى المواقع الإلكترونية بل حتى في أبسط الأمور الحياتية الأخرى التي تحيط بالكاتب الشخص، لكن من المعلوم أن الساحة ليست فارغة بل يملأها خفافيش الظلام الذين يعتبرون أن أي خطاب لا يتماشى مع أفكارهم وعقائدهم هو خطاب معاد وجب التصدي له أو حتى اسكاته إن اقتضى الحال.

 

وما الحملة الشرسة التي قادها العلمانيون والتيار المحسوب على الإخوان في المغرب على مايسة الا دليل على أن هذه الكاتبة كانت حقيقة تضع يدها على الجرح الذي يجعل هذه الأيادي السوداء تتألم وبالتالي تنتفض الى درجة أن العدد التقريبي الذي وصل إليه المنادين بإقصائها تجاوز العشرين ألفا وقد كان لهم ما أردوه اذ حسب اطلاعي المتواضع فقد انسحبت مايسة من الكتابة في هذا الموقع للمبادئ التي تتحلى بها الكاتبة التي منعتها من التملق أو التخلي عن منهجها في الكتابة والتغني بمقولة العام زين.

 

ومن أهم العناصر التي تضفي المصداقية على الكاتب عدم المحاباة في طرح القضايا ومناقشتها وهذه الميزة هي التي تجر غالبا تألب الأصدقاء قبل الأعداء، ومايسة عانت كثيرا منها لأنها اختارت أن تسير على منوالها وألا تحابي من يعتقدون أنهم يستحقون المحاباة.

 

فالكاتب عندما يكتب فهو ينطلق شاء أم أبى من توجهات وقيم تحدد مساره وتعطيه البوصلة التي يهتدي بها في حالة الصدامات الفكرية والعقدية والمبدئية ,ولا أحسب الا أن مايسة لها غيرة دينية وطنية تدفعها الى طرح مواضيعها بهذه الطريقة دون خوف من ردة فعل قد تؤدي الى خلخلة هذا المسار, نعم هناك أشياء كثيرة لا نتفق مع مايسة في طريقة طرحها لكن هذا لا يعني أبدا أنها لا تستحق التنويه.

 

أما نجاة حمص فلا يمكن أن تتصفح موقع صحراء بريس دون أن تجد لها مقالا، كاتبة تختار مقالاتها بعناية فائقة، وما أراقني حقيقة هو دفاعها المستميث عن السنة وتبيانها لخطورة المشروع الصفوي الإيراني الذي بدأت تتضح أهدافه ومعالمه مع مرور الوقت، من منا لم ينخدع بالحرب المزيفة التي كانت بين إسرائيل وحزب اللات اللبناني الصفوي وخربت بسببها العاصمة بيروت ومناطقة أخرى من هذا البلد القنبلة, من منا لم ينخدع بخطب نصر الشيطان اللبناني وهو يتوعد إسرائيل بالويل والثبور وهاهو اليوم يدك حصون سوريا الحضارة بالقنابل والصواريخ ولا يفصله عن تحقيق حلم الساسانيين الإيرانيين إلا فترات زمنية قصيرة.

 

لقد أحسنت الآنسة حمص عندما ذكرتنا بما يضمره هؤلاء القوم للسنة من بغض وحقد دفينين الى درجة أن أحد غربانهم أقسم أن كلب نتنياهو يفضل السني بمئات الدرجات إن لم تكن الألوف، لقد أحسنت والله عندما أثارت هذه المواضيع حتى نكون على دراية بما يحاك لنا نحن معشر السنة من مكائد وحيل.

 

إن المشروع الإيراني المذهبي التوسعي لن يقف في حدود المشرق بل سيمتد الى أبعد من ذلك، فهاهو قد انتشر في نيجيريا والسينغال وموريتانيا وشمال المغرب وهو في طريقه نحو التمدد ,فأي مجتمع دخل اليه هذا السرطان لن يتعافى منه أبدا فالحذر الحذر.

 

فنحن لا ينقصنا لقطاء ونحن أهل سنة نستهجن الزنا فكيف إذا دخل هؤلاء الزناة واستباحوها باسم المتعة وخرج علينا حينها غربانهم يحللون ما حرم الله ويحرمون ما أحله الله منطلقين من فتاوي الكليني والسيستاني والحيدري والكلبي والقطي والحماري أو ما شئتم من أسماء الحيوانات.

 

كما أن الكاتبة تطرقت الى مواضع اجتماعية تكاد تلامس حياة كل واحد منا وخاصة نحن سكان الصحراء لما لها من ارتباط وثيق بعاداتنا وتقاليدنا فهي منا ونحن منها.

 

لكن لماذا مايسة ونجاة عملتين نادرتين ولماذا في زمن الشرود؟

 

تعودنا أن نقرأ كل ما يكتبه الرجال ونتفادى قراءة ما يكتبه النساء اعتقادا من بعضنا أن النساء تطغى عليهن العاطفة وبالتالي لن نجد في كتاباتهن إلا تعابير الحب والعواطف الجياشة، بينما الحقيقة قد تجد من النساء من تزن عصبة من الرجال برجاحة عقلها وغزارة اطلاعها وفهمها الحصيف، ويحكى أن رجلا أخد عهدا على نفسه ألا يبيت إلا في حي يملك كتابا نادرا أسمه القاموس، وبينما هو يسير في الصحاري والقفار وجدا حيا من البدو فسألهم عن الكتاب فأخبروه أنه بحوزتهم, فاستأذنهم في المبيت عندهم قصد قراءته, فأخد الرجل في قراءة الكتاب وعند بزوغ الفجر أخذته غفوة فإذا بشاة تمر بجانبه فتأكل صفحات من هذا الكتاب, وعندما استفاق حار في أمره كيف يخبر القوم بما وقع لكتابهم.

 

اتخذ قرار أن يتسلل تحت جنح الظلام هاربا وبينما هو يعد راحلته تفاجئ بامرأة تسأله عن سبب رحيله في هذا الوقت المبكر فأخبرها بما وقع للكتاب فقالت له يا أخ العرب خذ قلما ومدادا فسأملي عليك الصفحات التي ابتلعتها الشاة فاندهش الرجل لغزارة علمها وفقهها.

فلهذا السبب وغيره تعد مايسة ونجاة عملتين نادرتين.

 وأما زمن الشرود فانظروا الى عالم النساء فلن تجدوا إلا مدمنات على المسلسلات ,والمكياجات والملابس, ودموع أخريات سائلة لأن بطل المسلسل الفولاني قد هجرته البطلة الفولانية, وأن فلانة قد اشترت تنورة تفوق جمالا تنور جارتها, وأن بطل أحلام فلانة قد هجرها ونعتها بنعوت قبيحة من قبيل أنها ’’باردة’’ أي أنها عندما امتنعت عن فعل الحرام وفضلت التعفف أصبحت كجلمود صخر لا أحاسيس لها ولا عواطف حسب زعم آكل اللحوم البشرية هذا.

 

  وعندما تسأل إحداهن كم قرأت من كتاب تدرعت بمشاغل البيت ومشاكل الأبناء إن كانت متزوجة طبعا أما إن كانت عازب فستجدها غارقة حد الثمالة في تصفح مواقع التواصل الاجتماعي عساها تجد من تدردش معه حتى لو كانت بأساليب وقحة ومبتذلة.

 

إن المرء الذي ليس له مصوغ وجود حقيقي فهو ضائع بلا شك و إن الإرادة والعزيمة إذا ما فقدتا في المرء لن يكتب أبدا, فكيف بمن فقد العجلات أن يسير وعجلات الكاتب القراءة والكتابة.

 

لازلت أحتفظ بنصيحة لأستاذة درستني مادة التواصل في جامعة القاضي عياض مفادها: يا أخي تحدث باللغة الفرنسية حتى لو كانت بالطريقة الصينية، وأنا أقول للنساء أيتها النساء أكتبن بأي طريقة شئتن فقط أكتبن.  

مواضيع قد تعجبك المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.