الرئيسية | مقالات - عمود زاكورة بريس | صنع بزاكورة …. Made in Zagora
صنع بزاكورة …. Made in Zagora

صنع بزاكورة …. Made in Zagora

مدينة زكورة

ضوء قنديل خافت ينبعث من غرفة في السطح مطلة على الزقاق معزولة عن باقي غرف العائلة الممتدة، ضوء القمر ونوره الساطع ،الهدوء يخيم على المكان في ليلة ربيعية مقمرة، وحدها الموسيقى الشعبية المنبعثة من تلك الغرفة تكسر سكون هذا الليل الجميل، الأمر لا يتعلق بلحظة رمانسية بل بواجب مهني ويجب على العامل التفاني في أداء مهمته حتى لا يتحول إلى أضحوكة لنا نحن الساهرين لنعرف المدة التي سيقضيها هناك مع فتاة لم يسبق له أن رأها ولا تحدث معها من قبل ولم يسمع لها سميا،لنسمع زغاريد ليلة الدخلة في ذاك البيت الطيني ذي السقف الخشبي، ذاك هو المصتع الذي تخرج منه أفواج من بني بلدتي النائية في الماضي غير البعيد، ورغم ذالك تستمر الحياة و تطول العشرة ويكبر العش وتتوج الزيجة بميلاد أبناء وأحفاد في غفلة من الزمن والواقع، أذكر أيضا أني تعلمت ضمائر الغائب والجمع قبل أن أدخل المدرسة مما سبب لي مشكلا معرفيا فقد قال لنا الأستاذ يوما أن هو ضمير المفرد الغائب وأنا كنت أعتقد هو والدي المحترم المفرد الحاضر، فكثيرا ما تناديه والدتي ب *هو* في حضرته ولم اسمعها قط تناديه باسمه رغم أنهم ذبحوا خرافا من اجل تسميته، الوالد أطال الله عمره استفدت منه ضمير *هي* وهكذا هي الحياة الجنوبية في مغرب أخر أرادوا له ألايكون نافعا. في بلدتي كانت امهاتنا ينصحننا بالتقاط بعر الجمال للأستشفاء وعلاج أمراض مستعصية حيث أن أغلبنا نحن جيل النكبة لم نعرف إلى الطبيب سبيلا، بل كنا نلف وبعر الجمال أو الأغنام في قماش واحد ، ويطمع أبويك في أن تصبح طبيبا في المستقبل أو مهندسا هي أضغاث أحلام نادرا ما تتحقق، أما عندما تتعرض للسعة عقرب أو حشرة سامة فتلك حكاية أخرى ومن أجمل النوادر التي مازالت عالقة بذاكرتي عندما لسعت عقربا أحد أفراد العائلة في مكان غير مناسب الخبيثة وكانها كانت على علم بأن المكان من الطبوهات في بلدتي و لم تجد سواه لتفعل فعلتها وترى ما القوم فاعلون،وبدأ المسكين يتوجع ألما فاقترح عليه أهل الإختصاص حزم أو تشريط مكان اللسعة حتى لا يسري السم في باقي انحاء جسمه النحيف وجلس يحك مؤخرته على الأرض و عشب يصطلح عليه *النجم* ويردد إنه لا يصلح لا لهذا أو ذاك وبهذا جعل الله كيدها في نحرها وكانت مناعة الرجل أقوى من سمها ،وإذا قيل قديما أن أخر الدواء الكي فإنه يعد في بلدتي أول وخير وأخر الدواء ولتتحسس وسط رأسك أيها القارئ الكريم إذا كنت من جيل 1984 وما قبلها و تنحدر من الزاوية لترى مركز الرأس وتجد منطقة عازلة خالية من الشعر تلك هي العلامة التجارية المميزة لنا نحن أبناء الزاوية وإذا كنت تملك مجهرا دقيقا سترى عبارة *صنع في الزاوية *محفورة بدقة في وسط الرأس، وقد تشم رائحة الكبريت أيضا، كانوا يفعلون ذاك لكي يكون حجم الر اس منسجما مع باقي أعضاء الجسم لكن قليلا ما تنجح الكية في جمع رؤوس البعض البارزة، و هكذا استمرت مقاطعتنا للمستشفى سنين وكانت المرة الأولى التي رأيت فيها الطبيب بوزرته البيضاء عندما أخبرونا في السنة الأولى من الدراسة أن الطبيب سيحل بالمدرسة لتلقيحينا وقد غاب أغلب التلاميذ عن الحصة خوفا ولتأثرهم بالإشاعة عن حزم الطبيب وطول إبرته ونبرته الحادة كان أبناء القسم الثاني قد روجوا لها عن الطبيب، كنت من الشجعان الذين لم يتغيبوا وحضرت الحصة وحتى لحظة كتابة هذه الأسطر تحسست يدي اليسرى ووجدت علامة البلد الأصلي وأثر الابرة مازالت قائمة ولم تقدر السنون على محوها وأدركت أن الدولة قامت بإخضاعنا لعملية التعشير ،وها نحن كبرنا رغم الألم والمرض والمعاناة وأصبحنا ندرع الأرض أصحاء والحمد لله، أدركت معها أخير أنه عندما تهمشك الدولة والقائمون عليها فهناك في الأفق الأعلى رب يحمينا ينجينا ونحن له شاكرون ، مودتي الخالصة

خالد بلحاج

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>

Current ye@r *

إلى الأعلى