تدوينة زرقاء: الراشيدي يكتب عن المرأة العجوز التي صعدت عمود كهرباء في العاصمة.

الكاتب : عبد العزيز الراشيدي

0 341

صعدت امرأة عجوز عمود كهرباء في العاصمة، وهدّدت بالانتحار مطالبة بحقّ من حقوقها. وتقاطر الناس ليشهدوا الواقعة. وفي الأخير نزلت ولم يحدث شئ. هكذا يتكاثر “العموديون” في المغرب الحديث، بدءا من عاشق خديجة المراكشية وصولا إلى هذا الكم الواسع من الذين ذاقوا الظلم، أو ممن لم تنصفهم المؤسسة، أو من الذين قرصهم ألم شخصي فاحتجوا عليه بصعود العمود.

في الزمن القديم، كان الناس حين تضيق بهم السبل يصعدون الجبل، كان ميزان الحرارة في وطن المغرب الكبير القديم الممتد حتى تخوم السودان بقبائله وأشرافه وعوامه وأعرافه وقواده وسلطته يزن حرارة البلاد، ومدى راحة القبائل بالسهل والجبل؛ فحين تضيق السبل بقبيلة وتكثر عليها المكوس والضرائب والجبايات أو يلحقها الظلم تصعد إلى الجبل كي تتحرّر من سطوة السلطة معلنة فكّ الارتباط. وبذلك يتمّ تقدير العودة إلى حظيرة البلاد إما بالحرب والتهدئة وإما بالاستجابة للمطالب بعد التفاوض، وهو ما يحدث غالبا. لدرجة أن سياسيين مغاربة كثيرين، في المغرب الحديث، خلال كلامهم عن خلاف ما أو واقعة سياسية ما، يردّدون كلمة الجبل، وعبارة “الصعود إلى الجبل”، كتعبير عن التذمّر، مستدعين الصيغة في بعدها الرمزي وقد سمعناها من رموز حزبية كثيرة في حوارات عديدة وفي تجمعات جماهيرية.
واليوم، بعد كلّ هذه التحولات التي أصبح فيها الجبل مكشوفا أمام الطائرات والأقمار الصناعية، وأصبح الفضاء المغربي بسهله وجبله وبحره مدروسا بعناية دقيقة واخترقته الدراسة الجغرافية التي تدقّق وتعرف، وأصبح فيها “الجبل السياسي” أيضا مشاعا وغير ذي أهمية، تحوّل سلوك الناس فبدؤوا يصعدون إلى أعمدة الكهرباء. غير أن هذا الصعود أصبح فرديا ولم يعد جماعيا أو باسم القبيلة، ولم يعد له أي تأثير إلا من باب المنطق الرمزي البسيط الذي يُفيد زفرة المطحون العاري أمام قوة قاهرة تخترق مجاله. وثمة اختلاف جوهري بؤطّر الموضوع: فأنتَ إذا صعدتَ الجبل تكون واقفا على صخرة والناس ينظرون إلى هامتك وثيابك تحركها الرياح مثل بطل أسطوري مما يجعل موقعك أقوى (سآوي إلى جبل يعصمني)، لكنك إذا صعدت عمود الكهرباء فإن حركتك تقلّ بفعل العلو غير المنتظم، ورجلاك تكونان في هواء فاسد بفعل دخان السيارات، كما أنك تكون مجبرا على الإمساك بأي شئ لتحقيق التوازن، بالاضافة إلى ذلك كله، تكون مؤخرتك معرّضة لنظرات من هم أسفل العمود.

مواضيع قد تعجبك المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.