واحتا امحاميد الغزلان والكتاوا في طريقهما إلى الانقراض : ندق ناقوس الخطر

0 231

شيد سد المنصور الذهبي سنة 1972 على واد درعة لتحديث وعصرنة السقي بالواحات الست المعروفة تاريخيا : مزكيطة ( اكدز ) وتنزولين وترناتة ( زاكورة ) وفزواطة ( تمكروت ) وكتاوة ( تاكونيت )  وامحاميد الغزلان . سلسلة واحات كثيفة النخيل دائمة الاخضرار وموفورة الإنتاج  بسواعد الفلاحين النشيطين ، مساحتها الاجمالية 000 25 هكتار  . تغطي الواحتان السفليان مجتمعتان اكتاوة وامحاميد الغزلان 971 9 هكتار : 797 7 هكتارا و 2174 هكتارا إي ما يعادل 40 % من المساحة الفعلية التي يغطيها سد المنصور الذهبي .

    استبشر سكان واحات درعة بهذا الحدث التاريخي وظنوا أن مستقبلهم ومستقبل واحاتهم سيزدهر وسيتحسن حال معيشتهم بدخول أساليب فلاحية متطورة وزراعات حديثة ، ترفع من مستواهم الاقتصادي والاجتماعي والبيئي الهش أصلا وسيساعدهم هذا التحول المزعوم على استقرارهم بمنطقتهم الحدودية لحماية حماها .        

       لم يمض إلا عقد من الزمن حتى ظهرت المشاكل بالجملة خيبت أمال سكان درعة ، بعضها بسبب التخطيط غير السليم وعدم تطبيق الدراسات المنجزة وخصوصا مذكرة سنة 1945 التي جاءت بحلول تحفظ حقوق الواحتين السفليين وكيفية استفادة واحات درعة من مياهها الجارية في فترات الفيضانات مع استغلال المياه الجوفية في كل من الواحات العلوية الأربع .

          فقد واجه تطبيق البرنامج الجديد للري العصري قلة الوسائل البشرية وتفاوت مآخذ مياه القنوات ، كما أصطدم هذا البرنامج بطبيعة الواحات المترامية ، فامحاميد الغزلان ، تبعد عن اكدز ب 200 كلم ، في حين لم يتوفر للمكتب الجهوي للاستثمار ألفلاحي بورزازات على الوسائل البشرية واللوجيستية لتنفيذه ، وجابهه كذلك انعدام وجود التشريعات المنظمة لمياه السقي العصري المحدث الذي يتعارض مع نظام الري التقليدي الذي استعمله الفلاح الدرعي منذ تواجده بالواحات ، حيث يملك هذا الفلاح حقوق وملكية مياه سواقيه وسدودها ( اكوك ) لقرون مضت ازدهرت خلالها الواحات بوفرة التمور والحبوب التي كانت تصدر إلى خارج وادي درعة مع توفر الأغنام والبقر الحلوب والحيوانات البرية المختلفة .

         ومن العوامل الخطيرة التي ألحقت أضرارا كبيرة  بالواحات السفلى عدم انضباط الواحات العليا للنظام الجديد لتوزيع مياه طلقات السد ، فيعمدون باستمرار إلى سرقة الماء بفتح سواقيهم التقليدية عنوة أثناء الطلقات وقطع المياه قبل وصولها إلى الواحتين السفليين المتضررتين أصلا بتقليص حصتهما لأكثر من النصف .

         أما المعضلة الخطيرة جدا والتي لم يلتفت إليها أي مسئول في وزارة الفلاحة أو في المكتب الجهوي للاستثمار ألفلاحي أو خبراء في البيئة أو الوكالة الوطنية لحماية واحات النخيل وشجر الأركان ، هي القطــع التام لسيلان وادي درعة عن واحتي تاكونيت وامحاميد الغزلان منذ 1972 في عالية الواحتين بسد ازغار والاكتفاء بسقيهما بواسطة قنوات مبنية بالاسمنت المسلح ، مما حرم الواحتين من حقهما الطبيعي من الاستفادة من جريان وادي درعة سواء أثناء طلقات سد المنصور الذهبي ( 3 إلى 5 طلقات ) سنويا ، أو أثناء حملات وادي درعة كلما سقطت الأمطار وما يحمله فيضها من طمي ومواد عضوية ضرورية لنخيل الواحات . وشتان ما بين مياه الفيض ومياه المخزونة وراء السد . إن حرمان الواحتين من سيلان نهر درعة وقطع مياهه عنهما حكم عليهما حتما بالزوال والانقراض لا محالة ، فأصبحتا كجسم إنسان اختنق بقطع الأكسيجين عنه .

     إن الواحات الأربع من اكدز إلى فزواطة بقيت تستفيد من تدفق مياه واد درعة كلما أنجزت الطلقات التي تتراوح بين 3 إلى 5 طلقات في السنة دون أن تصل ولو قطرة واحدة إلى الواحتين الممتدتين على طول 60 كلم . ومع مرور السنوات انخفض مستوى المياه الجوفية من 4 أمتار إلى 27 مترا عمقا . والمختصون يؤكدون أن جذور أشجار النخيل لا تتعدى   10,40مترا عمقا تحت الأرض وتنتشر هذه الجذور على مساحة حوالي 160 مترا مربعا مما يتجلى معه دور مستوى المياه الجوفية .

         كما أن مصلحة الري العصري لسد المنصور الذهبي  كانت دائما ضد بناء السواقي التقليدية وإحيائها عملا بمقولة الخبير البلغاري جاء فيها : أن لا جدوى في السواقي التقليدية ، تشجيعا للري الجديد ، وعارضت بشدة إحياء قناة أولاد إدريس التقليدية لعشرين سنة . ولما أعيد إحياؤها سنة 2013 وأوشكت على إتمامها لتنقذ ما يمكن إنقاذه من مزارع أولاد إدريس ( 900 ه ) الأكثر هلاكا وموتا في نخيلها ، وقفت هذه المصلحة ضد إتمام المشروع لأسباب محاولة نزع حقوق ملاكيها وإخضاعها لنظام ريها العصري خلافا للقانون والأعراف . 

          إن المشاكل والأخطاء القاتلة المرتكبة في حق الواحتين امحاميد الغزلان وتاكونيت ترتب عنها : 

  1. تدهور حاد للواحتين وتدمير فظيع لنخيلهما وتصحر لأراضيهما التي تحولت مساحات كبيرة منها إلى كثبان رملية
  2. توقف إنتاج التمور للنخيل الباقي حيا منذ التسعينات من القرن الماضي ومحدودية زراعة الحبوب حسب الطلقات التي لا تستفيد الواحتان من حصتهما المقررة كاملة .
  3. جفاف وادي درعة كليا على طول الواحتين ابتداء من سد ازغار وتحول سريره ( lit ) إلى صحراء قاحلة حيث اختفت حافتاه تماما عن الوجود بعد موت النباتات والأشجار الغابوية المألوفة وانمحت معالمه كنهر عظيم ومزدهر كما جاء في حلة حانون الملك الفينيقي 480 قبل الميلاد .
  4. انقراض الحيوانات البرية الموجودة بكثافة بامحاميد الغزلان إلى حدود 1968 وخصوصا الغزال والأروي والذئب والثعلب والضبع وأسراب القطا والأحبار وغيرها كانت تشرب في مجرى وادي درعة أو في بركه وعيونه الحية .
  5. الهجرة المكثفة للسكان إلى المدن، يهدد بإخلاء الواحات في تخوم الحدود بعد تدهور واحاتهم . إن تعداد سكان أولاد إدريس والركابي وبونو إحصاء سنة 1972 هو 2800 نسمة لم ييبق منهم إلا 1600 نسمة . فبدل ان يتضاعف العدد حسب النمو الديموغرافي تناقصوا وتقلصوا بحدة وهاجروا الواحة التي تحتضر بين أيديهم.

     المقترحات :

  • إيفاد اللجان المتخصصة في مجال والواحات و البيئة والايكولوجيا لتطلع في عين المكان على مدى تدهور الواحتين وعدد النخيل الهالك والمساحات المتصحرة. إن الجهات المسؤولة لم تكلف نفسها فيما مضى عناء التنقل لمعاينة الكارثة رغم الطلبات المكتوبة والمتكررة للسكان التي رفعوها إلى المسؤولين محليا واقليميا ومركزيا.
  • العمل على السماح لمياه الطلقات والفيض لتتدفق بواد درعة إلى أخر واحة بامحاميد الغزلان على الأقل لإنعاش الفرشة المائة التي غارت إلى عمق 30 مترا، لم تعرف المنطقة مثلها في التاريخ رغم فترات الجفاف .
  • إعطاء واحة امحاميد الغزلان وأسفل ازغار( بني اصبيح وزاوية سيدي صالح ) حصتها من مياه الطلقات ، بإعادة توسيع قناة ازغار بالضفة اليمنى بتاكونيت لتستوعب حصتها المقررة من الطلقات .
  • إتمام الساقية التقليدية لأولاد إدريس بامحاميد الغزلان التي تسقي 900 هكتار لتستفيد مزارعها من مياه الفيض . المشروع الذي مولته الوكالة الوطنية لتنمية الواحات وشجر الأركان وتوقف.
  • حفر ألآبار لاستغلال المياه الجوفية في أماكن المتوفرة عليها: تاقات وتيدري وبونو لانقاد ما تبقى من النخيل ولجعل حد للهجرة الكثيفة إلى المدن .

                                                                                              

صالح بقاس

      ابن واحة امحاميد الغزلان    

 


مواضيع قد تعجبك المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.