الرئيسية | مقالات - عمود زاكورة بريس | شيء من الذكرى، او حين حنت النوارس

شيء من الذكرى، او حين حنت النوارس

إهداء:إلى أهل زاكورة الطيبين. مع خالص الود
لست أدري لماذا اجتاحتني الذكرى ـ أنا طائر الليلك المهاجرـ في هذا اليوم بالذات ، و الحالة أني بين يدي الله ، حيث التسبيح و التحميد و التهليل و التكبير، و حيث التسليم و الخشوع و الرضا بما كتب الله من العافية و الرزق المتاح. لا أظن أني تذكرت ماء العذيب. غير أني أتذكر وجودي بينكم ذات زمان، حيث كنت فيكم مطمئنا إلى دفء الحضن و صفاء الطوية. أتذكر إذ بوأتموني مقاما أذود فيه عنكم و أنتم تهشون راضين مطمئنين قبل أن تطير النوارس معلنة إقلاع الربان و بداية رحلة أخرى. وحدهم هواة الابحار يعرفون هول اللحظة و وقع الكلمات. يحضرني فجأة قول الشاعر القديم: سافر تجد عوضا عمن تفارقه وانصب فإن لذيذ العيش في النصب عهدي بكم تبتسمون مهما كانت الظروف. الأبيض للجمعة و للعيد الجديد. فمالي أرى على وجوهكم وجوما؟ ما لي أشم رائحة قدوركم مخالفة؟ أهو المريب يكاد يفجر صمتكم؟ عهدي بكم تقتلون غليل الآخر صبرا، وتقلبون له ظهر المجن إن أصر. غير أن الزمان كشاف، و الآتي أمر.لا تكذب زرقاء اليمامة. و رحم الله درويش إذ يقول: غير أني إذا ما جعت آكل لحم مغتصبي…. حذار حذار من جوعي و من غضبي ! بل صدق الله إذ يقول:فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم. يا سبحان الله ! أو هكذا يفعل الزمان بأهله؟ ما بال قوم لا يفقهون؟ ام تراها العادة المتمكنة في النفس، القادمة من العروق تفعل في النفس الأفاعيل؟ أي بني جلدتي: فلو أن أهل الدار فيها كعهدنا وجدت مقيلا عندهم و معرسا تلح علي الذكرى لتحملني إليكم على جناح الهوى، و النفس التي تساقط أنفسا . مضى زمان طويل على مغادرة العش و الأهل و الصحبة. لم أك قط بهذا الإحساس، و أنا اليوم بين إخوة أفاضل لا يقل احتفاؤهم بي عنكم. سبحان الله ! علاقاتي بكم مستمرة و دافئة كما العادة . لكني أجد لهذا اليوم طعما لا يعادله إلا طعم الاحساس بالوحشة و الغربة. ترى، هل كان حكيما ذلك الصعلوك الذي قال في بداية تاريخنا الثقافي: وفي الأرضِ مَنْـأَى للـكـريمِ عــن الأذى = وفيها لــمـنْ خــافَ القـِلَـى مـُتـَحَـــوَّلُ لـعَمـْرُكَ ما بالأرضِ ضيـقٌ عـلـى امـرِئٍ = سَرَى راغـباً أوْ راهـباً و هـو يعقلُ أركب الموجة مرة أخرى، فأراني مجللا بثقتكم في بيتكم الأول، و أنا أضطلع بمهمة الرفقة. تحضرني اللحظة رغبة القيادة في توحيد مصليات لا أظنها إلا ما زالت بينكم متعددة كما الأهواء هناك و مكنونات الأنفس.أذكر ما خضناه من أجل ذلك من معارك ننطح فيها الصخر…. و أعيى قرنه الوعل . لا شيء يغير واقع الحال ما دامت الإرادات متعددة كما الآراء، بعيدا عن حدود الشريعة. هكذا هو المجتمع القبلي كما عهده حفدة بول باسكون. لا يذوب ملحه و لو رميته في البحر. يكبر الرجل موقعي و يتوجه بالخطاب لغيري. أعرف نفسي معنيا، و أتوجه بالرجاء وجهته. لا و ألف لا، هذا لن يكون! و لتشربوا البحار إن شئتم ! و سلام على المرسلين. بدأت أتقن اللعبة. حضر جلة الشيوخ من أرجاء سوس. كنت بينهم بحكم المهمة. أحسست بالرجل في كامل صفاء المزاج. تحدثوا في أشياء كثيرة، و خضت فيها مع الخائضين على قلة و بتحفظ. تساءلت ببراءة مفتعلة: كم عدد المصليات هناك، في مهد العالمة؟ جاء الجواب شافيا لي، صارفا له عن الفكرة. فليست المسألة بهذه السهولة. ليست قرارا يتخذ فينفذ.إنه الاجتماع البشري يفعل فعله. ولذلك ندرك كم كان عظيما ذلك الرسول الكريم الذي اقتلع الجبال و أرسى راسيات التوحيد. أعود إلى الذكرى مرة أخرى .ألوذ بها لوذ الحمائم بين الماء و الطين كما قال حكيم الفرات. تحضرني الصورة. أحضر في مثل هذا اليوم مصلاكم صحبة الوفد الرسمي. يثير الانتباه إيلاؤكم القبلة ظهوركم. ينادى علي للاستفسار، فأتولى الإجابة عنكم: تلك عادة القوم في اتقاء أشعة الشمس كلما أحست فطرتهم سطوتها. لم تمر الملاحظة بمرور لحظتها. سارت مقدمة مزاح كلما استقبلنا عيدا: إنهم يدعونني لأعد للسؤال جوابا. كم هم كرام بنو جلدتي، و كم هم ظرفاء مازحون أولئك الذين هم هم. حاولت حل المشكل من على المنبر ببيان أن العبد يكون أقرب ما يكون إلى الله و هو ساجد كما في الحديث الشريف، و أنه بالتالي أقرب إلى الله و هو مستقبل القبلة. و ما هو إلا صبر ساعة… غير أن الأمور لم تسر بمشيئة الربان كما اشتهتها الارادة. و ليشرب الملاح ماء البحر إن شاء. طرح السؤال نفسه ذات عيد، و كان الجواب المعهود. دعي الطبيب ليسأل: آ الشمس أضر بالجبهة أم بالقفا؟ أدرك الرجل المراد فأجاب الجواب المنتظر أمام دهشة الحضور.لا يا سيدي الدكتور. لم يخطئ قومي التقدير، و هم أدرى بشمسهم و بصحتهم. و تجربتهم فوق كل العلوم و قبلها. و ما العلم إلا ما أثبتته التجارب المخبرية من تجارب الناس . و قد لا تعرف بسرعة. يا الله ! أ إلى هذا الحد تكون المصانعة؟ و الحالة أن الفضيلة لا تجد معها طريقا إلى النور . الحمد لله. لم يعهد في الناس هذا أبدا. و لذلك، أرى أنه قد أخطأ من قال: ومن لم يصانع في أمور كثيرة يدرس بأنياب و يوطأ بمنسم اللهم إلا أن تكون للشاعر ظروفه القاهرة. و لا أظنه إلا مكرها كصديقي الدكتور. كم هو لذيذ الجلوس إليكم أهل درعة الأماجد. غير أن حنين النوارس يحمل على ملازمة السفين و لو تاهت. لقد صدقتكم الوعد حتى أذن الله بمرفإ جديد. و ما هو إلا حنين إلى زمن مضى بين الأهل و الصحاب، و إن كان عنهم اليوم بديل. لله در ثابت بن أوس بن حجر الأزدي: أقيموا بني أمي صدور مطيكم فإني إلى قوم سواكم لأميل و لي دونكم أهلون:سيد عملس و أرقط زهلول و عرفاء جيأل هم الرهط، لا مستودع السر شائع لديهم و لا الجاني بما جر يخذل يا لسحر البيان ! ترى، أمديح هو أم هجاء؟ نحن و الحمد لله فوق وحيش تهامة، ما في ذلك من شك. غير أن المرء أحيانا يظن بالناس الظنونا. و أستغفر الله. لطف الله باق. و الحمد لله على تمام العافية و سعة الرزق. و الحضن دافئ هنا كما هو هناك. فليعبدوا رب هذا البيت الذي أطعمهم من جوع و آمنهم من خوف. و الباقيات الصالحات خير عند ربك ثوابا و خير أملا. قل صدق الله. و من أصدق من الله قيلا.غير أن للناس في قلوبنا موقعا و حرمة هنا و هناك. و لا بد أن نؤدي الأمانة إلى أهاها. لا بد أن نبث في الناس الأحاسيس. و قديما أوفى بعهده السموأل. دامت لكم الشهامة و النبل أيها الأحبة. و لتزهر زاوية ابن ناصر في تلك الربوع. فما زالت قادرة على مد الأفنان ليتفيأ الظلال عابرو السبيل و لو جاروا. تحل بها زهر النجوم و تارة تحل بها الشمس المضيئة للبشر فتحية لدرعة و لأهل درعة بمناسبة هذا العيد السعيد.و عهدا أن نكون دوما كما النخيل عطاء و صبرا و الموت وقوفا. الناس شتى و نبت الأرض مختلف منها الغضيض و منها اليابس الزاوي يجلجل صوت الشيخ السوسي الجليل في المكبر واعظا و منبها و داعيا، لينتشلني مما غشيني هذا اليوم. أعود إلى أرض الله بين ربوع سوس التي كانت عالمة و ما تزال. من هنا اقتبست النور مشكاة الإمام الحضيكي ، و ما زالت هذه الأرض تذكر دبيب الشيخ محمد المختار رحمهما الله. هنا شجيرات الأركان تبعث في النفس الأمل. هي أصبر من نخيلاتنا هذه الشجرة على عوادي الزمن، و هم لها أحب و بها ألصق. غير أن لشيجراتنا موقعا في الروح و في الكتاب. تتجاذبني الشجيرتان و تعصف بذهني الذكرى. هل تراني أديت الصلاة اليوم كما أداها الحبيب ؟ أستغفر الله ، و أسأله التجاوز و القبول . فما وعدنا ربنا إلا خيرا. إذ هو القائل سبحانه: ( إن يعلم الله في قلوبكم خيرا يوتكم خيرا مما أخذ منكم و يغفر لكم و الله غفور رحيم). و العبرة بعموم اللفظ. و آخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

عبد الرحمن المتقي/ أكادير

6 تعليقات

  1. فقدكم اصدقاؤكم بزاكورة وضاعوا من تجربتكم وثقافتكم . والجميع يكن لكم كامل الاحترام والتقدير . تحسون بالغربة ونحن نحس بحرقة الفراق والابتعاد . الأمل كبير ان نجتمع مرة أخرى بعاصمة درعة ” تزاكورت “أو تكمدارت . والرجال رجال اينما حلوا وارتحلوا يعطون ويفرضون مواقفهم في اي مجتمع … متاثر كثيرا بمقالكم وبالظرف الذي جاء فيه وجعلتنا نحس باحساسكم ومرارة الفرقة .

  2. زاكوري حتى التمالة..

    هي لحظة اعتراف بزاكورة فضاء و انسانا/و الحال ان من غادر زاكورة سيحس بكثير من الهيام اليها .لكن اعتقد ان ماقاله المتنبي يوما /اما الاحبة قالبيداء دونهم /لم يعد لها مبررا اليوم خاصة واننا نعيش عصر الموبايل الذي قرب البعيد و ابعد القريب.
    لله درك سي المتقي ، قالت السمكة “راه ماء اخر هذا”زاكورة لم تعد زاكورة كما عهدناها بالامس ،فالعولمة اليوم تقضي على الاخلاق و العادات بل على الخصوصيات ،وزاكورة ليست يمناى عن هذا النهر الجارف ،اذ اصبحنا لا نفرق بين شارع محمد الخامس بالرباط وشارع محمد الخامس بزاكورة بل بحارة من حواري بوخلال او امزرو.
    نسيت يا سيدي قولة الامام الشاقعي :
    سافر تجد عوضا عمن تقارقه””” وانصب قان لذيذ العيش في النصب
    لا لم تنساها فانت شيخ العارفين بالشعر العربي ،وبتاريخ الادب العربي للبهبيتي ،اتمنى لك مقاما طيبا بسوس العالمة و اهلا بك بزاكورة .
    تحياتي اليك حيث انت .

  3. عبد الرحمن المتقي

    سعيد بلقاء الأحبة على صفحة زاكورة بريس.ممنون لكم أنا بتفضلكم بقراءة هذه الخواطر. لكم في النفس أعلى مكان، و ما هي إلا لحظة التفات إلى الخلف لنرى كم هو عجيب هذا الزمان. لم أعد أذكر أنه قد مضى علي بين أحضان سوس العالمة أربع سنوات إلا بهذه الوقفة. رحم الله أبا تمام الطائي إذ يقول
    لولا اشْتِعالُ النار فيما جاوَرَتْ…………ما كانَ يُعْرَفُ طِيبُ عَرفِ العود
    و كذلك هو الاحساس بالغربة يكشف لك عراقة الأصول و لو نأت بها الشقة.
    تحية لكل الإخوة و إلى لقاء على تراب درعة و بين جنانها.

  4. وحنينه أبداً لأول منزل
    أحب بلاد الله ما بين منعج

    إليّ وسلمى أن يصوب سحابها
    بلاد بها نيطت عليّ تمائمي
    وأول أرض مس جلدي ترابها
    ولي وطن آليت ألاّ أبيعه

    وألا أرى غيري له الدهر مالكا
    عهدت به شرخ الشباب ونعمة
    كنعمة قوم أصبحوا في ظلالكا
    وحبَّبَ أوطان الرجال إليهم
    مآرب قضاها الشباب هنالكا
    إذا ذكروا أوطانهم ذكَّرتهم
    عهود الصبا فيها فحنوا لذالكا

  5. بعد قرائتــي لخاطرة استاذى ،والذى كنانعتبره-نحن تلاميذ زاكورة-في بداية التمانينيات ابا وقدوة لنا،لايسعني الا ان اتقدم له بالشكر الجزيل على خاطرته هاته،والتي ذكرتني بايام زمان .ايام كانت قاعات ثانوية سيدي احمد بناص لاتتحمل الاعداد الهائلة من التلاميذ الذين يحضرون محاضراته ودروسه وندواته.
    فمهما ابتعدت عنا -استاذنا الجليل-الى ارض سوس العالمة ،فاخبارك ما زلنا نتتبعها عبر العديد من الجهات ،ولا اعتقد انك تجهل اهم هذه الجهات.انه و بكل بساطة ……اترك المجال لك استاذي لتكمل.فنحن لن ننساك أبدا،ولن ننسى افضالك علينا،ولن ننسى جميلك.كما انني على يقين انك لن تنسى ابنائك الذين درسوا على يديك،منذ اختيارك لزاكورة للعمل بهافي بذاية الثمانينات.كما لا يفوتني أذكران حبك لارض منطقتك وابنائها ما هو الا تأكيد لما أشار اليه شاعرك وشاعرنا المفضل ابو تمام الطائي في بيتين شعريين ما زالت ذاكرتي تتذكرهما منذ زمن الثمانينات :
    نقل فؤادك حيث شئت من الهوى فما الحب الا للحبيب الاول
    كم من منزل في الارض يألفه الفتى وحنينه ابدا لاول منزل
    حفظك الله يا أستاذ ،وأبقاك ذخرا وملاذا لأبنائك وواخوتك واسرتك وتلامذتك ولزاكورة وللوطن.

  6. اعترف: مررت على هذه الصفحة مرات عديدة و في كل مرة اجدني اتصبب عرقا و انا اجاهد في قراءة مقال احس انه يلامس قلبي و خاطري دون ان اصل الى عمقه المدفون في قاع بئر من الموروث الادبي الضخم..وليس ذلك بالغريب عليكم استاذنا و ابانا الفاضل .. اما انا فسأستحي ان اكتب او اعبر بحضرتكم و ساكتفي بالقول ..الصمت في حرم الجمال .. جمال
    لا تغب عنا .. نحن دائما في الانتظار..
    لكم منا كل الود و الاحترام و التقدير .

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>

Current ye@r *

إلى الأعلى