أمراض المثقفين

0 2

لعب المثقف على مر التاريخ أدوارا ريادية في نهضة الأمم و تقدمها ، و كان دائما كالشمعة التى تحترق كي ينعم الآخرون بوهج نورها ، يكابد دروب الليالي في البحث و التنقيب عن المعلومة و مواكبة و مراقبة ما يجري في مجتمعه بعين المحلل الناقد و الموجه ، ليعبر عن معاناته و همومه المستمرة التي تعهد بحمل عبئها عن طواعية و اختيار ، فكانت أسمى أمانيه أن يرسم أحلام بلده في التنمية الثقافية و الاجتماعية و الاقتصادية و السياسية و يسعى إلى ترجمتها إلى واقع حي معاش، لا يمنعه انغماسه بين دفات الكتب من الالتصاق بقضايا الشعب و متابعتها لحظة بلحظة ، يقتسم معه حلو الأخبار و مرها ، يستنشق هواءه ، يتألم لآلامه و يفرح لأفراحه .

الأستاذ رشيد رملي

و قد قدمت لنا الحضارة الإنسانية نماذج مشرقة من هذه السلالة و كان لها ما كان من باع و إسهام ، في سوق العلم و المعرفة و البحث، كان سؤال المعرفة همها الأصيل ، و البحث في الظواهر و سبر أغوارها و تفكيك رموزها هدفها النبيل، و تحري الموضوعية في التحليل نهجها القويم ، لا تحابي شيخا و لا حزبا ولا زعيما ، و لا تعرف للسلطة خضوعا ولا تملقا و لا تدافع أو تنافح لتنال المقابل و العطايا و المدد .
وإذا كانت تلك بعض الخصال المجيدة التي عرف بها المثقف ، فإن التاريخ لم يعدم وجود نماذج مثقفين من طينة أخرى شوهت صورة المثقف و عكرت صفو مكانته و قللت من هيبته داخل المجتمع ،بل وجعلته في أحيان كثيرة مثارا للنكت و التهريج ، وواقعنا اليوم يعج بحالات ” ماركات “غير قليلة من هذه السلالة المعتلة التي تعاني أمراضا مزمنة تلحق بالغ الأذى بالبلاد و العباد .
قبل الخوض في تقديم أعراض تلك الأمراض و تداعياتها لابد من تسجيل ملاحظتين أساسيتين :
– الأولى تتعلق بالسياق الذي نعيشه و هو سياق الربيع العربي و الفرص التاريخية التي فتحها أمام الأمة لمسح قتامة النكبات و النكسات و الانكسارات المتتالية التي لاحقت هذا الجسد المكلوم لردح من الزمن ، و نعتقد أنه آن لهذا الجسم أن يعرض وجهه على مرآة التاريخ و ينفض عنه غبار اليأس و الانحطاط ، وأن يعي جيدا حساسية اللحظة الفارقة التي نعيشها اليوم ، و التي لا تحتمل تكرار الأخطاء . إننا باختصار أمام خيار وحيد لا شريك له وهو ” استثمار اللحظة وإكمال مسيرة الإصلاح الشاقة و المكلفة- لامحالة-” .
– الثانية وهي أن تاريخ المثقف العربي الحديث كما يقول- د. عبد الإله بلقزيز – “يجب أن يقرأ بوصفه تاريخ صلته بثلاث سلط : سلطة المعرفة و الجمهور والحاكم ” وفي ضوء العلاقة بين هذه المكونات الثلاث سنحاول بسط وضعية المثقف في حالتنا الراهنة .
• أول تلك الأمراض مرض النخبوية أو الانعزالية : وهي الحالة التي يكون فيها المثقف بعيدا عن هموم المجتمع و قضاياه و معاناته ، قابعا في أبراجه العاجية يسبح في غيبات الأوهام الميتافيزيقية و الأفكار الطوباوية العمياء ، و حين يفعل ذلك لا يدرك أنه يمارس هروبا أكاديميا مفضوحا يفكر فيه من خارج السياق ، و في حالة شرود تام عن أطوار الأحداث الجارية في الميدان و على بساطه . إن هذا الاستعلاء العلموي – و التسمية هنا لأستاذنا بلقزيز – الذي يحتكر من خلاله المثقف المعرفة و كأنها ملك خاص به و محمية لا يلجها أحد إلا هو، قد يتحول إلى وسيلة للسيطرة و القهر و في هذا يقول د. برهان غليون:” وكل معرفة لا تعمم تصبح وسيلة سيطرة سياسية و اجتماعية ”
لا يخفى على كل ذي بصيرة أخطار هذا السلوك و أكلافه الثقيلة على الدولة والمجتمع معا ، ليس أقلها أنه “ينتج نخبة لا تملك قرارا و مجتمعا و جمهورا خاضعا مفكك الوعي” كما يقول د. سعيد شبار.
ثاني تلك الأمراض مرض الشعبوية و هي عكس النخبوية و يعرفها د عبد الإله بلقزيز بقوله ” نزعة في التفكير السياسي تجنح لتقديس الشعب و حسبانه مستودع الحقيقة المطلقة ومناط الخلاص النهائي من شرور العالم ، ما يقوله الشعب – في عرف دعاة هذه النزعة- هو القول الحق الذي ما بعده قول موثوق”
يقتصر دور المثقف هنا على الأخذ من الشعب و الرواية عنه و الانصياع له، والنسج على منواله إلى حد تنتفي فيه ذاته و يصبح عبدا مملوكا في يد الجمهور -طبعا- لم يعد في هذا المقام مجال لنقد أو توجيه أو ترشيد لسلوكات المجتمع و آفاته، لأن المثقف أصبح مسلوب الإرادة ، فاقدا للجرأة و يخشى إن هو اقترف ذلك أن يحرم من بركات الشعب و من جزيل عطاياه و أمداحه و أن يفقد حظوته أمام العامة و يبور قلمه ، وأن تدخل إنتاجاته في سن اليأس المبكر عفانا الله وإياكم.

ثالث الأمراض هو مرض العمالة الفكرية أو تأجير اللسان أو ما أصبح يعرف ب “ظاهرة الأقلام المأجورة ” أو أقلام تحت الطلب” وكلها أسماء لمسمى واحدا يشير إلى دعارة فكرية رخيصة يحترفها المثقف حين يسخر قلمه و فكره لخدمة جهة معينة و التمكين لأجندة محددة عن غير اقتناع ، إنه لا ينتج ما ينتجه انطلاقا من قناعاته و تطلعاته و هموم بلده أو حزبه و إنما لخدمة مشاريع بعينها أو مصالح أو سلطان أو إرضاء لطرف دفع له المقابل “التدويرة” . و أخطر ما في هذا الوباء هو حين لا يكتفي المثقف ” العميل” بخدمة الأجندة الداخلية فيعمد للتمكين لمشاريع و مخططات برانية معادية لأمن الأمة الثقافي و لخصوصيتها الحضارية و لبعدها القومي – يسمي د.أنيس النقاش- بعضهم ب مثقفي البنتاغون”أو المارينز – وما أكثر أبواق هذا الصنف في بلداننا إنهم يلبسون لباسنا يأكلون طعامنا و يخالطوننا بأجسامهم لكن عقولهم ليست معنا .

أما رابع تلك الأمراض فهو مرض الانفصامية و هي ازدواجية في الخطاب والممارسة ، حيث كثيرا ما ترفع نخبنا و مثقفينا شعارات جذابة و لامعة فيتحدثون مثلا عن العدالة و الحداثة و الديمقراطية و حقوق الإنسان و الحرية ، و يكتبوا فيها ماشاء الله أن يكتبوا ، وعند الممارسة تجدهم لها ذابحون سالخون ، سلوكاتهم اليومية تنطق بنقيض نظرياتهم ولو نطقت لقالت فيهم قول الله تعالى ” كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون” (الصف:2)
قد يقول قائل بأن هذا المرض لا يعانيه المثقفون وحدهم ، وإنما هي أزمة عامة تسري في أوصال المجتمع كله، وهذا كلام صحيح يحتاج إلى مقالات وربما مجلدات ، لكن أليس من الكبائر المغلظة في حقل العلم و المعرفة أن ندعو المجتمع إلى مبادئ و قيم و نفسرها و نقربها له ، و نعمل- نحن – بنقيضها أثناء الممارسة و المخالطة الاجتماعية ، بل إنه لمن المفارقات الكبرى في تاريخ المثقفين أنهم ينصبون أنفسهم لمحاربة مثل هذه الظواهر وهم فيها غارقون.

مواضيع قد تعجبك المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.