الرئيسية | مقالات - عمود زاكورة بريس | الشعر باعتباره حالة أنطولوجية: نموذج العلم
الشعر باعتباره حالة أنطولوجية: نموذج العلم

الشعر باعتباره حالة أنطولوجية: نموذج العلم

سعيـد بوخليـط – باحث مغربي

من بين أسوأ الحقائق التي ترسخت في أذهاننا،وأضحت نمطا مضللا، تلك التي تنزع نحو : 1- الفصل المؤسساتي المجحف بين أقسام العلم والأدب ومن ثمة الذكاء والخيال2. – ربط مبتذل، لمفهوم الشعر والشاعرية بتصنيف مجتمعي لشخص،ينتج كعلامات خطية وإشارات لغوية فاترة مجموعة نصوص.بينما،الجوهري والمهم أن يجسد حالة وجودية استثنائية وروحا شعرية تكتنفها الشفافية من كل جانب3. عدم فهمنا، للرؤية الحالمة والبعد الجمالي، اللذين تطويهما المعادلات الرياضية والفيزيائية والبيانات الهندسية وكذا الروائز المخبرية. بمعنى،أن المبدأ الشعري حال بقوة،بينها جميعا.
الشعر هنا،لا يكتفي بالصيغة الرتيبة والعقيمة التي تبدأ بالكتابة وتنتهي عند الكتابة، لكنه نزوع أنطولوجي، تستغرقه استثنائية مدارج الغموض والتساؤل والتشكيك والحدس والاستشراف،بالتالي جميع ما يندرج تحت هذا السياق من استحضار للاوجود. يقول أينشتاين :((إن أجمل ما نعيشه هو الغموض.لكن ،من لا يشعر بهذه العاطفة ثم لا يتوقف ويختار،ويقف مأخوذا في دهشة،ليس إلا ميتا مغمض العينين)).ويضيف باشلار :((لا يمكن أن ندرس، إلا ما حلمنا به أولا)).
بالتالي،فحزمة المفاهيم المعقدة والعويصة،التي قدمها لنا تاريخ العلم، وبالأخص مع الصيغ النظرية والتدليلية لتطوراته الحديثة،تحيلنا في أساسها الابستمولوجي طبعا إلى ذكاء حاد وفطنة ثاقبة، ينظم جرعتهما ليونة خيال شعري يتدفق بكيفية لانهائية.
إذن،لم تكن فذلكة اللغوية،أن يصرح أينشتاين في هذا الإطار بأن : ((الخيال، أهم من المعرفة)) ،وهو العالم الفيزيائي العتيد والمجرب،واضع إحدى أعقد النظريات،بناء وبرهنة وأفقا.
إذا ردد النفسانيون والاجتماعيين،شعارا مفاده أنه ليس بالخبز وحده يعيش الإنسان،مادام تعدده الهلامي، يزاوج بين الفيزيقي والروحي.فبالتأكيد أيضا،أن العلم ومع أقصى تمثلاته العقلانية تجريدا وصرامة،يبقي عند نفس المنطلق والمنتهى، ما سماه أينشتاين مرة أخرى ب : ((الحدس أو الفكرة اللامعة)) ،حيث مولدات الخيال تخصب وتفتق نتوءات الذكاء.
تآلف عضوي،دفع باشلار الفيلسوف ورجل العلم المتمكن،الذي جمع بين عشق الرياضيات والقصيدة،إلى الجزم بأسبقية الحلم على المفهوم،وتنصيصه على استحالة استيعاب :((ذرة الفيزياء المعاصرة، بغيراستحضار مجموع صورها)).بلغة ثانية،يصعب علينا تمثل اجتهادات العلماء دون معرفة بخرائطية ودروب مدائن الشعراء،مما يفترض ضمنيا أن نمتلك دربة يومية على قراءة أشعار : نوفاليس، ريلكه، شيلي، بودلير، إدغار آلان بو،إلخ، كي نستوعب مثلا الفضاءات المقفرة والوعرة لنظرية النسبية. النتيجة : القصيدة مدخل للعلم.
لقد انبنى العلم الكلاسيكي،على الذات المفكرة الديكارتية،المتسامية بالعقل إلى الموقع الأنطولوجي الأولاني،في حسم الحقيقة، وألصقت بالخيال كل الشرور التي تفتح السبل نحو الزلل والخطا والتيه.عقلانية،أرست دعائم العلمية وفق إيمان ديكارتي مطلق بعقل يستطيع معرفة ذاته والله والطبيعة،مؤسسا بذلك موضوعية تتلخص من كل شوائب الذاتية والتذويت،وتمنح الذات العالمة دورا جوهريا وحاسما في الوصول إلى النتيجة.
ونظرا لما تمثله الرياضيات من يقين مطلق،فقد جسدت اللغة الوحيدة الممكنة لقراءة الكون حسب تصور ديكارت ودعاة الاتجاه العقلاني فيما بعد.بل،راودت أب الفلسفة الحديثة،رغبة شديدة أن يغدو الكون برمته معادلة رياضية،في نفس سياق الأفق الغاليلي الذي توصل إلى قناعة مفادها،أن الله خلق الطبيعة مثل كتاب مؤلف بنظام ترميزي رياضي،ولكي نقرؤه لابد من معرفة بالرياضيات مجال التفكير المنطقي والدقة والتنظيم العقلي.
هكذا،بقي العقل الديكارتي متسيدا،دون سبيل يذكر لنزوع إشراقي إن صح التعبير،حيث العلم هو البداهة والوضوح واليقين الأحادي.
لكن سنة 1837،صدرت في فرنسا مقالة تحت عنوان : “الهندسة الخيالية”،لصاحبها الرياضي الألماني “ريمان” ،واضعا بهذا لبنات مايسمى بالهندسة اللا-أقليدية،التي خلخلت الصنمية المميزة حتى تلك اللحظة لهندسة أقليدس،وما اشتهرتاريخيا بنظرية التوازي الأوقليدية : من نقطة خارج مستقيم لا يمكن إنشاء أكثر من مستقيم واحد يوازي المستقيم الأول.
لقد،طرح ريمان صيغة مغايرة تماما،حينما تصور قاعدة ثانية مفادها استحالة رسم أي متواز لمستقيم من نقطة خارجة عنه.
ثم ارتباطا ،بنفس المنحى وكذا الفترة التاريخية ذاتها،بمعنى نهاية القرن التاسع عشر،استطرد عالم رياضي آخر من روسيا اسمه “لوباتشفسكي” في التأويل،موسعا معادلة السابقين إلى ثالثة مفادها،أنه من نقطة خارج مستقيم بوسعنا إنشاء متوازيين لهذا المستقيم بل وعدد لانهائي من المستقيمات.
إذن ،لم يعد صرح الرياضيات،مجسدا لثابت كلي. لكنه،تعرض للتشكيك والتجاوز،مما أرسى وضعا معرفيا اصطلح عليه بأزمة الأسس.أزمة اليقين الرياضي،الذي أفرز هندسات لا-أقليدية.بعد أن شكلت، تلك التي بناها أوقليدس، الهندسة الوحيدة القائمة والممكنة،الصادقة صدقا بديهيا.
لقد قوضت البراهين الجديدة لريمان ولوباتشفسكي،اليقين المطلق لمبادئ ونتائج البرهان الاستنتاجي في الرياضيات،القائم على التأسيسات الثلاث :البديهيات،المسلمات،التعريفات.ثم انتقلت المنظومة الابستمولوجية،إلى تبني الأوليات وعبرها فعالية العقل الرياضي في بناء موضوعاته،فانتهينا صوب أس ومعيار الرياضيات المعاصرة، أقصد : “المنهج الأكسيومي الفرضي الاستنتاجي”.
في الخضم ذاته،وبالعودة إلى نظرية المجموعات،بدا بأن بديهية الكل أكبر من الجزء ليست صادقة صدقا تاما كما استمر الاعتقاد،فالجزء قد يكون مساويا للكل أو أكبر منه.
هل افتقدت الرياضيات،لهالة الثابت المجرد؟الذي لا يلفه الباطل من أي جانب،المستند إلى ما يمكن تسميته بلغة الفلاسفة،بحلول الحقيقة في ذاتها؟يجيبنا أينشتاين :((ليست الحقيقة سوى وهم،لكنه وهم ثابت .بيد أن أهم شيء، عدم التوقف عن التساؤل)).والسؤال، يقتضي حسا شعريا هائلا، ومخيلة تمسح كل الأزمنة وتطوي مختلف الجغرافيات.
بدورها ،عاشت الفيزياء تغيرات نوعية،وضعت نهاية ل”حاكمية” العقل،وأعادت الاعتبار جدا لحضور الذات الإنسانية في صياغة النتائج العلمية،التي استحالت محتملة ولم تعد قط نهائية،وأضحى للخيال الشعري حيزا حاسما في موضعة صورة للكون،قصد استيعاب المفاهيم الجديدة التي أدركتها الفيزياء الحديثة،وإعادتها النظر في التعريفات الكلاسيكية لمعطيات الجسم المادي والزمان والمكان والطاقة والفضاء،إلخ.
إن التحولات النوعية التي بلورها النموذج الفيزيائي،نتيجة ظهور قضايا الميكروفيزياء والكوانطا،أبرزت إلى السطح سجالا علميا مختلفا كليا عن أبعاد الماكروفيزياء،حيث تتميز الظواهر هنا بدقتها اللامتناهية وطابعها الانشطاري ثم سرعتها الهائلة،الموازية لسرعة الضوء ( 300 ألف كلم في الثانية) ،كما الحال مثلا مع عالم الذرة،الشيء الذي يصعب معه تطبيق المنهج التجريبي،وملاحظة المواد بالوسائل الكلاسيكية التي حدد خطواتها،كلود برنار :
-الملاحظة ،بعزل الظاهرة عن محيطها.
– وضع فرضيات حول الظاهرة،حيث تشكل الفرضية شرحا مؤقتا للظاهرة.
-القيام بالتجربة،ويشترط فيها التكرار والتنوع.
-صياغة القانون العلمي ،صياغة رياضية في شكل معادلات جبرية.
هكذا، بدت المسوغات القديمة،ساذجة وعاجزة كل العجز حيال ما يميزعالم الجسيمات الصغيرة الدقيقة جدا، من انفلات دائم وزئبقية ،فألقى جانبا أسطورة الموضوعية، بالتالي حتمية تدخل العالم بواسطة وسائل مجهرية،ومن تم بناء منظومة تقطع نظريا ومنهجيا ،مع العقل الديكارتي هيكلها باشلار،تحت تسمية : الابستمولوجيا اللا-ديكارتية.هكذا،تصالح العقل مع الخيال،أو كما صاغ “روني توم” الإشكال بقوله :((التجريب انفتاح على الواقع والخيال.فالعلم،لا يكون علما إلا إذا انفتح على الافتراض والخيال)).
ففي شهر ديسمبر1900 ،هز الفيزيائي “ماكس بلانك” ،الأوساط العلمية بخلاصته البحثية،المؤكدة على أن طاقة الموجات الصوتية تقفز في صورة غير متصلة،في شكل كميات. تتزايد الطاقة أو تنقص بكيفية متواصلة،أي بلا حد أصغر للارتفاع أو الانخفاض.نظرية،مارست دورا حاسما بخصوص نظرية الإشعاع وبناء النواة،وكذا كثير من النظريات الفيزيائية،بحيث ساعدت على إدراك أعمق لطبيعة المادة والإشعاع.
إنها فيزياء الكوانطا، التي أحاطت بفضاء الجسيمات الذرية الصغيرة،فدشنت الثورة العلمية لما يعرف بالفوتون والإليكترون. كائنات سريعة بكيفية غير عادية، وتبدي حساسيتها إزاء المؤثرات الخارجية،بالتالي استحالة ضبط الظاهرة بناء على يقين مضبوط،مما دفع الفيزيائي النمساوي “هايزنبرغ” إلى السعي صوب صياغة حسابية لقانون الارتياب،مادام لايمكننا تحديد موقع الإلكترون وسرعته بدقة في الوقت ذاته.فإذا ضبطنا الموقع،ارتابت السرعة التي توازي سرعة الضوء،ثم عندما نحدد السرعة يساورنا الشك في الموقع.
هكذا،انفتحت آفاق متعددة للتماهي بين الذات والموضوع،العقل والتجربة،الواقع والممكن،الحدس والاستنباط، الفينومين والنومين، الحقيقة والارتياب،إلخ .جميعها، في إطار تآلف بين الخيال والواقع،مغاير تماما لكل الثرات الماضي.الخيال،الذي اهتدى بالإنسان إلى غزو الفضاء وصناعة القنبلة الذرية،كما خول له في نفس السياق إبداع نصوص شعرية وأدبية وفنية،عميقة وجميلة.
أشار الروائي الفرنسي “أندريه مالرو” :((سيكون القرن الواحد والعشرين،صوفيا أو لايكون)) ،مادام الخيال سيشكل اللغة المهيمنة على عصر، يزخر بكثير من الثورات العلمية والغزوات الفضائية،واقتحام مختلف الكواكب والمجرات. إنه التأويل الوحيد،لتصور أينشتاين عن بعد زمني لانهائي وخيال لانهائي،تلتقي في بوتقتهما المعرفة الصوفية بالكونية.لذا،كان عليه دراسة الفيزياء بأطر مفهومية تختلف عن النظرية الميكانيكية لنيوتن التي ظلت مهيمنة لمدة 200عام،فخلص إلى تلك الحقائق الباهرة التي انطوت عليها نظرية النسبية الخاصة والعامة،المنطلقة من أصغر الجسيمات في الكون المحيلة على الفوتون والإليكترون داخل الذرات،كي ترتقي نحو أضخم الأجسام،داخل كون منحني،سرمدية حدوده ،لأنه حسب أينشتاين، كون يتوسع ويتمدد كالبالون المنفوخ إلى ما لانهاية.
لقد غمرت أفكار أينشتاين، وأبحاثه المتعلقة، بالزمان والمكان والضوء والحركة والكتلة والطاقة،إلخ،رؤية شعرية جامحة تجاوزت سقف العقل البشري،فتوصل إلى أشهر معادلة رياضية في علم الفيزياءٍ : (M C2= E). التي استلهمها العالم ” روبرت أوبنهايمر” من أجل صناعة القنبلة الذرية.
إجمالا،أكد الدرس المعرفي الغربي،بشكل لايقبل الجدل،أن الكون تعريف دائم الانسياب،صاغته رؤية حالمة وعالمة،يستحيل تغييب منحى إحداهما لصالح الثانية.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>

Current ye@r *

إلى الأعلى