الرئيسية | مقالات - عمود زاكورة بريس | القمم العربية بعد ربيع الثورات،مواقف قادة أم قاعدة
القمم العربية بعد ربيع الثورات،مواقف قادة أم قاعدة

القمم العربية بعد ربيع الثورات،مواقف قادة أم قاعدة

عبد الكبير بران -

قبل أيام قليلة انعقدت قمة الدوحة هي العربية الثانية من نوعها بعد الربيع العربي ،لاشك أن الشعوب العربية التي قدمت تضحيات جسام لتنعم بمستقبل أفضل لن تسمح باغتيال أحلامها وكل شيء سيصبح تحت المجهر بما في ذلك تحركات القادة الجدد و ومواقفهم. صحيح أن مسلسل الثورات لم ينتهي بعد إن على مستوى البلدان التي لازالت مهددة به أو ما ارتبط باكتمال الثورة وتحقيق غايتها في البلدان التي عرفتها وعاشت على ايقاعها لكن الرهان على حسم بعض القضايا الحساسة -التي اصبحت تتطلب مواقف أكثر جرأة و ترجمة في أرض الواقع من قبيل القضية الفلسطينية و غيرها – قد بدأ.
في ما مضى بعد كل عمليات تدمير وقتل ترتكبها الآلة العسكرية الاسرائيلية في حق العزل الفلسطينيين وما يليها من سياسات استيطان وتهويد في الاراضي الفلسطينية يخرج الشارع العربي عن صمته ليشجب ويدين ما يحدث في الوقت الذي كانت فيه قياداته تنسج خيوط التطبيع وعلائق متميزة مع هذا الكيان في السر مع ابداء نوع من التماهي مع الشعوب في العلن، هذا النوع من النفاق اتسعت دائرته لتكشف عن مدى عمق الهوة والشرخ الحاصل بين القمة والقاعدة وجوهر المفارقة في أن مواقف الأولى لا تعكس الثانية .
و حتى الأمس القريب كان الشارع العربي لا يعير أي اهتمام لطبيعة ما يدور في أي قمة عربية ادركا منه أن رغباته تتعارض مع سياسة قادته وبالتالي سرعان ما تتكسر هذه الرغبات على صخرة واقع التوازنات والمساومات ذات الابعاد البرغماتية للبيروقرطيات الحاكمة، ومع التكرار والاجترار خرج مثقفين أيضا عن صمتهم ليغيروا وجهة الشجب صوب الشعوب إنه شجب الشجب،نقد حركة الشعب قبل حركة قائده.
ومن أقوى الخرجات التي كان لها وقع و تأثير على الضمير العربي تناشد صحوته كانت للمفكر جورج حبش حين خاطب قائلا بأن خير دعم تقدمونه للفلسطينيين هو أن تثوروا ضد انظمتكم الديكتاتورية في بلدانكم .,,جدليا الحراك العربي هو تجاوب شعوب هذه الدول مع هذه الدعوات بموازاة مع خصوبة الشروط الموضوعية للفعل الاحتجاجي في كل دولة على حدا، وإن كان هذا الحراك قد أفرز قضايا جديدة –كالقضية السورية – لتضاف إلى القضايا الكلاسيكية مما يحتم مضاعفة الجهود وتجنيد ما يكفي لاستعاب هذه القضايا عدة و عددا.
و بالعودة إلى القمة فإنها على العموم لم تخرج عن المألوف ولم تحمل مؤشرات تدل عن تزحزح الثابت إذ طغت – كالمعتاد – لغة الدبلوماسية في مقاربة بعض الاشكالات العميقة و جاءت تدخلات السادة الرؤساء وممثلي الدول بخطابات على شاكلة البيانات فتراوحت بين التنديد بالوضع في سوريا والعزم على اتخاذ تدابير مشتركة فيما يخص فلسطين … فقط الاختلاف جسده البعض منهم في طريقة إلقاءهم لكلمة دولهم فتحدثوا بحماس التحولات التي عرفتها هذه البلدان كما هو الشأن بالنسبة للرئيس المصري محمد مرسي الذي أعطى رسائل مشفرة لبعض الزعماء التقليديين وحذر من مغبة التدخل في الشؤون الداخلية لأي دولة إلا في إطار تقديم الدعم التنموي وذلك عندما أثار قضية مالي و خطورة تورط الدول العربية فيها عسكريا، كما كانت فرصته لضخ دماء جديدة في علاقة بلده مع دول أخرى كالجزائر رغم أن المغازلة شكلت قاسما مشتركا بين جميع الزعماء في تدخلاتهم .
المغرب في شخص وزير الخارجية سعد الدين العثماني ظل وفيا لمنهجه الدبلوماسي ولم يخرج عن الاطار الذي رسمته الآلة الدبلوماسية المغربية من قبل بما هو إطار منظم و متحكم في مكنزمات التعاطي مع قضايا القطب العربي دون المساس بالالتزامات -الانترنسيونالية – مع الاقطاب الأخرى أوربية كانت أو أسيوية….عبر الاشادة ببعض التحركات التكتيكية للمغرب اتجاه الازمة السورية في إشارة منه إلى الدعم الانساني المتمثل أساسا في بناء مستشفى ميداني للاجئين السوريين في الاردن والدعوة إلى ضرورة تكثيف الجهود من أجل دولة فلسطينية على حدود 1967.
وشاطر رؤساء أخرين الرأي في التركيز على المصالحة الوطنية للفصائل الفلسطينية كخيار وحيد لحل القضية و الدفع بعملية السلام وعموما ليس هناك جديد في الموقف المغربي اتجاه هذه القضايا الكلاسيكية ولا حتى على مستوى القضية السورية إذ أن ما أدلى به السيد الوزير ليس إلا وجهة نظر فرضتها راهنية القضية من جهة و تعبير عن الانضباط لما تقرر دراسته في القمة من جهة اخرى .
حتى على مستوى الرمزي فإن حضور وزير خارجية بدلا من الملك أو رئيس الحكومة أعطى انطباعا على أن قمة العرب لم تعد ضمن أولويات واهتمامات الدولة هذه الصورة عكسها لنا الاعلام الدولي إذ لفتت جريدة القدس الانتباه إلى غياب رئيس الحكومة و حضور وزير الخارجية سعد الدين العثماني ودلالته معتبرة إياه نوع من التراجع للسياسة المغربية في المحافل العربية بل والدولية منذرة بعواقبه ،ذات الجريدة واصلت بقولها إن رئيس الحكومة مند عام و نصف على توليته مقاليد السلطة لم يتلقى أي دعوة من طرف الدول الاوربية لزيارتها والعكس صحيح مما سيؤدي إلى تضرر مصالح المغرب في ارتباطه مع هذه الدول.
و على هامش ما يجري في الدوحة يبدو أن العديد من التطورات الدولية تسير عكس ما يبشر بالحلول بقدر ما تزيد من تعميق الازمات خاصة السورية التي باتت معقدة أكثر مما يمكن تصوره نظرا لأن فرنسا تراجعت عن تقديم دعم عسكري للمعارضة وقوى الثورة لغياب ضمانات ميدانية توحي بتمكنها من زمام الأمور وتحكمها في الاوضاع كما أن روسيا هي الاخرى وقفت ضد منح العضوية الاممية للمعارضة.
وفيما أمريكا سلمت المشعل لبريطانيا يبدو انها أخدت تقف على مسافة واحدة من الجميع بنظرتها الازدواجية للقضايا المطروحة بين قضايا مركزية وأخرى هامشية فالتوتر في شبه الجزيرة الكورية بين الكوريتين الشمالية والجنوبية أجبر الولايات المتحدة الامريكية على توجيه انظارها لعمقها الاستراتيجي هناك خاصة على خلفية تهديد الكوريون الشماليون بضرب القواعد العسكرية الامريكية بالمنطقة من ناحية و تراجع دور الصين و تأثيرها على كوريا الشمالية كنتاج موضوعي لرغبة الامريكيون الشمالية في تجاوز التركيبة الثلاثية – واشنطن ،بكين ،بيونغ يونغ – في مفاوضات حل الازمة و اشتداد الخناق بسبب الحصار والعقوبات المفروضة على اقتصادياتها، زد على ذلك ما عرفه مناخ العلاقة بين حكام البلدين والتي لم تعد كما كانت عليه في السابق .
لتتحول سوريا إلى بؤرة تضارب مصالح القوى الكبرى علما أن إيران لا تنوي التخلي عن حليفها المتمثل في النظام السوري .
في ظل هذه التناقضات -التي تندر بحرب عالمية بصبغة نووية – كلما استطاع القادة العرب فعله هو الاعتراف بقوى الثورة المعارضة كممثل لشعب سوريا في انتظار حسم القضية لكن هذا الاعتراف قد يفهم بكونه جاء نزولا عند رغبة القوى الغربية كأمريكا و حلفاءها.
و القول بهذه الفرضية يتعزز بغياب اقتراحات جريئة في مقاربة الأزمة اللهم ما جاء على لسان الرئيس التونسي في ضرورة نشر قوات عربية لحفظ السلام في سوريا في سياق ادانته لاستعمال بشار الاسد لرؤوس وصورايخ من نوع سكود ضد السوريين والتي لا تستخدم إلا في الحروب الكبرى.
وصدور هذه المواقف من ممثل دولة لازالت تعيش مخاض المرحلة الانتقالية ما بعد الثورة لا يبعث على الاطمئنان لأن فاقد الشيء لا يعطيه ولأن السمة البارزة التي طغت على خطب الفرقاء الاخرين هي الحيطة والحذر والجمود في المواقف هو خير خلاصة و استنتاج لقمة خيبت الامال ليبقى التساؤل مشروع حول بأي عيون سنستشرف مستقبل دول كسوريا و فلسطين… إذا كانت مواقف القمة “حكام ” لا تعكس القاعدة “شعوب”؟

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>

Current ye@r *

إلى الأعلى