الرئيسية | عام | البناء الطيني بالجنوب الشرقي المغربي: قصبات وقصور بومالن دادس نموذجا
البناء الطيني بالجنوب الشرقي المغربي: قصبات وقصور بومالن دادس نموذجا

البناء الطيني بالجنوب الشرقي المغربي: قصبات وقصور بومالن دادس نموذجا

construction-boumalen-dades-1تعد تقنية البناء الطيني من الخصوصيات الثقافية بمنطقة بومالن دادس حيث شيدت بها معالم حضارية وتراثية غنية، قصور وقصبات عمرت أزيد من تلاثة قرون شأن قصبة أيت بن حدوا بورززات وقصبة موحداش … ، هذه الأخيرة تميزت بشموخها وصمودها في  وجه الظروف الطبيعية،  صمود إستمد داته من تشبث الإنسان الأمازيغي بالأرض و الهوية، حيث ينعكس نمط التفكير الأمازيغي في الإبداع والبناء ومعالم أخرى أنهكها الزمن وشاخت وأصبحت مرتعا للغربان وأصناف الحيوانات بعد أن صمدت لقرون  قبل أن تمتد إليها أيادي البشر لتسيئ لهذا الموروث الثقافي والحضاري، حيث بدأ  الإسمنت يزحف نحو الوحات و تم التخلي بالتدريج عن النمط المعماري المحلي وظهرت البنايات الحديثة،  فماهي الطرق والتقنيات الموظفة في البناء الطين وماهي مميزاته؟ وماهي الطقوس المصاحبة له؟       

construction-boumalen-dades 

 

تقع  منطقة بومالن دادس على جنوب سلسلة الأطلس الكبير في الجنوب الشرقي المغربي  على إرتفاع يقدر ب 1500 متر عن سطح البحر على الطريق الوطنية رقم10  الرابطة بين عمالة تنغير ومدينة قلعة مكونة على مساحة 75 كلم وتبعد عن اقليم ورززات ب 120كلم.

 construction-boumalen-dades-1

موقع القصور:                                                                                                    

 تتموقع القصور في دادس كماهو معروف على جنبات وادي دادس الذي ينبع من الأطس الكبير ويمر على قبائل  أيت عطى وأيت سدرات ليلتقي مع وادي إدرمي في خانق تغيا ليسمى وادي درعة.          

 وتموقع  القصور على جنبات الوادي ليس إعتباطيا وإنما هو نتيجة لضروف متكالبة منه ماهو  طبيعي وإقتصادي وأمني.             

 

 construction-boumalen-dades-2

 وسنأخد كامثلة لذلك قصر أَقْبُوبْ بإعتباره من بين أولى القصور بالمنطقة، الى جانب دراسة نموذج قصبة محداش، وقصبة العيساوي سعيد .                                                                                                 

يصعب على الباحث أن يقف على ظروف نشأة قصر أقبوب ودلك لعدم وجود مراجع تتبث دلك بإستثناء الرواية  الشفوية التي ترجح مسألة بنائه إلى حوالي1830 أو إلى أقل من دلك1821 حسب روايات أخرى ، وهنا لايمكن القطع بصحة أي من التواريخ في ضل غياب كتابات تاريخية أوثائق مكتوبة تؤكد دلك وتبقى هده التواريخ مجرد إحتمالات.                                                                                       

قبل الحديث عن مواد وتقنيات البناء لابد من الاشارة إلى أن معضم سكان واحة دادس تركوا القصور وإتخدو لأنفسهم في ما بعد  القصبات كمقرات لسكناهم خاصة بعد التدخل الكلاوي بالمنطقة دون أن نغفل الإنفجار الديموغرافي الذي حتم البحث عن مساكن جديدة مستقلة بسبب ضيق مجال القصر و من تمة أهمل هذا الأخير الدي شكل إرث الأجداد.                                                                    

construction-boumalen-dades-4 

وقد إستخدم الإنسان الأمازيغي منذ القديم في إقامة مبانيه  مواد وتقنيات بناء متنوعة ملائمة لبيئته وثقافته  تستجيب في نفس الوقت لحاجياته ونمط عيشه، كما تمكن هدا الإنسان من تطوير هذه المواد والتقنيات لتواكب  التغيرات التي عرفها عبر العصور ، فقد إعتمد على الطين والحجر و الخشب كمواد  بناء مستعملا تقنيات متعددة تخضع  بالأساس للمادة المستخدمة .

وكانت القصور القديمة  تبنى بالحجر و الطين المخلوط بالتبن وجدوع الأشجار فمن هذه المواد الأولية البسيطة والطبيعية  المتوفرة عموما في واحة دادس والغير المكلفة يتم بناء المنازل والتي تعمرعدة سنوات  والمتميزة بالقوة و المثانة ، فهي لا تتأثر بالعواصف أو الأمطار الموسمية .

 إلا أن هذه العملية – البناء بالتراب – تحتاج الى مجموعة من التقنيات والمهارات وتمر بعدة مراحل تتسم بالدقة والإتقان.

مرحلة البناء:   يعتبر الماء من بين أسباب أي إستقرار بشري فهو يشكل المادة الطبيعية التي لا يمكن الإستغناء عنها بأي حال من الأحوال إذ أنه يشكل عصب أنشطتهم  الزراعية و الرعوية وهو المورد الدي إستأثر بإهتمام العائلات الأقبوبية العطاوية وجعلها تستقر على هضبة مشرفة على وادي دادس حيث تم تأسيس هذا الشكل المعماري المتميز  الذي لم يخرج في بنائه عن المواد المحلية من تراب وأخشاب الصفصاف والتي تسمى محليا  ” تِزْغِينْ ” والقصب الذي يسمح  بتكييف الهواء داخل القصر.

 ثم طريقة التراب المدكوك بين الألواح الخشبية المصنوعة هي الأخرى من خشب الصفصاف أي تقنية- التابوت-  والتي تنسجم مع الظروف المناخية و تتلائم والمحيط الطبيعي الشبه الصحراوي،  ويتم البناء في أوقات مناسبة خاصة في فصل الصيف و الربيع ونادرا في فصل الخريف والشتاء  نظرا لقساوة المناخ.                              

تقنية الأساس أوالساس :

يبدأ البناء عادة بتحضير المواد الأولية من طين وتبن وجدوع الأشجار وبعض الأحجار التي تستعمل كأساس، إذ بعد وضع الأحجار يقام لوحان من الخشب”آلُوحْ”  فينصبان على الأساس، وقد فصلت بينهما مسافة تقدر بـ 50سم ، طولهما هو من2 إلى 2,5 أمتار و  80  سم في الإرتفاع حسب ما يراه “لمعلم”، و تحضر المواد الأولية المستعملة في البناء و تهيأ الأرض التي يأخد منها التراب المخلوط بالحصى بالقرب من المكان الذي سيبنى عليه المنزل حيث يحفر التراب من مكانه ويرش بالماء ويخلط بواسطة الفؤوس” إِكْلْزَامْ” إلى أن يصبح كومة كبيرة من الطين ويترك حتى يختمر وتصبح العجينة جاهزة للبناء  هكذا تبدأ عملية البناء بالتابوت على الساس ويوضع التراب بطريقة منتظمة ويتم الإعتماد على أشخاص متخصصين  بارعين  لكل واحد منهم دوره حيث نجد ” آلْمْعَلْمْ” هو المتحكم في البناء ويتكلف بركز  التراب بواسطة ” المَرْكْزْ”، وهو مصنوع من الخشب ويقوم عاملين بنقل خليط التراب بواسطة “تِقْفَافْ ” أي السلة  على أكتافهم  فيما يتكلف أخر بملئها ، وأخرون يستلمون  الطين، في حين يقوم شخص  أخر بنبش التراب ورشه بالماء حسب تعليمات المعلم  حتى يصبح جاهزا أومتماسكا ، والمثير للإنتباه هو أن ” لْمْعَلْمْ” يضع أغصان أشجار  قد يصل طولها مابين  40 إلى 50 سم وسط ” اللوح ” تفاديا للشقوق  التي تحصل وسطه ، وبعد أن يجف يثم  إزالة الألواح ويقوم عامل بطرق اللوح بمطرقة خشبية تسمى محليا” َتخْبَطْةْ ”  لتكون  الجدارن  ملساء كما يعمل” المعلم “على سد التقوب التي خلفها نزع اللوح  وهكدا ينزع  ويتبث في مكان قريب الى أن يصل الجدار الى العلو المناسب ليكتمل الطابق الأول .                                                                                            

 construction-boumalen-dades-5

 

تقنية التسقيف( تشكيل):

في هذه المرحلة نشير أنه يبدأ تكوين وإستدارة السلاليم بعمل جدار قوي وسميك تعتمد عليه دورة السلم  ويعتمد في التسقيف على الخشب كعنصر أساسي في هذه  العملية وتتم عملية التسقيف كمايلي :

 وضع أعمدة “تِيْجْدَا” وهي طويلة وضخمة من الصفصاف أو “تَسْمْلَلْتْ ” بشكل متوازي فيما بينها وتكون متباعدة بحوالي 1 متر تقريبا، وبعد إتمام هذه العملية يثبت فوقها مايسمى بـ “تِمْشْكْلِينْ”  وهي أعمدة خشبية متوسطة الحجم ومتقاربة في مابينها  دون ترك أي  فراغ  و يصل طولها إلى حوالي 1متر  كما يتم وضع أغطية من البلستيك لمنع نفاد الماء  إلى الداخل تم يتم وضع الطين المختلط بالتبن  بسمك يصل الى مابين 20 الى 30 سم  ويتم دكه بالأقدام وهكذا يكتمل الطابق الأول  تم يأتي دور الطابق التاني بنفس الطريقة .

 


تقنية  “تَمْسَالْتْ” أو مايعرف بعملية تطيين الجدران :                                                       

تتطلب هذه العملية هي الأخرى  متخصصا لأنه من الصعب التعامل  مع العجينة الطينية  وتختلف طريقة تحضير عجينة بناء الجدران عن طريقة  تحضير عجينة  “تَامْسَاْلتْ ” فلإعداد هذه الأخيرة يتم تحضير  كومة كبيرة من التراب الخاص  بهذه التقنية  والخالي من الأحجار  ويعملون على خلط الطين بالماء و التبن تم يقوم مجموعة من الرجال بالدوس على  الطين بأقدامهم  ويخلطونه بأيدهم  وتسمى هذه العملية “آلْمْقَلْبْ”  أي قلب الطين وخلطه بالماء الى أن تصبح العجينة لينة  حيت يتم تطلية الجدران بدقة بواسطة” الطلوش “تَمْلاَسْتْ” وتتجلى فائدة العملية في منع المياه من النفاذ إلى الداخل وتصاحب هذه العملية بعملية الزخرفة ونقش رموز وأشكال تعبر عن الهوية الأمازيغية                                    

طقوس البناء: إن عملية البناء في المجتمع الدادسي  كمجتمع تقليدي تبدأ بممارسة مجموعة من الطقوس تكون موازية لعملية البناء ومن بينها إقامة وليمة جماعية قبل  البدء في البناء وطقس الدبائح هي عادة متوارتة أبا عن جد إذ أنه في غالب الأحيان يثم دبح تلاثة دبائح حسب إستطاعة صاحب القصبة وكل شاة توازي مرحلة معينة من البناء ، فالأولى تقام قبل الشروع في البناء وتسمى  “تِغْرْسِي نْ أَيْتْ أُودْغَارْ” أي دبيحة أصحاب المكان ثم يتم رش المكان بالملح ويقوم “ْلمْعَلْمْ ” بدبحها إيمانا منهم أن تكون البركة على يده عند البناء، ويحضى برأس الدبيحة  وجلدها.

 والدبيحة الثانية تثم عند عملية التسقيف أما الدبيحة الثالثة فهي تسمى محليا بـ “سْلَكْتْ ” ” أي الصدقة  وتقام عند الإنتهاء من العمل  ويصبح المنزل جاهزا بحضور جميع أفراد القبيلة، وكما هو معلوم فإن سكان واحة دادس يعتبرون الأرض مسكونة “َأمزدوغ نواكال “لهذا فهم يتخدون  جميع  الإحتياطات اللازمة لعدم إختلاطهم بالجن  كما يقوم رب البيت بوضع قدح أسود اللون في إحد الجدران  العالية للبناية  لدرء العين إعتقادا منه أنه يقي المنزل من عين الحسد.                    

 نموذج القصبات بدادس: تعد القصبات إحدى أهم أشكال البناء المعماري التقليدي الذي ميز منطقة الجنوب الشرقي المغربي وهي إحدى  أشكال التراث الأمازيغي المحلي الذي  إستطاع الصمود أمام تأتيراث المجال ونظرا لإنتشار هذا النوع من المعمار التاريخي أطلق على الجنوب الشرقي” طريق الألف قصبة ” وتعرف القصبة في اللغة الأمازيغية “بِتِيغْرْمَتْ ”  وهو تصغير” لِإغْرْمْ”أي القصر وتتخد القصبة شكلا مربعا  ولها أبراج في زواياها الأربعة  وتتكون القصبة من عدة طبقات قد تصل إلى أربعة أو أكثر حيث يخصص الطابق السفلي للدواب في الغالب و الطوابق الأخرى للسكن وتتميز أبراج القصبة بإرتفاع نسبي من أجل الحراسة، وقد إرتبط تشيد هذا  المعمار بالظروف التاريخية التي عرفتها المنطقة  ومنها ما إرتبط بـ فترة التغلغل الإستعماري.

قصبة محداش : تقع هذه القصبة ” بإغرم ملولن بأيت موتد بومالن دادس ” ويعود بنائها التقريبي إلى سنة 1939 وهي من بين أنماط البناء  الطيني المتجدر بحوض دادس وقد بناها القائد محداش أحد خدام الإستعمار. 

 construction-boumalen-dades-6

قصبة العيساوي سعيد   : توجد بمجال بومالن دادس  “بأيت بومان ” وتعتبر من بين أجمل القصبات بهذا المجال والتي يعود بنائها إلى سنة1923.                                                                            

مميزات البناء بالتراب:

يتميز البناء بالتراب بمجموعة من الخصائص الإيجابية ونذكر منها:

- توفر التراب على مواد مساعدة على الدفئ في فصل الشتاء والرطوبة  صيفا ،  خصوصا وأن المنطقة تعرف بقساوة المناخ .

- يتميز هذا النوع من البناء بالقوة والمتانة ، خصوصا إذا رُكز بطريقة جيدة فقد يعمر قرون عديدة ، بالرغم من طبيعة الطين الهشة والمتحللة بسرعة .

- كونه يشكل لنا معالم تاريخية حضارية متميزة وغاية في الروعة في الجنوب الشرقي المغربي .

- إستعمال أدوات محلية غير مكلفة .

-  توفره على تهوية طبيعية وصحية جراء تعدد النوافد الصغيرة والعالية .

 construction-boumalen-dades-7

نخلص في النهاية الى أن البناء الطين كان خاصية حضارية وثقافية رصعت صدر الواحات بالجنوب الشرقي والمتجسد في المعمار الذي أصبح اليوم يحن إلى عودة الزمن الجميل زمن إنسجم فيه الإبداع والفكر الإنساني مع المجال فأفرز لنا لوحة فنية طبيعية تعكس مقدار تشبث الإنسان الأمازيغي بالأرض وإيمانا منا – أبناء المنطقة – بضرورة إيصال ما تتخبط فيه هذه الوحات من الإكتساح الإسمنتي  وعدم الإهتمام  بهدا المعمار التراثي والهوياتي فإننا نستنكر غياب أي برامج  من الوزارة الوصية من أجل إنقاد  وترميم وصيانة هذه الذاكرة الحية ونوجه لها النداء لإنقاذ هذا الموروث الحضاري و الهوياتي . 

لمشاهدة نموذج للقصبات بأسيف ندادس

من إنجاز الطالب :موجان عبد الناصر

Moujanne Abdennacer

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>

Current ye@r *

إلى الأعلى