الرئيسية | مقالات - عمود زاكورة بريس | الصداقة المثالية بين ” الوجود و العدم”‎
الصداقة المثالية بين ” الوجود و العدم”‎

الصداقة المثالية بين ” الوجود و العدم”‎

صورة مضمّنة 1مخطئ من يعتقد أن الصداقة مهما اعتبرها “مثالية” تخلوا من المناوشات و من سوء الفهم، فالإنسان كتلة من العواطف و المشاعر التي تطير به كالطيور بين السحاب فرحا، أو تنهار به انهيار الطبيعة لغضبها لكلمة، نظرة،أو فعل مهما بدا بسيطا.

 محمد نيت سيدي يوسف

محمد نيت سيدي يوسف

   إن الانسان سجين قوى خفية تتحكم فيه، و تقود سفينة حياته، و هذه الاخيرة معرضة في أية لحظة الى زوابع ، أمواج قد تغير مجرى مراكبه ، نتحدث عن المثيرات الخارجية  التي لا يعرفها إلا من مر بها أو صادفها في مسيرته الحياتية.
إن هذه المسألة -مهما بدت بسيطة و تافهة- لا تخلو من  نصيبها من الاهمية ، و هو ما يعطيها الشرعية التامة لاستفزاز بعض جوانبها بهدف اعتصار مجموعة من الأسئلة :
أهناك فعلا صداقة دون مشاحنات بين الطرفين ؟
ألا تعتبر هذه الأخيرة -إن كانت فعلا موجودة – حجاب يعري واقع مجموعة من الأشياء لدى كلا الطرفين؟
ألا ينتج عن ذلك إذن توطيد العلاقة أكثر من وضع حد لها ؟
و في الأخير ما هي مقومات نجاح أية علاقة مهما كانت؟
ليس من الغريب أن يتمسك كل طرف بصدق رأيه ، بل من الطبيعي جدا أن يلعب دور المظلوم متنكرا بذلك لقناع الظالم مادام يملك من الحجج و الأدلة ما يجعله مقتنعا برأيه حتى النخاع ،و ناظرا للآخر كأنه جلاد لا يعرف سوى -لغة السوط – المتمثلة هنا في الأحكام المسبقة ، و الخطير في الأمر اتخاذ قرارات في ظل هذا الجو المشحون بالانفعال ، رافضا ان يعطي للطرف الآخر و لو الوقت الكافي للتفكير و مناقشة الأمر ، بل جاعلا إياه يطلب الانسحاب بعد أن اغلق في وجهه كل محاولات التفاهم.
إن انطلاقنا من التجربة الذاتية للمسألة ليس بهدف الاستعراض العضلي للذات ، تبرير أشياء قامت بفعلها ، أو إظهارها إما في قناع الظالم أو المظلوم ، بل بالأحرى الانطلاق من مثال حي يكون براهين دامغة لصدق ما نقول . لا يمكننا الحديث عن صداقة بين طرفين مهما كان نوعها أن تخلو من هذه الأزمات مادام هناك مثيرات خارجية تختبر أعصابنا، و مادام كل واحد منا (أكثرنا) ينظر إلى مصالحه الشخصية أكثر في علاقته مع الآخر ؛ لكن ماذا إذا كان هناك من يفقد أصدقاءه في الوقت الذي كان ساعيا فيه إلى مساعدتهم ، أو لقضاء إحدى حاجياتهم؟
من المنطقي أن نفترق للحظات، لساعات، بل إن اقتضى الأمر لأيام ؛ أقله لإعادة مراجعة تصرفاتنا و تحليلها مع ذواتنا  و بالتالي دراسة النتائج التي ستؤول إليها ؛ لكن هذا لا يعني _إن افترقنا_ أن نقطع العلاقات الانسانية بصفة نهائية ،لأن الانسان “كائن اجتماعي بطبعه”، أي أنه لا يستطيع العيش بمعزل عن الجماعة؛ و إلا سيكون بطريقة أو بأخرى عرضة للإقصاء الاجتماعي؛ أقله من الطرف الآخر و ربما أيضا من المحيط الأقرب إليه، فما بالك إن كان الطرفين تجمعهما رقعة واسعة داخل المحيط ، علاقات بيشخصية متداخلة فيما بينها و لاسيما اهتمامات مشتركة و متقاطعة فيما بينها .ليس من حقنا إذن أن ننكر وجود وسائل سلمية أو ظروف قد يمر منها أحد الأطراف ، تمهد لفتح نقاش و حوار جديدين باحتكامنا إلى القوة الخفية الثانية بعد العقل- ألا و هي القلب – الذي تحفزه الذاكرة لسرد و تذكر ماض مشترك بين الطرفين .
إن هكذا صراعات من حين لآخر- شريطة ألا تكون مصطنعة –  هي لعمري مدرسة كلها تجارب : أولا تعري الواقع عن مشاكل الطرفين و تختبر مدى تحملهما لسلوكيات ،  تصرفات بل و ألفاظ الطرفين فيما بينهما، بل و تظهر الوجه الآخر لكل طرف في العلاقة و كذا مواقفه الشخصية ، و بهذا تساهم في خلق أرضية خصبة لتوطيد العلاقة بينهما إذا وفر المحيط الأجواء المساعدة على ذلك ،و تعلم أيضا دروس و تعطي عبر بهدف الاقتداء بها مستقبلا كتفادي اتخاذ قرارات بيمصيرية في حالات الانفعال، و كذا مراعاة مشاعر الطرفين لكليهما و تفهم الظروف الممهدة لهكذا مناوشات ، تبني الصراحة و الوضوح في علاقتنا مع الطرف الآخر ثم التجاوز المتبادل لأخطاء كليهما ، و أخيرا الالتماس المتبادل للأعذار بينهما.
باختصار ، فالعلاقات الانسانية لا يحكمها العقل فقط ، بل واهم من يدعي ذلك ؛ فهي لا تخلو من فترات أزمة تحيل حلاوة الحياة مرارة ، لكنها تعطيها طعما جميلا بتكسير الجمود داخلها ، و إلا فما معنى أن نعيش وفق نمط جامد لا يعرف الحركية و الدينامية؛ التقدم تارة و السقوط طورا، ثم النهوض و الاستمرار بعد ذلك ؛ إذا لم تكن حياتنا ” مختبرا ”  نخرج منه بنتائج بعد القيام بتجارب تكون فيها الأولى  – أي النتائج – المثل أو الطريق الذي سنكمل عليه المشوار أو المسيرة الحياتية فهي أصلا ليست بحياة ، فالعلاقة أولا هي تفاهم ، إن انعدام التفاهم بكل معانيه في أية علاقة لا يمكنها أن تستمر مهما امتلك طرفيها من “الكمال” ما يضرب به المثل ، فأن تكون “صديقي أو حبيبي” يعني أن تكون أولا و بالضرورة نسخة تقريبية لاهتماماتي و أفكاري ، و العكس صحيح بالنسبة لي تجاهك ،أقول نسخة تقريبية لأن القليل من الاختلاف داخل العلاقة يخلق نوع من التمايز و بالتالي خلق أرضية خصبة لثنائية التأثير و التأثر؛ هذه هي إذن “المعادلة الرياضية” لنجاح أية علاقة مهما كان نوعها .

6 تعليقات

  1. أحسنتم ، فالصداقة فن قبل أن تكون مجرد علاقة

  2. إحسان آل-بنعيشي

    علاقة التأثير و التأثر في العلاقات الإنسانية بشكل عام، يمكن إدراجها ضمن خانة التكامل بين الطرفين المعنيين و ليس ضمن خانة السيطرة و الاستعباد. فلا يمكن إيجاد علاقة على أرضية الواقع خالية من لحظات الاهتزازات و الارتجاجات، لحظات يخلو فيها احد الطرفين بنفسه نائيا و رافضا العالم و ما حوله نظرا لما يعيشه من تناقضات ذاتية مع ذاته و مع العالم الخارجي، و إلا لكنا نتحدث الآن عن علاقة مصطنعة يشوبها الكذب، يحاول فيها احد الطرفين أن يقنع الطرف الأخر بمثاليته و انه بذلك شبيه المدينة الفاضلة معلنا بتصرفاته الزائفة الخاضعة للآخر المسيطر انه كشخص موجود لا يكمن فيه أي عيب أو شيب و هذا زيف و تمثيل، إذ إننا في هذه اللحظة أي في هذه النقطة بالذات لا نتحدث عن علاقة بين كائنين مختلفين اختلافا جليا: إما شكلا –أي اختلاف جنس الطرفين- أو مضمونا-أي جوهر الشخصية: الهوية التي تجعل كل واحد منا مختلف و متميز- بقدر ما نتحدث عن تمثيلية متقنة الفصول و الأدوار يكون أبطالها أناس يتقنون اللعب على أوتار عقول مفكرة متعبة و قلوب مبعثرة.
    و منه نخلص إلى أن كل علاقة تجمع شخصين تعني تعرضهما بالضرورة لأوقات خلل و شلل توقف نبضات العلاقة و لو مؤقتا. تجبرنا –باعتبارنا كائنا بشريا مفكرا-على التوقف عند أبواب النقص و الكمال لدى كل طرف على حدا و تحليل مدى قوة هذه العلاقة و ضعفها، و إذا ما كان احد الطرفين قادرا على حمل الراية البيضاء و الانسحاب عند أول مفترق طرق أو مدى تشبثه بواقعية هذه العلاقة التي لا يمكن إيقافها عند هذا الحد بل نتجاوزها إلى حد الاستفسار و المناقشة باعتبارها الخطوات الأساس لمعالجة الخلل من أصله و ذلك بتصحيح المفاهيم و المغاليق المترسبة لدى الطرفين و من خلالها نصل إلى قاعدة التفاهم التي تفضي إلى تقبل الأخر باختلافاته و تناقضاته؛ وليس التسرع بإغلاق ملف هذه العلاقة و رميه في أرشيف الذاكرة المنسية باعتباره شيء ولى و مضى و إنما رسم حدود جديدة لوطن جديد يمكننا تعميره بما نشاء من لحظات مستقبل سيوحد فينا مشاعر الصدق و الصداقة.

  3. Mohamed NAIT SIDI YOUSSEF

    مشكورين جدا على تفاعلكم مع الموضوع

  4. تحياتي ومحبتي

  5. mohamed nait sidi youssef

    3alyan jidan Mr ysf

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>

Current ye@r *

إلى الأعلى