نبأ إِبْنَيْ آدم دلالات القصة

0 301

يقول الأستاذ جودت سعيد:

“القصد من هذا أن تتحمل الآلام من أجل مبدئك لا أن تفرض مبدأك بالآلام على الآخرين”.                                                                                                                                                         مذهب ابن آدام الأول. ص93.

      ان المتأمل في عالم اليوم ليقف مندهشا كل الاندهاش وحائرا كل الحيرة عن مصير الانسانية التي تظن أنها تجاوزت العقلية العضلية وفكرة القوة التي تزامنت مند زمن مع العقل الاستعماريالاستقوائي الذي كان ابن ادم الاول الرمز الاساس والفكر الواضع لفكرة القوة المستحودة أجل وأعظم  من قوة الافكار التي لا مجال لدوي العقول الصغيرة والمتوسطة مجالا للخوض والعيش فيه .من هذه الزاوية المثيرة للجدل يمكن استجلاء البعد المخفي من الايات التالية:

 

وأتل عليهم نبأ ابني آدم بالحق إذ قربا قربانا فتقبل من أحدهما ولم يتقبل من الآخر”.المائدة.

   لما هبط آدم إلى الأرض كان له ولدان هابيل وقابيل ويسمى قابيل “قاين” أيضا، فقرب كل من هابيل وقابيل قربانا، وكان قربان هابيل خيرا من قربان قابيل، فتقبل قربان هابيل ولم يتقبل قربان قابيل، فحسده على ذلك وقتل قابيل هابيل.[1]

ورد هذا النبأ القرآني دون ذكر لزمان ولا مكان ،ولا تحديد لأطراف القصة بالذات، المهم أنهما ابني آدم “كلكم من آدم وآدم من تراب”[2]، على الرغم من ورود روايات متعددة الآراء والأقاويل ومنها ما ذكرناه آنفا –وتجدر الإشارة إلى أننا لسنا هنا بصدد دراسة مدى صحة الروايات إلا أن الذي يهم هو أن ابني آدم هما قبيل وهابيل.

إن ابني آدم هذين كانا في موقف عبادة ووقوف بين يدي الله عز وجل، لأن القربان المذكور في النبأ ذو معنى ديني خالص،[3] والقربان هو ما يتقرب به العبد إلى ربه.[4]

وقد عرف تاريخيا عند الأمم السالفة أن القربان يقدم إلى الطبيعة لإتقاء شرورها أو لنيل رضا الله كالنار والأنهار “الذين قالوا إن الله عهد إلينا ألا نومن لرسول حتى يأتينا بقربان تأكله النار، قل قد جاءكم رسل من قبلي بالبينات وبالذي قلتم”[5]، فالقربان إذن عمل تقربي لصاحبه إلى الباري تعالى، قدماه بشكل ما وجاء ثوابهما.

وجزاء قربانهما إنه تقبل من أحدهما ولم يتقبل من الآخر، تقبل من هابيل فنال النجاح والفوز والنصر والمجد، فجاءت النتيجة ونال الرضا وقبلت هديته، إنه أمر عظيم يعظم معه الإنسان ويفتخر وقد يترفع ويعلو عمن حوله.[6] أماقابيل فلم يتقبل قربانه ولم ينل الرضا والاستحسان المقبول مما قدمه لذا نال نتيجة عمله الناقص والمقدم بطريقة غير مستساغة ولا مرضية .لأن النتائج الحسنة تكون يالعمل الجيد والعكس صحيح بقدر رداءة العمل بقدر الفشل الذي يناله صاحبه ؛فالفاشل ينال فشله لعدم اعطاء الأعمال  ما تستحق من الاهتمام والصيانة حتى توصل الى الهدف المنشود والغاية المرجوة . أما الفائز الذي قال سرا في عمله وقال سنة أكيدة بالاثقان والجودة اللذان  يليقان بالانسان  الواعي المدرك لفلسفة الوجود الانساني هو  من دواعي الفوز والقبول به وبعمله.

وحينما صد عمل قابيل  وثم رفضه البتة ، تحركت احاسيسه وتيقضت أنانيته وتهيجت عواطفه وأمتلئ حقدا وكراهية، وتقوت فكرته العضلية ،وانكمشت عضلاته الفكرية ، وغابت عنده البصيرة  وصور له الفوز مثمثلا في القضاء على أخيه بالقتل والنحي من الحياة فما كان جوابه إلا قوله التجشم والفاقد لأي لياقة انسانية :

لأقتلنك:المائدة

 بأي سبب؟ وما الداعي؟  وهل تمت ما يدفع بالاخوين الى هذه العوالم ؟ فقط  يا أخي وابن أمي لأن قربانك تقبل ونال الرضا وقرباني لم يتقبل بل ثم لفظه، فالشعور بالفشل وعدم القدرة على المنافسة مولد للكراهية والحسد الأعمى الذي جعل الأنا القابيلي يلغي الأنا الهابيلي بالقتل.[7]

تقول سحر أبو حرب: “أرجوك إني أصرح بالقتل لا أعنيه… 

تعالى وضمني وأذهب غيظي…

أريد منك الشفقة والمحبة والتعاون …

ضمني إليك أحمني من نفسي …

أنا لم التفت حولي لمزيد من البحث لكني أراك أمامي ناجحا فأتوجه إليك مهددا لا تخف أنا لن أقتلك أنا لن أوديك أبدا فأنا جاهل عاجز وجهلي وعجزي هما سبب غضبي.[8]

إنها سلسلة شطحات، تعاملت مع النص القرآني كأنه أنزل عليها، تعتبر التهديد استنجادا، إنها رؤية جديدة للنص، فتحت أبوابا جديدة لتساؤلات جديدة، إذا كان لأقتلنك استنجادا، فلماذا لم يستجب أخوه فعلا بالنصح والتوجيه؟ أليس حريا به أن يأخذ بيده؟ فلماذا أجاب بقوله: “إنما يتقبل الله من المتقين“؟ والرسول صلى الله عليه وسلم يقول: “لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه”،[9] ربما لو كان الأمر كما قالت سحر أبو حرب لانتقص إيمان هابيل أيضا، لو كان كذلك ما تقبل قربانه أيضا.

ولكن الخوض في هذه التساؤلات الغيبية قد يقحمنا في مجال لا مخرج منه ويدخلنا إلى الصراعات الكلامية التي شهدتها الأمة في مطلعها، لذا فإننا سنقتصر في هذه الآية على استجلاء معانيها على مستوى مختلف القراءات المعرفية لها بالرواية والدراية حتى نبين حقيقة فكرة اللاعنف القرآنية.

“إنما يتقبل الله من المتقين“.المائدة

كأنه تعريض لطيف بالأخ المنهزم ولا يصرح له بما يخدشه ويستثيره[10]  فهو هنا يلمح بأمر التقوى واليقين بالله عز وجل بلباقة المتيقن من رحمة الرب جل وعلا غير أن الأستاذة سحر رأت منه جوابا استفزازيا يملأ الفرد إعجابا وفخرا في الوقت الذي عبر عنه الإمام الشعراوي من جانب تفسيري أخر بقوله على لسان هابيل “فما دخلي أنا بهذه العملية الدخل في العملية للقابل للقربان فأنا ليس لي دخل فيها وربنا لم  يتقبله لأن الله لا يتقبل إلا من المتقين، وهو يعلم أنك لست بمتق”[11]،وهو ما يعني تبرئة الذات مما يجري وجعل العلاقة تدور بين الرب وقابيل وهو ما يميل إليه الظن، لأن الأخ المتقي الفائز يكسر شوكة الشر من أخيه بقوله جوابا على التهديد:

“”لئن بسطت إلي يدك لتقتلني ما أنا بباسط يدي إليك لأقتلك” المائدة

هذا الجواب قد يطرح فكرا آخر يخالف ما تراه الأستاذة سحر، لأن خلق الإيمان والتقوى لن يترك هابيل يتجه نحو ما اتهمته به الأستاذة، فالآية هذه رسم لنموذج من الوداعة والسلام والتقوى في أشد المواقف إستجاشة للضمير الإنساني.[12] ولقد كان في هذا القول اللين ما يفتأ الحقد ويسكن الشر ويمسح على الأعصاب المهتاجة، إنها حالة تغلب الإنسانية على البشرية وهي تغلب الشعور الإنساني عنده على غريزة البقاء، وغريزة التملك فوصل إلى موقف اللامعقول (التضحية)، إنه لن يتم الوصول إلى هذا الموقف إلا بناء على سر ما، سر عقيدة شمولية للحياة والكون والإنسان مبنية بكل أسسها على المعقول[13] إنها حالة امتلاك العقول الكبيرة[14] والإنفتاح نحو الصراط المستقيم الذي فيه يخشع القلب مخافة الله.

إني أخاف الله رب العالمين“.

لأن تقواي وإيماني بقدر الله جعلني أجل وأخاف منه حتى من مقابلة سيفك بسيفي، إنها شمولية حقة لمعرفة فطرية عميقة لما فطر الله المؤمنين عليها بإلقاء الثوب على الوجه يبوء القاتل بإثمه وإثم المقتول[15]كما جاء في الإنجيل: “من لطمك على خدك الأيسر فحول له الأخر أيضا ومن أراد أن يخاصمك ويأخذ ثوبك فأترك له الرداء … أحبوا أعدائكم … أحسنوا إلى مبغضكم صلوا لأجل الذين يسيئون إليكم”،[16] ولقد كان في هذا القول الإنجيلي ما يفتأ الحقد ويهدئ الحسد ويسكن الشر، أجل كان كله كذلك، لكن رحمة الأخ الصالح لم يكفه ذلك بل أضاف إليه نذيرا ومحذرا:

إني أريد أن تبوء بإتمي وإثمك فتكون من أصحاب النار وذلك جزاء الظالمين“.

تقول الأستاذة أبو حرب متبعة منهجها الخاص في تحليل الآية على لسان القاتل: إن لهجتك في الحوار ترتفع وتعلو أكثر أنك تقترب من نقاط الخطر إنك تريد أن أبوء بإثمك.

أي إثم ارتكبت أنت حتى أبوء أنا به …

مالفعلة التي قمت بها كي أبوء بها حاملا إياها؟ …

أنا أستمع إليك يا أخي وأنت تتلاعب بألفاظك معي فساعة تخاف الله، وساعة تريد مني أن أحمل كل الآثام وأمضي بها وساعة قادمة تجعلني في النار …

إنك تبعد الثقة بيني وبينك”.[17]

تساؤلات متشعبة في أعماق الحديث تصيغه أحيانا على خلاف المعتاد عند جودت سعيد وأمثاله من المفسرين للآية، تحمل المقتول مسؤولية القتل الذي تعرض له، وتبرئ ذمة القاتل، لأنه التعيس الحقير الذي وصل به الأمر إلى عدم القدرة على الحركة، يستنجد بأخيه ويطلب منه التوقف عن اتهامه، خلاف ما ذهب إليه المفسرون من وعظه وإرشاده وتحذيره إياه، إنه يستعمل القتل ليس رغبة في القتل بل استنجادا فقط، متناسية أن فوز هابيل آت من توافقه مع الفطرة التي تزيل عنه ما تراه فيه، فالعذاب المذكور إنما هو تنبيه عن عواقبه فيما يتلفظ به فعرض له وزر القتل لينفره من التفكير فيه ويزين له الخلاص من الإثم المضاعف بالقتل “من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في اللأرض فكأنما قتل الناس جميعا”[18]، وعدم الرضا بحكم الله، وإثبات تهمة الملائكة بسفك الدماء، ويحق بذلك جزاء الظالمين تربية للوقوف أمام سعارات الظلم من الظالمين.[19]

فالنموذج الشرير الذي تغلبت عليه الأنا البشرية لا تكتمل صورته حتى نعلم كيف كانت استجابته للإنذارات الموجهة إليه.

فطوعت له نفسه قتل أخيه فقتله فأصبح من الخاسرين“.المائدة

بعد كل ما مر من العضة والتحذير اندفعت النفس الشريرة فأوقعت الجريمة وسفكت الدماء، لكن هل حذره حقيقة كما تقول أبو حرب: “لو ساعده أخوه وأنقده ما كان ليقتله، ما كان له.

 أن يراكم العذاب فوق القهر بالذل واليأس[20] حتى اكتملت له شروط الإعتداء ف