المجلس الوطني للصحافة… بين رهان الإصلاح واختبار المصداقية
المجلس الوطني للصحافة… بين رهان الإصلاح واختبار المصداقية
أعاد المقال المعنون “المجلس الوطني للصحافة.. الذي نريد” فتح النقاش حول مستقبل التنظيم الذاتي لمهنة الصحافة بالمغرب، وحول الدور الذي ينتظر المجلس الوطني للصحافة في مرحلته المقبلة، بعد دخول القانون رقم 09.26 حيز التنفيذ. وهو نقاش مشروع، بل ضروري، بالنظر إلى أهمية المؤسسة في تنظيم المهنة، وحماية أخلاقياتها، والدفاع عن حرية الصحافة واستقلاليتها.
غير أن الرهان الحقيقي لا يكمن في الإشادة بالقانون أو انتقاده، وإنما في كيفية تنزيله على أرض الواقع. فالتجارب المؤسساتية لا تُقاس بجودة النصوص وحدها، وإنما بقدرتها على تحقيق الأهداف التي وُضعت من أجلها. ولذلك فإن المجلس المقبل سيكون أمام مسؤولية تاريخية لإعادة بناء الثقة بين الصحافيين والناشرين والرأي العام، وهي ثقة تأثرت خلال السنوات الماضية بفعل اختلاف التقييمات بشأن أداء المجلس السابق، وبفعل التحولات التي يعرفها القطاع.
لقد عرفت الصحافة المغربية خلال العقد الأخير تغيرات عميقة، سواء على مستوى النموذج الاقتصادي للمقاولات الإعلامية، أو على مستوى التحول الرقمي، أو من حيث المنافسة المتزايدة مع منصات التواصل الاجتماعي. كما أصبحت المؤسسات الصحفية مطالبة بالاستثمار في الجودة، والتكوين، والابتكار، ومواجهة الأخبار الزائفة، والحفاظ في الوقت نفسه على استقلاليتها التحريرية واستقرارها المالي.
وفي هذا السياق، فإن المجلس الوطني للصحافة مطالب بأن يكون فضاءً جامعاً لكل مكونات المهنة، لا مجالاً لتغليب فئة على أخرى، ولا ساحة للصراعات المهنية أو الشخصية. فنجاح المجلس رهين بقدرته على تطبيق القانون على الجميع بمساواة، وضمان استقلالية قراراته، والاحتكام إلى معايير مهنية واضحة في كل الملفات التي تدخل ضمن اختصاصاته.
كما أن مبدأ الشفافية، الذي يشكل أحد أهم المطالب داخل القطاع، ينبغي أن يتحول إلى ممارسة مؤسساتية دائمة. فالشفافية لا تعني فقط نشر المعلومات التي يسمح القانون بنشرها، بل تعني أيضاً وضوح المساطر، وتعليل القرارات، وإتاحة المعطيات التي تهم المهنيين والرأي العام، بما يعزز الثقة في المؤسسة ويكرس مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة.
ومن جهة أخرى، فإن إصلاح قطاع الصحافة لا يمكن أن يُختزل في المجلس الوطني وحده. فالمسؤولية مشتركة بين الدولة، والمؤسسات الإعلامية، والتنظيمات المهنية، والصحافيين، والناشرين، ومؤسسات التكوين، بل وحتى الجمهور الذي أصبح شريكاً أساسياً في البيئة الإعلامية الرقمية. ولذلك فإن أي إصلاح حقيقي يحتاج إلى رؤية متكاملة تأخذ بعين الاعتبار الجوانب القانونية والاقتصادية والمهنية والأخلاقية.
إن النقاش حول الدعم العمومي للمقاولات الصحفية يظل بدوره من الملفات التي تستحق معالجة هادئة وموضوعية. فالدعم، في جوهره، ليس غاية في حد ذاته، وإنما وسيلة للحفاظ على التعددية الإعلامية، وتشجيع الاستثمار في الجودة، ودعم المقاولات التي تحترم القانون وتوفر شروط العمل اللائق للعاملين بها. ومن ثم، فإن نجاح أي سياسة للدعم يقتضي وجود معايير واضحة وشفافة، وآليات للتقييم والمراقبة، بما يضمن حسن تدبير المال العام ويحقق الأهداف التي رُصد من أجلها.
وفي المقابل، فإن المرحلة المقبلة تفرض تجاوز منطق الاستقطاب والانقسام داخل الوسط الإعلامي. فالصحافة المغربية تواجه تحديات أكبر من الخلافات الشخصية أو التنظيمية، من بينها تراجع الموارد المالية التقليدية، وتغير عادات استهلاك الأخبار، والمنافسة الرقمية، وضرورة مواكبة التطورات التكنولوجية، وفي مقدمتها الذكاء الاصطناعي وتأثيره على إنتاج المحتوى الإعلامي.
كما أن استعداد المغرب لاحتضان تظاهرات دولية كبرى، وفي مقدمتها كأس العالم 2030، يجعل من الضروري امتلاك قطاع إعلامي قوي، قادر على نقل صورة احترافية عن المملكة، ومواكبة هذه الاستحقاقات وفق أعلى المعايير المهنية، وهو ما يضع على عاتق المجلس الوطني المقبل مسؤوليات إضافية في تأطير المهنة وتعزيز مصداقيتها.
إن نجاح المجلس الوطني للصحافة لن يقاس بعدد البلاغات التي يصدرها، ولا بحجم النقاشات التي ترافق ميلاده، وإنما بمدى احترامه لاستقلاليته، وقدرته على تطبيق القانون بعدالة، والدفاع عن أخلاقيات المهنة، وصون حرية الصحافة، وخدمة جميع المهنيين دون تمييز.
ويبقى الأمل معقوداً على أن تكون المرحلة المقبلة بداية جديدة لقطاع الإعلام بالمغرب، قوامها الحوار، والشفافية، والكفاءة، والالتزام بأخلاقيات المهنة، بعيداً عن كل أشكال التجاذب، حتى يظل المجلس الوطني للصحافة مؤسسة للتنظيم الذاتي، وحامياً للمهنة، وشريكاً في ترسيخ دولة الحق والقانون.