عبد الجليل لكريفة يوضح حقيقة رسوم التوقيت الميسر: مجانية التعليم الجامعي لم تُلغَ
أعاد الأستاذ عبد الجليل لكريفة، عميد كلية الآداب والعلوم الإنسانية بجامعة القاضي عياض بمراكش، طرح النقاش حول الرسوم المرتبطة بمتابعة الدراسة الجامعية بالنسبة إلى الموظفين والمستخدمين والأجراء، مقدماً توضيحات تروم، بحسب تصوره، تصحيح ما اعتبره فهماً غير دقيق لموضوع التكوين الأساسي وفق صيغة التوقيت الميسر.
وأوضح لكريفة أن الجدل الذي أثير حول هذه الرسوم تحول إلى ما وصفه بـ**«نقاش مزيف» حول مجانية التعليم العالي العمومي**، معتبراً أن الاستنتاج القائل بأن اعتماد الرسوم يعني التراجع عن مجانية التعليم يستند إلى قراءة تختزل موضوعاً أكثر تعقيداً.
وأكد عميد الكلية أن الطالب الذي يتابع تكوينه الأساسي في الجامعة العمومية وفق التوقيت العادي يواصل دراسته مجاناً، موضحاً أن الرسوم موضوع النقاش لا تتعلق بهذا المسار، وإنما بفئة أخرى توجد، حسب تعبيره، في وضعية مختلفة، ويتعلق الأمر بالأشخاص المندمجين أصلاً في الحياة المهنية والراغبين في العودة إلى الجامعة لمتابعة الدراسة بالتوازي مع عملهم.
لكريفة: كيف يمكن للموظف أن يكون في العمل والجامعة في الوقت نفسه؟
ويرى عبد الجليل لكريفة أن جوهر الإشكال يرتبط بالزمن، متسائلاً عن الكيفية التي يمكن بها لموظف أو أجير أن يجمع بين الالتزام بالحضور إلى مقر عمله والالتزام بالحضور إلى الجامعة خلال التوقيت نفسه.
وأوضح أن الموظف ملزم قانوناً ومهنياً بالحضور إلى مقر عمله خلال ساعات العمل، كما أن الطالب مطالب بالحضور إلى الجامعة والمشاركة في الدروس والأشغال التوجيهية والتأطيرية والأنشطة العلمية التي يفرضها التكوين.
وبالنسبة إلى لكريفة، فإن الجمع بين الأمرين خلال الفترة الزمنية نفسها يخلق تعارضاً واضحاً، لأن الشخص الواحد لا يمكنه أن يكون في مكانين في الوقت ذاته.
ومن هذا المنطلق، يربط عميد الكلية اعتماد التوقيت الميسر بالحاجة إلى إيجاد صيغة تسمح للموظفين والمستخدمين والأجراء باستكمال تكوينهم الجامعي دون أن يتعارض ذلك مع التزاماتهم المهنية.
التكوين مدى الحياة في صلب الفكرة
ويربط لكريفة هذه الصيغة بمفهوم التكوين مدى الحياة، موضحاً أن العودة إلى الجامعة بعد دخول سوق الشغل أصبحت حاجة بالنسبة إلى عدد من المهنيين الذين يرغبون في تطوير معارفهم أو مؤهلاتهم أو استكمال مسارهم الأكاديمي.
وبحسب هذا التصور، فإن الشخص الذي أصبح موظفاً أو أجيراً لا يفقد حقه في العودة إلى الجامعة، بل إن المطلوب هو توفير صيغة تمكنه من الدراسة دون أن يكون ذلك على حساب التزاماته المهنية.
ويرى لكريفة أن التوقيت الميسر جاء تحديداً لمعالجة هذا التعارض بين الزمن المهني والزمن الجامعي، من خلال تنظيم الدراسة في أوقات تسمح للمهني بالجمع بين العمل والتكوين.
لكريفة يستحضر تجربة التكوين المستمر
وفي تفسيره للخلفية التي تقف وراء هذا الخيار، يستحضر عميد كلية الآداب والعلوم الإنسانية تجربة التكوين المستمر التي اعتمدتها الجامعات لفائدة الموظفين والمستخدمين والأجراء.
ويشير إلى أن هذا النموذج كان يسمح للمهنيين بمتابعة الدراسة في أوقات تتلاءم مع ظروف عملهم، مقابل أداء رسوم، غير أن الإشكال، حسب لكريفة، كان يظهر في طبيعة الشهادة التي يحصل عليها المستفيد في نهاية التكوين.
فالشخص قد يؤدي الرسوم، ويتابع الدراسة، ويجتاز الامتحانات، وينجز البحوث، ثم يحصل على شهادة تحمل اسم الجامعة، قبل أن يكتشف عند محاولة استعمالها أن شهادة التكوين المستمر لا تتمتع بالضرورة بصفة الشهادة الوطنية ولا تنتج الآثار القانونية والأكاديمية نفسها.
ويعتبر لكريفة أن هذه الوضعية كانت تستدعي معالجة واضحة، حتى يعرف الطالب منذ لحظة التسجيل طبيعة التكوين الذي سيتابعه وطبيعة الشهادة التي سيحصل عليها.
«الموظف كان يؤدي أصلاً»
ويركز عبد الجليل لكريفة كذلك على مسألة يعتبرها أساسية في فهم الجدل، وهي أن الأداء المالي ليس جديداً بالنسبة إلى الموظفين والمستخدمين والأجراء.
فقد كانت عروض عديدة للتكوين المستمر تتطلب أداء رسوم، وفي بعض الحالات كانت هذه الرسوم مهمة، وفق ما يوضحه العميد.
ولهذا، يرى لكريفة أن السؤال لا ينبغي أن يتوقف عند عبارة «لماذا يؤدي الموظف؟»، بل ينبغي أن يمتد إلى سؤال آخر أكثر أهمية: ماذا يحصل عليه مقابل هذا الأداء؟
ويضع هذا السؤال، حسب تصوره، الفرق بين نموذج سابق كان يقوم على تكوين مستمر مؤدى عنه وشهادة ذات طبيعة خاصة، وبين صيغة التكوين الأساسي وفق التوقيت الميسر التي تستهدف، عند استيفاء الشروط المطلوبة، تمكين المستفيد من شهادة وطنية.
مرونة في التوقيت وليست مرونة في المعايير
ويشدد عبد الجليل لكريفة على أن التوقيت الميسر لا ينبغي أن يفهم باعتباره تخفيفاً للمتطلبات الأكاديمية.
فالمرونة، وفق تصوره، ترتبط بتنظيم الزمن الجامعي بما يتلاءم مع الوضعية المهنية للطالب، ولا تعني بأي شكل من الأشكال التساهل في متطلبات التكوين.
ويعني ذلك أن الطالب المهني، بحسب هذا الطرح، يظل مطالباً بالاستجابة لمتطلبات الحضور والتأطير والتقييم والامتحانات والبحث العلمي، لأن قيمة الشهادة الوطنية تظل مرتبطة بمدى احترام شروطها الأكاديمية.
وبعبارة أكثر وضوحاً، فإن ما يتغير هو وقت الدراسة، وليس مستوى الدراسة أو قيمة الشهادة.
الدكتوراه يمكن أن تكون امتداداً للمسار المهني
ولا يحصر لكريفة فكرة التكوين مدى الحياة في الإجازة والماستر، بل يفتحها أيضاً على مستوى الدكتوراه والبحث العلمي.
فالموظف أو الإطار الذي يعود إلى الجامعة بعد سنوات من الممارسة المهنية يمكن أن يختار موضوعاً بحثياً مرتبطاً بالإشكالات التي تواجه الإدارة أو المؤسسة التي يعمل بها.
ويرى أن هذا النوع من التكوين يمكن أن يجعل الجامعة أكثر ارتباطاً بمحيطها المهني، وأن يحول البحث العلمي إلى أداة لإنتاج حلول ومعارف يمكن أن تستفيد منها المؤسسات والإدارات والمقاولات.
لكريفة: النقاش يجب أن يتجاوز اختزال الموضوع في الرسوم
ومن خلال مجمل هذه التوضيحات، يضع عبد الجليل لكريفة النقاش في إطار أوسع من مجرد مسألة الأداء المالي.
فبالنسبة إليه، لا يتعلق الأمر بإلغاء مجانية التعليم العالي العمومي، وإنما بتنظيم مسار خاص لفئة من الأشخاص أصبحت مندمجة في سوق الشغل وترغب في العودة إلى الجامعة.
ويؤكد في هذا السياق أن الطالب الذي يتابع تكوينه الأساسي بالتوقيت العادي يواصل الاستفادة من مجانية التعليم، بينما يخص التوقيت الميسر فئة لها التزامات مهنية تتطلب منها صيغة مختلفة لتنظيم الدراسة.
وهكذا، فإن جوهر رؤية عميد كلية الآداب والعلوم الإنسانية بجامعة القاضي عياض يقوم على التمييز بين مجانية التكوين الأساسي بالتوقيت العادي، وبين التكوين الميسر الموجه إلى المهنيين، مع التشديد على أن الهدف، في الحالتين، ينبغي أن يظل مرتبطاً بضمان جودة التكوين ومصداقية الشهادة الجامعية.
وبذلك، فإن الرسالة الأساسية التي يطرحها عبد الجليل لكريفة هي أن النقاش حول رسوم التوقيت الميسر لا ينبغي أن يُختزل في ثنائية «مجاني/مؤدى عنه»، بل ينبغي أن يأخذ بعين الاعتبار وضعية المستفيد، وطبيعة التكوين، وتوقيت الدراسة، وقيمة الشهادة، وحاجة المهني إلى مواصلة التعلم دون التخلي عن عمله.