الرئيسية | مقالات - عمود زاكورة بريس | تراثنا كنزنا المفقود
تراثنا كنزنا المفقود

تراثنا كنزنا المفقود

Zagora Press – لحسن أجلالي

طالب باحث في الفلسفة والتراث.

حينَ يَسمَعُ الواحدُ منَّا لفظةُ “التراث الشعبي” فإنهُ بدونِ شَك سوفَ يَنْقَدِحُ إلى دِهنِه ما يُمثِّـل به هذا التراث في مِخْيَالِهِ، فَمِنَّا مَن يَتصوّر حِليَّا تَقليديا، ومَن يَسْتحضر فُلكلورا، أو مَقطوعة شعرية، أو “العِيطة”، أو “المَلْحُون” أو أداةٍ من أدواتِ الزّينَة أو طَقْسا مِن الطُّقوس أو أو أو…هكذا فالإنسان – قبل كل شيء- ابن بيئته.
يَشمل “التراث الشعبي” عموما كل ما خلّفه الأجيالُ السّابقةُ في ميادينٍ مختلِفة؛ من وثائقَ ومخطوطات وآثار وزخارف ونقوش، وصناعات تقليدية، وحِلي، وملابس، وعادات، ورقصات، وغناء، وأقوال، وطقوس احتفالية (…) كل هذا يدخل في دائرة المسمى: “التراث الشعبي”. إنه واسعٌ وعميق جدا حتى كاد يَسْتعصِ على القبض، إنه غالبا ما يتم تقسيمه إلى قسمين: تراثٌ شعبي “مادي” وتراثٌ شعبي “لا مادي”، فالمقصود بالأولِ؛ كلُّ ما هو ملموس، أو بالأحرى؛ كلُّ ما له جسمٌ (البنايات التاريخية، الأثاث، الأواني، اللباس…). أما الشِّقُّ الثاني فهو جميع الأشياءِ “المجرّدة” (الأغاني، الأشعار، الألغاز، الألعاب الشعبية…). إن التراثَ إذن هو الذي يَعكسُ المستوَى الحضاري للشعوبِ، الشيء الذي يفرضُ ضرورةَ الحفاظ عليه وصَوْنِه من الاندِثَار والتّلف. إذن ما هي آليات وسبل الحفاظ على التراث؟
يجبُ أن يكونَ مِنَّا عَلَى بَالٍ بأنَّ تراثَنا المغربيُّ تراثٌ غني ومتنوعٌ، وذلك بسببِ المَوقع الجغرافي للبلاد (المغرب)، وكذا انفتاحه عبر التاريخِ، فقد كان المغربُ ولا يزال محطّة للتّلاقُحِ الحضَاري، وتَلاقُح التيّارات الأمازيغية والعربية والصحراوية داخليا، والإفريقية والأندلسية والأوربية خارجيا. الشيء الذي يجعلُ من تراثِنا غنيا وباعِثا على الاطمئنانِ والفخرِ. لقد أخْطأَ مَن اعتبرَ أن الماضيَّ مضَى، وفَاتَ وانقَضَي، بل يجبُ أن يكونَ مِنَّا علَى بالٍ بأنّنَا في حاجةٍ إلى الاغْتِرَافِ من مَنَاهِل الماضي الصَّافية، والإقتداء بما تَبَلْوَرَ فيه من إنجازاتٍ إنسانيةٍ حيةٍ، لأن ذلكَ سيُسَاهِمُ في تطورِ الحضارةِ ويَدفعُ بها إلى الأمامِ، نَعَم صحيحٌ أنّنا في زمنِ “التقنيةِ المعاصرةِ”، وأنّ العصرَ الذي نعيشُ فيه يفرِضُ علينَا أن ننتقلَ من مستوى حضَارِي معين إلى مستوى آخر يَتجاوزهُ، لكنّ هذا لا يَمنعُنا من العودةِ إلى الأصُولِ، فتَارة نُحلِّق في الآفاقِ، وتَارة نعودُ إلى الأعماقِ، وهذا ما سُمّيَ “البرَاكْسِيسْتْ”؛ أي الاحتفاظُ والتجاوز. فتاريخُ وحَضارةُ كل بلدٍ؛ همَا اللّذان يشهدانِ لهُ يوما بالبطولةِ. “اللّقِيطُ وحْدَهُ الذي لاَ يَملِكُ الأَصل”
غدا مِن المُؤَكّدِ أنّ التراثَ هو الذي يُنَمِّي إحساس كل الشُّعوب بهويّتها، فهو يُشكِّلُ –في تكاملهِ وتنوُّعهِ- الهُويّة الوطنيّة لأيِّ بلدٍ من البلدانِ. لَكِن –للأسفِ – صِرْنَا مُولَعِينَ بثقَافَةِ غَيْرِنَا، وصَارَ التراثُ الشعبي المغربي شَبيهُ مَا يَكون بذلك البيت الذي خَطَّ الزّمن على جُدرانِهِ شُقوقُ القِدَمِ، وَهَوَتْ سُقُوفُهُ، وخَرّتْ بَعض جوانبِهِ، جرَّاء الإهمَال وغيَاب التّرمِيم، هذا هو حَالُ تراثنا. لكِن لِمَن سَنُحَمِّل مسؤوليةَ مَا آلَ إليهِ الوَضعُ منْ تَدَهْورٍ وضياااااااع؟؟ إنّه – وبكل بساطة- للوزارة المَعنية. إذن لمّا كَان الأمرُ كَذلكَ، كانَ لِزَاما علَينَا –نَحنُ الباحثون في هذا المجالِ- أن يَكُون هَمّنا كبيرا وأنْ نَجد سَبِلا وَرَكَائزَ أخرَى تُساعدُنا في إحياءِ تراثنا والحفاظ عليه. وذلك بالوعي الشعبي؛ أي إيجاد مجتمع متطور و واعي بأهمية هذا التراث وضرورة حمايتهِ. والإسهام بأنشطتنا وندواتنا في عملية الصيّانة وإعادة الإحياء. لا سيّما التراث الشعبي في جانبه “اللامادي” الذي خلّه الأجداد للأحفاد عبرَ الرواية الشفوية، هذا الموروث المُهدد بالانقراضِ والتّلاشِي، إنْ لَمْ يكنْ قدْ ضَاعَ مِنهَ الكثير وأُتلِفَ. هذه العملية التي تتطلّب منّا عملية المَسح الميداني وحصر وتوثيق جميع السُّرود الشفهية التي لا تزال مُخزّنة في ذاكرة بعض الكنوز الحية البشرية. تبقى هذه هي الوسيلة الوحيدة التي تمكننا من تدوين التراث الشفهي المُخزّن في الذاكرة، فماذا لو ماتوا هؤلاء الكنوز الحية البشرية؟ وهل كل ما خلّفه الأجداد يعد تراثا يستحقّ الحفاظُ عليه والاحتفال به؟ خاصة ما يتعلق بالاحتفالات الموسمية التي تقام في بعض المناطق، وتقديم القربان “لبعض الموتى”؟؟؟؟؟؟؟؟؟

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>

Current ye@r *

إلى الأعلى