روح الاعاقة؛ الوضعية المركبة وسؤال المقاربة

1 105

       

ابراهيم بن احميد

مربي مختص في الاعاقة

 

 

 

وضعية  الإنسان المعاق ،بما تتصف به من تركيب وتعقيد، تطرح تساؤلات كثيرة ومختلفة على مستويات متعددة. الأمر الذي يقتضي منا استحضار ما يشكل قوام هذا التركيب والتعقيد الإنسانيين، كيف لا وموضوع حديثنا هو الإنسان بغض النظر عن محمولاته إعاقة  كانت أو غير ذلك. والملاحظ ان الاهتمام بالإنسان في وضعية إعاقة أصبح يتزايد كما ونوعا نظرا لوعي المجتمع باختلاف انتماءاته و توجهاته بضرورة إعادة الاعتبار لهذا الإنسان في كل مناحي حياته العامة. فبعد ان كان الكلام في وضعية الإعاقة والإنسان المعاق من الأمور غير المفكر والمستحيل التفكير فيها لدى الأسرة والمجتمع ،أصبحنا نلاحظ تغيرا نسبيا ايجابيا على مستوى التمثل الأسري والاجتماعي من خلاله  نرى نماذج تتجاوز الصور النمطية حول وضعية الإعاقة  التي تكرس بعدها السلبي والدوني . ويتزايد هذا الاهتمام أكثر بالإنسان    المعاق في مجال البحث العلمي في العلوم الإنسانية باختلاف مناهجها وتعدد موضوعاتها ، بل إن وضعية الإعاقة فرضت تدخل حقول معرفية أخرى تعنى بالإنسان ذاتا وموضوعا.              

         لا يبدو الحديث عن وضعية الإعاقة على غاية من اليسر، نظرا لكونها وضعية بنيوية مرتبطة بقضايا ووضعيات أخرى لا يمكن فهمها إلا من خلال فهم باقي عناصر هذه البنية ،إلا أن هذا لا يمنع من تقديم بعضا من بنات أفكارنا حول روح وضعية الإعاقة وسؤال المقاربة المركب والمعقد أحيانا ، مؤصلين  مرجعيا في  ذلك على جملة من المواقف والتجارب اليومية ونحن نشتغل ميدانيا وأكاديميا في مجال الإعاقة داخل وخارج المؤسسات التي تعنى تربويا واجتماعيا وطبيا وترفيهيا بوضعية الانسان المعاق عامة،( مركز محمد السادس للمعاقين وبعض الجمعيات العاملة في مجال الاعاقة في المغرب عامة ومراكش خاصة)، فضلا عن إيماننا ببعض المدخلات التعلمية والتربوية التي دونها سيكون الحديث والاهتمام بالإعاقة مجرد كلام. هذه المدخلات نقدمها بشكل دقيق وعميق على الصيغة الآتية:           

       إن وضعية الإنسان المعاق تقتضي استحضار البعد الإنساني المركب في كل مقاربة لهذه الوضعية ، وكل حديث عن أهمية مقاربة دون أخرى هو رأي وتوجه يجب  إعادة النظر فيه بكل موضوعية. وأن الإنسان عندنا خلق مركب، بل معقد أحيانا، لا يمكن اختزاله في بعد من أبعاده المتعددة والمختلفة، وهو الأمر الذي ينبغي أن تستحضره مختلف المقاربات والنظريات المختصة في علم الإنسان والانسان المعاق . كذلك نسجل أنه عادة ما نكرس وضعية الإعاقة  لدى الإنسان المعاق ونحن لا نرى فيه إلا جانب الإعاقة السلبي، أو التركيز في تعليمه وتربيته على مظاهر نقصه وعجزه. كما نذكر بضرورة إعادة النظر في بعض تمثلاث وأراء الباحثين والمختصين حول جدوى وأهمية بعض المقاربات أو المناهج دون أخرى ،فضلا عن التفكير في المعاق كذات إنسانية وليس فقط كموضوع للإعاقة ، بل والتفكير فيه إيجابا وليس سلبا.                                                                  

     الذي يهمنا ونحن نطرح سؤال روح الاعاقة تركيبيا و مقاربة  ،هو تقريب وتقديم  نموذج تكاملي يعنى بالإنسان المعاق وتجاوز النظرة الاختزالية للإعاقة . والمعلوم ان العلوم الإنسانية على مر التاريخ، وهي تهتم وتدرس وضعيات وحالات الإنسان، تسعى جاهدة الى إيجاد حلول بديلة  للمشاكل والعراقيل التي تحد من تطور وتقدم هذا الإنسان في كل مناحي الحياة الاجتماعية . ووضعية الإعاقة بدورها تطرح على الباحث في العلوم الإنسانية  تساؤلات كثيرة ان على المستوى اللغوي في إطار التحديد المفاهيمي او على مستوى طرق ومناهج تحليل الوضعية تعليميا وتربويا، فضلا عن أنواع المقاربات الاجتماعية منها والنفسية، الطبية والحقوقية ، بل حتى الاقتصادية والثقافية. وكما نعلم أيضا ان طبيعة الإنسان المركبة تفرض على الباحث في الإشكالات التي تطرحها  وضعية الإنسان المعاق أن يبلور مقاربته على نحو يراعي فيه هذا التركيب والتعقيد .                                                                            

        الملاحظ في الدراسات العلمية التي تعنى بوضعية الإعاقة ،على أهميتها، هو وجود وهيمنة الطابع الاختزالي منهجا وموضوعا، وهو مشكل تعاني منه العلوم الإنسانية وهي تتخصص على غرار مناهج العلوم التجريبية .ان الظاهرة الإنسانية غير الظاهرة الطبيعية حيث التعامل مع النفوس والعقول غير التعامل مع الأشياء و المادة ، وهو أمر على الباحث في الإنسان قبل الإعاقة ان يعيه بعمق. فالباحث الاجتماعي يقتصر على العوامل والمظاهر الاجتماعية التي تحيط بالإنسان المعاق تأثيرا وتأثرا بمنهج كمي أو نوعي عادة ما يلجأ فيه الى الوصف والتحليل غايته في ذلك تقديم إحصائيات وأرقام نسبية ترتبط بالمجال التداولي والسياق الزمني تتحكم فيها نوعية العينة المدروسة. صحيح أن الباحث و البحث الاجتماعي بعد مهم في رصد مختلف الظواهر المؤثرة اجتماعيا في وضعية الاعاقة ، الا أنه على الباحث أن لا يتمركز موضوعا ومنهجا  .                                    

         أيضا نجد الباحث  في علم النفس باختلاف فروعه ومناهجه يكتفي ويقتفي الآثار النفسية التي يعاني منها الإنسان المعاق نتيجة التمثلاث الاجتماعية من جهة والتمثلاث الفردية والأسرية من جهة أخرى. وهي تجربة شخصية لا يدركها الا الشخص المعاق والمتعايشين مع الإعاقة،إنها حالة نفسية تبتدئ من تلقي خبر الاعاقة غير المرغوب فيه وغير المتوقع عادة  وما يتبعه من صدمات  وعدم تقبل الوضعية الى حدود ما بعد الصدمة وأثارها على حياة الفرد وأسرته. كذلك يكتسي دور الاخصائي النفسي دورا مهما باعتباره من أبعاد الوضعية المركبة للانسان في وضعية اعاقة   من حيث الفهم والادراك لماهية الاعاقة درجة ونوعا ، دور يزداد أهمية كلما تعلق الامر بالاعاقات الذهنية . لكن الملاحظ أن الاخصائي النفسي في المغرب وهو يشتغل على الاعاقة لا يبرح مكانه ولا يفارق عيادته ، انه في برجه العاجي على غرار الفيلسوف الاول المتأمل في الكون والطبيعة . اننا نحتاج فعلا الى أخصائي نفسي ينطلق من واقع الاعاقة المعيش المتغير باستمرار بدل الاقتصار على معطيات قبلية وأفكار تأملية يصعب كثيرا تطبيقها باعتبار أغلبها مستوردة  من بيئة وواقع مختلفين تماما عن واقع الاعاقة بالمغرب .                                                 .                                                                                                             

         كذلك نرى  الباحث والمعالج الطبي  يقف في  حدود معالجة المشاكل العضوية ومظاهر النقص الحسي، معتمدا في ذلك على نتائج الاختبارات الطبية المخبرية ، ذلك من خلال تسخير العدة التقنية وآخر انتاجات العلم و التقنية الحديثين . ويبقى التوجه الطبي من الأولويات التي يتجه نحوها الإنسان في وضعية إعاقة إيمانا منه بنجاعة وسرعة تغيير هذه الوضعية، خاصة في المشاكل المرتبطة بالجانب العضوي. وتكمن أهمية دور  المقاربة الطبية أساسا  في الاعاقات الحسية الحركية باعتبارها اعاقات أكثر وضوحا و أقل تركيبا وتعقيدا بالمقارنة بالاعاقات الذهنية التي تتسم بالغموض والتعقيد. الا ان لجوء وولوج الخدمة الطبية يبقى رهين بالوضعية الاققتصادية  باعتبارها مكلفة  ماديا.                                                                                                          

        كما نجد الباحث الحقوقي في مجال الإعاقة ينظر الى وضعية  الإنسان المعاق من زاوية  مواثيق حقوق الإنسان، من خلال الترافع ضمانا لتفعيل هذه الحقوق .والمقاربة الحقوقية تنطلقا أساسا من مسلمة مفادها ضرورة إعادة الاعتبار للإنسان المعاق من خلال حقوقه كإنسان بغض النظر عن إعاقته وهو منطلق يضمن باقي الحقوق الاجتماعية والنفسية و الطبية منها والاقتصادية والتعليمية. فالانسان في وضعية اعاقة  لا تستقيم حالته الانسانية دون اعتباره بعد من أبعاد الحياة البشرية  يحتاج ويستحق أن نضمن حقه في العيش الكريم وصحة جيدة وتعليما ذو جودة .                        

       في حين عادة ما يقل الحديث عن المقاربة الأسرية باعتبارها الأرضية الأصلية التي يترعرع ويتربى فيها الإنسان في وضعية إعاقة ،بحيث يمكن القول انه لا يمكن  إعادة الاعتبار لهذا الإنسان دون إعادة الاعتبار لمحيطه الأسري ، والاعتبار هنا هو أن نتحمل جميعا أجزاء المسؤولية الأخلاقية والاجتماعية والاقتصادية والطبية …كيف لا ووضعية الإعاقة مكلفة ومقلقة على جمبع المستويات السابقة. ان دور الأسرة مهم للغاية ،فقد تكون  الأسرة عنصرا مساعدا في تقدم ونجاح طفلها في حالة تقبلها وقدرتها على وضعية العجز او النقص،كما تكون عنصرا عائقا في طريق التقدم والنجاح في حالة عدم التقبل والقدرة، فيصبح حديثنا عن الطفل في أسرة معاقة بدل في وضعية إعاقة.   صحيح أن دور المراكز والجمعيات مهم للغاية على الاقل من ناحية  البعد التربوي التعليمي وبعد التنشئة  والتفاعل الاجتماعيين ، الا أن دور الاسرة و خاصة التربية الوالدية يبقى أكثر أهمية باعتبار الطفل في وضعية اعاقة يقضي معظم وقته مع اسرته زمانا ومكانا . انه أمر يفرض التفكير في آليات اجرائية لادماج الاسرة في السياسات العامة التي تعنى بوضعية الاعاقة .                                             

       وقد اهتمت أيضا كثير من نظريات وبيداغوجيات التعلم  بوضعية الإنسان المعاق، خاصة في مرحلة الطفولة ،وهو اهتمام يشمل الجانب التعلمي والتربوي معا، من خلاله ننتقل من التربية العامة الى التربية الخاصة .ان الأساس النظري لنظريات التعلم الخاص له امتداد لنظريات التعلم العام، هذه الأخيرة التي تتأسس بدورها على الانتاجات العلمية للعلوم الإنسانية .وقد نتساءل عن ماهي الحدود الفاصلة بين التربية الخاصة والتربية العامة في العملية التعلمية التربوية تنظيرا وتطبيقا ؟الجواب هوان الأصل المشترك في التربية والتعليم موضوعا ومنهجا هو الإنسان ،يختلف الإنسان درجة عن الإنسان فيبقى نوعا إنسان، والإنسان في وضعية إعاقة لا يخرج عن هذا المبدأ.                             

                           تكتسي المقاربة التربوية التعلمية أهمية كبيرة بخصوص تمكين الإنسان في وضعية إعاقة من التكيف مع مختلف وضعيات ومتطلبات الحياة ،ذلك من خلال إكسابه مجموعة من المهارات والكفايات والأخلاق العامة .والمهتم بوضعية الإنسان  المعاق يفترض فيه معرفة بعضا من البيداغوجيات المختلفة التي تعنى بالفعل التعلمي التربوي، بل معرفة طرق ومناهج تطبيقها  في الوضعيات المختلفة مراعاة للفروقات الفردية داخل مجموعة من الأشخاص. ولعل من بين اهم هذه البيداغوجيات هي  البيداغوجية الفارقية التي تسمح للمدرس والمربي ان يتفاعل بشكل منصف وايجابي مع مختلف مستويات الأطفال مراعاة للفروقات في درجة ذكائهم واستيعابهم للرسائل والأهداف المتوخاة ،خاصة وان مجموعة الأطفال في وضعية إعاقة عادة ما تكون غير متجانسة ،بحيث تفرض هذه الوضعية الاشتغال أكثر بالمشاريع البيداغوجية  الفردية إما تطويرا للقدرات الموجودة أصلا أو استحضار الغائبة منها.إلا أن هذه البيداغوجية تستوجب توفر عدد قليل من المتعلميين قد تستدعي فيه الضرورة أحيانا توفر مربي متخصص لكل طفل ، ذلك حسب حدة وصعوبة الإعاقة. أيضا نجد بيداغوجيا اللعب لها أهميتها التربوية التعلمية خاصة في الوضعيات الصعبة التي يصعب معها  التجريد ،بحيث يكون اللعب فيها طريقة من طرق التعلم والتربية .ذلك إننا نشتغل على تطوير وإذكاء الحواس الخمس من سمع و لمس وبصر وذوق  وشم، من خلال العاب بيداغوجية يتم فيها تبسيط المعقد وتجزيء المركب.ان للعب وظيفة أساسية في الاكتشاف والابتكار وهو ما يسمح للطفل في وضعية إعاقة ان يتجاوب ويتكيف مع الوضعيات المختلف بحثا عن تجاوز المشاكل التي تعترضه تعليميا وتربويا. ونحن نتحدث عن المقاربة التعلمية التربوية في مجال التربية الخاصة، لابد للمربي المختص أن يستحضر نظريا وممارسة بيداغوجيا الخطأ كمبدأ أصيل في كل فعل تعلمي تربوي .إن الأصل في التعلم والتربية هو الخطأ، من الخطأ يتعلم الإنسان، والطفل في وضعية إعاقة من الطبيعي أن يخطأ بل من حقه ذلك، ودور المربي المختص في هذه الحالة هو التوجيه الصحيح بالتكرار والمحاولة دون كلل أو ملل، فالخطأ ينبغي النظر إليه بشكل ايجابي وليس كخطيئة تستوجب العقاب. ولعل تقبل مقولة الخطأ مدخل أساسي لتقبل وضعية الاعاقة ذلك لوجود نقط مشتركة بينهما  تتجلى أساسا في خروجهما عن الوضع والتصور الطبيعي للوجود والفعل البشري .                                                            

        من خلال ما تقدم يمكن القول أن مقاربة وضعية الإنسان المعاق في حاجة الى المزيد من التحليل و التفكيك العميقين ،إن على المستوى المفاهيمي او على مستوى أشكال التدخل، مقاربة تشاركية تفاعلية لكل الأقطاب والقطاعات التي تعنى بشأن الإعاقة. بدءا من دور الأسرة والمحيط الاجتماعي مرورا بالمؤسسات الحكومية  ووصولا إلى الأخصائيين والمهنيين …إن الوعي بجدوى الاهتمام بالشخص المعاق وعد لا ينبغي إرجاءه ،بل التفكير فيه عمليا وباستمرار أصبح ضرورة وواجبا يتجاوز حدود رفع الشعار،والمهتم بهذه الوضعية منتظر منه أن يقدم إجابات للتساؤلات والرهانات التي يطرحها حاضر الإعاقة. ان وعينا بأهمية  المقاربة التكاملية لوضعية الإعاقة مرده إلى وقوفنا على حدود ومحدودية التوجه الأحادي المنهج والموضوع، وهو المشروع الذي نشتغل عليه بدءا من هذه المقالة التي نعتبرها منطلقنا لطرح والإجابة على أهم التساؤلات التي تعنى بحاضر الإنسان في وضعية إعاقة.                                                                                    

مواضيع قد تعجبك المزيد عن المؤلف

تعليق 1

  1. ابراهيم يقول

    مشكور موقع زاكورة بريس على النشر . دامت لكم الافراح والمسرات والتألق .

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.