من الغذاء إلى الذكاء الإصطناعي..بركة يطلق معركة «السيادة الإستراتيجية» و يضع إستقلالية الإقتصاد المغربي في قلب السباق الدولي

0 20

دخل مفهوم «السيادة الاستراتيجية» بقوة إلى صلب النقاش السياسي والاقتصادي في المغرب، بعدما دعا الأمين العام لحزب الاستقلال، نزار بركة، إلى تبني رؤية وطنية جديدة تهدف إلى تعزيز مناعة الاقتصاد المغربي وتقليص ارتهانه بالخارج، في ظل عالم يشهد تحولات متسارعة وأزمات متتالية باتت تهدد سلاسل الإمداد وتعيد رسم موازين القوة الاقتصادية.

ويرى حزب الاستقلال أن المتغيرات الدولية المتلاحقة تفرض على المغرب إعادة النظر في طبيعة علاقاته الاقتصادية مع الخارج، خصوصا في القطاعات الحيوية والاستراتيجية، وذلك من خلال تقوية الإنتاج الوطني، وإعادة بناء سلاسل القيمة محليا، وتشجيع التصنيع، إلى جانب الاستثمار المكثف في التكنولوجيا والابتكار.

وفي هذا السياق، يطرح نزار بركة تصورا يقوم على جعل السيادة الاقتصادية إحدى الركائز الأساسية للمرحلة المقبلة، عبر الانتقال من منطق تدبير الأزمات إلى بناء منظومة وطنية قادرة على استباق المخاطر والتعامل معها، بما يضمن استمرار النشاط الاقتصادي ويحمي المصالح الحيوية للمملكة.

ويضع هذا التصور الأمن الغذائي في صلب معادلة السيادة الاستراتيجية، باعتبار أن قدرة أي دولة على تأمين حاجيات مواطنيها من الغذاء ترتبط بشكل وثيق بامتلاكها لمصادر المياه والقدرة على تدبيرها بشكل مستدام.

ومن هذا المنطلق، يؤكد بركة أن الأمن المائي والغذائي يمثلان وجهين لعملة واحدة، وهو ما يجعل الاستثمار في تحلية مياه البحر، وتطوير تقنيات الري، وترشيد استعمال الموارد المائية، وتعزيز الإنتاج الفلاحي، عناصر أساسية في بناء منظومة وطنية أكثر قدرة على مواجهة تداعيات التغيرات المناخية والاضطرابات التي تشهدها الأسواق العالمية.

ولا تقتصر السيادة الاستراتيجية، وفق هذا التصور، على القطاع الفلاحي أو الموارد المائية، بل تمتد كذلك إلى المجال الصناعي، حيث تبرز الحاجة إلى الانتقال نحو نموذج اقتصادي يرفع من نسبة الإدماج المحلي ويعزز حضور المقاولات المغربية داخل سلاسل الإنتاج.

وفي هذا الإطار، يبرز الرهان على نقل التكنولوجيا وتطوير الخبرات الوطنية ودعم المقاولات المحلية، مع توظيف الطلب العمومي كرافعة لتقوية الإنتاج الوطني، بما يسمح بتحويل الاستثمارات والمشاريع الكبرى إلى فرصة حقيقية لتطوير النسيج الصناعي المغربي.

كما أن تعزيز التصنيع المحلي من شأنه، بحسب هذا التوجه، أن يساهم في خلق فرص الشغل، وتقليص فاتورة الواردات، ورفع تنافسية الاقتصاد، فضلا عن تمكين المغرب من امتلاك قدر أكبر من المرونة في مواجهة الأزمات العالمية.

وفي الوقت الذي أصبحت فيه التكنولوجيا والبيانات جزءا أساسيا من معادلات القوة العالمية، يطرح مفهوم السيادة الاستراتيجية تحديا جديدا يتعلق بالاستقلال الرقمي.

فالتطور المتسارع للذكاء الاصطناعي والرقمنة جعل البيانات موردا استراتيجيا لا يقل أهمية عن الموارد الطبيعية، وهو ما يفرض، وفق هذا الطرح، تطوير منظومة وطنية قادرة على حماية البيانات، وتعزيز الأمن السيبراني، وتشجيع الابتكار، ودعم الشركات المغربية الناشطة في المجال الرقمي.

ويكتسي هذا الرهان أهمية متزايدة، خاصة في ظل اشتداد المنافسة العالمية على امتلاك التقنيات الحديثة، الأمر الذي يجعل الاستثمار في الذكاء الاصطناعي والبحث العلمي وتكوين الكفاءات الرقمية جزءا من معركة أوسع حول استقلالية القرار الاقتصادي والتكنولوجي.

وفي المقابل، يؤكد بركة أن المغرب راكم خلال السنوات الأخيرة مجموعة من التجارب والمكتسبات المهمة، خصوصا في قطاعات الصناعة والطاقات المتجددة وتحلية المياه، معتبرا أن هذه الدينامية يمكن أن تشكل قاعدة صلبة لبناء اقتصاد أكثر استقلالية وقدرة على الصمود.

غير أن التحدي، وفق هذا التصور، لا يكمن فقط في إطلاق المشاريع، وإنما في القدرة على تحويل هذه المكتسبات إلى منظومة متكاملة تخلق القيمة داخل المغرب، وتدعم المقاولات الوطنية، وتطور الكفاءات، وتقلص الاعتماد على الخارج في القطاعات الحساسة.

السيادة الاستراتيجية.. مشروع يتجاوز الحسابات السياسية

وبهذا المعنى، يطرح حزب الاستقلال مفهوم السيادة الاستراتيجية باعتباره مشروعا تنمويا طويل الأمد، يتجاوز الظرفية السياسية والاقتصادية، ويرتكز على الاستثمار في الإنسان، وتعزيز البحث العلمي، وتشجيع الابتكار، وتطوير التكنولوجيا، وبناء قدرة وطنية على إنتاج الحلول بدل الاكتفاء باستيرادها.

وبينما تتزايد الأزمات العالمية وتتداخل التحديات المرتبطة بالطاقة والغذاء والماء والتكنولوجيا، يبدو أن النقاش حول السيادة الاستراتيجية مرشح ليأخذ مساحة أكبر داخل الأجندة السياسية والاقتصادية المغربية، خاصة أن الرهان لم يعد فقط على تحقيق النمو، بل على ضمان قدرة الاقتصاد الوطني على الصمود أمام الصدمات والحفاظ على استقلالية القرار.

وفي المحصلة، فإن الرسالة التي يحملها هذا الطرح تتمثل في الانتقال بالمغرب من اقتصاد يتفاعل مع الأزمات بعد وقوعها إلى اقتصاد يمتلك أدوات استباقها، ومن دولة تستورد جزءا من حاجياتها الاستراتيجية إلى دولة تسعى إلى إنتاج أكبر قدر ممكن منها محليا، بما يعزز مناعتها الاقتصادية ويرفع قدرتها على حماية مصالحها في عالم تتغير فيه قواعد المنافسة بوتيرة متسارعة.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.