الرئيسية | مقالات - عمود زاكورة بريس | أيها المسلم العاقل…لن تجد لسنة الله تبديلا

أيها المسلم العاقل…لن تجد لسنة الله تبديلا

لقد عرف تاريخ البشرية منذ آدم عليه السلام إلى اليوم، آيات ودلائل شهدت وتشهد بصدق القرآن الكريم، وبكونه كلاما متعاليا عن كلام البشر. إذن فهو كلام رب العالمين ومالك الكون ويوم الدين. ولست في حاجة هاهنا إلى سرد كل الوقائع والآيات التي أخبر القرآن العظيم بوقوعها أو بقرب وقوعها، وجاءت تماما كما أخبر دون تبديل أو زيادة أو نقصان. وحتى تلك المتأخرة عن نزوله بزمن طويل جاءت وكأنها تقدمته. وهذا ما شهد به الكفار والملحدون قبل أن يشهد به المؤمنون الموحدون.

ولعل من بين القصص التي جاءت في كتاب الله عز وجل، ما جاء في تحريض الشيطان، الذي أتى في صورة سراقة بن مالك بن جعشم سيد بني مُدْلج، للكفار يوم بدر لقتال الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه. وأكد لهم أنهم لا محالة هم الغالبون، وأن أحدا لن يغلبهم مهما كانت قوته، وأصر على أن يكون جارا لهم ليتأكدوا من نصرته لهم وشد أزرهم. قال تعالى: { وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ }. فماذا حدث بعد أن رأى – لعنه الله – نصرة الله والملائكة للمؤمنين؟ لم يتريث لحظة واحدة بين الجموع التي كان يؤيدها، بل أدبر وتولى، فخذلهم وتبرأ منهم. بل نصحهم بالتوبة لأن الله تعالى شديد العقاب لمن عصاه ولم يتب توبة نصوحًا. قال تعالى: { فَلَمَّا تَرَاءَتِ الْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ}، لقد تحول إلى ناصح معلم ينشد الصلاح والخير.

وهذا المعنى هو نفسه أو قريب منه ذلك المذكور في سورة الحشر 16، حيث قال تعالى: { كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلإنْسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ }. فالشيطان يدعو حزبه كل مرة إلى الكفر والخروج عن الطريق المستقيم والوقوع في الضلالات والمهالك والبدع والجرائم، ويحثه على أنه على الحق وعلى الصواب وأنه مادام كذلك فلا أحد يقدر عليه، وأنه ناصره… وفي كل مرة ينقض عهده ويتبرأ ممن دعاهم إلى العضوية في حزبه. بل ويتعلل بالخوف من الجليل، وهو غير ذلك فوالله ما به خوف من الله، بل علم بأنه لا قوة له على خالقه وخالق الناس جميعا، ولا منعة له أمام الملائكة والمؤمنين المخلصين المخلصين.

والعجيب في الامر أن الشيطان في النهاية يتحول، كما أشرنا، إلى إمام في الحق والخير وحب الصلاح وتقديم النصائح لحزبه. كما يتجلى ذلك في قوله تعالى: { وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الأمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ }. إنها سنة الله في الأرض.

إن المتمعن في هذه المعاني وغيرها من مثيلاتها في كتاب الله عز وجل، سيجد أنها تعاد هي نفسها اليوم وكأننا نحلم أو نعيش في زمن غير زمننا. فهذا الشيطان وقد خلع صورة سراقة بن مالك ولبس صورة أكبر بكثير، لبس صورة أمريكا وأتباعها من الدول غير الإسلامية دون استثناء، وكذا أتباعها من بعض أحزاب “الشيطان”. وقد تكالبوا على الدول الإسلامية والعربية خاصة، متزعمة ما يدعى بالربيع العربي، فوالله ما هو بربيع، ولكنه موسم جفاف أتى على الأخضر واليابس، وينتظر أن يستأصل ما لم ينبت بعد. إنه حق أريد به باطل واضح لمن تدبر.

بدأ الشيطان منذ 2010 يزين للعلمانيين أعمالهم ويعينهم على الضلال والخسران. لقد آزرهم في مساعدة المسلمين على خلع حكام الظلم واستئصال شوكة الاستبداد، وهو ما نحبه، نحب أن ينفرط عقد الظالمين حبة حبة فيتفرقوا تائهين في الأرض لا يهتدون سبيلا. حتى إذا تم الأمر سول لهم الانقلاب على المؤمنين، باسم الديمقراطية الجوفاء والحق في الاختيار والتقدم والحضارة والانفتاح ومسايرة العصر، مستغلا بعض الظروف والوقائع التي تحدث كل يوم وكل حين. وهكذا زين لحزبه من العلمانيين الملحدين – وإن كانوا يحملون نسب المسلمين- في تونس وفي ليبيا وفي مصر وسوريا… سحب البساط من تحت أقدام المعتصمين بالله بالاغتيال تارة وبالتفجير تارة وبالترهيب والتعذيب تارة…

والحال أن موقف مصر الحبيبة بعد مبارك لا يختلف عما ذكرنا، إذ لبس الشيطان أحسن ما يملك من ثياب وتعطر بأحسن عطر ووضع أزهى أقنعته، وتوجه مختالا في كبريائه الزائف تلقاء أرض الكنانة. فحث حسني مبارك على ضرب المعتصمين وقتل المتظاهرين وتعذيبهم، وأنه سينصره ويمكن له في الأرض، فلما قضي الأمر واستوت على الحق وظهر أمر الله وغلب مبارك، ارتدى قناع المصلحين وبدأ يندد بضرب المتظاهرين وقتلهم وبدأ يتحدث عن محاكمة المتورطين من حزبه السابقين… وتدخل باعتباره الإمام المقتدى به في ديمقراطيته وحكمه، لينظم انتخابات نزيهة لا يشوبها شيء. وهو يترقب، فإن ظهر العلمانيون فرح واستبشر، وإن غلب المسلمون عبس وبسر. فلما جاء الحق وزهق الباطل، عاد الإمام شيطانا كما كان، وزين لحزبه انتزاع الشرعية ونقض العهود. فانقلبوا على مرسي الرئيس الشرعي لمصر (شرعي لأنه انتخب عن طريق الشرعية والدستور واختاره الشعب عن طريق الصناديق). وأرسل رسله تترى من أجل الصلح (والعجيب أن الصلح يدعم طرفا بالمال والسلاح والخبرات، ويدعو الطرف الآخر للاستسلام فقط). وحين تمسك أصحاب الحق بالحق، اشتط الشيطان غضبا، وأزبد وأرعد ثم زين للمارقين ضرب المعتصمين في الميادين وقتلهم وتعذيبهم وحبس رؤسائهم… وكذلك فعلوا دون تردد.

فلما تراءت الفئتان، وقتل من قتل، وجرح من جرح، وعذب من عذب، نكص الشيطان الغربي على عقبيه، وقال إني بريء منكم يا سيسي ومن قتلكم للمعتصمين، إني أرى من حقوق الإنسان ما لا ترون، إني أخاف الله وأراعي الإنسانية والديمقراطية والأمم المتحدة وبنودها. ومتى كان الشيطان يخشى أحدا؟ أليس هو من صنع الأمم المتحدة وبنودها؟… وإنما أراد تنزيه نفسه عن الجرائم وعن كل ما من شانه أن يشوه سمعته ويدنسها أمام المجتمع الدولي. ليتسنى له إغراء آخرين بعد ذلك دون أن يشكوا في صلاحه. ثم أعلن أما الإعلام {وَمَا كَانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ }، ثم يردف ما أرسلت جنودا ليحاربوا المتظاهرين، إنما حاولت الصلح وقد محضتكم النصح، وعملتم به فإن أفلحتم فهو مني وإن فشلتم فإنما أنا ناصح أمين، وما على الناصح من تثريب. وتبرأ اللعين من سيسي وحزبه. وقد تجسدت براءته منه في سحب رعاياه وموظفيه من مصر، واستدعاء سفراء مصر لديه ليعلن براءته رسميا، وبدأ يتحدث عن جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية. وألغى المناورات العسكرية المشتركة التي كانت مقررة بين جنوده وجنود سيسي. فهل من مذكر!؟ لقد فر اللعين وترك أرض الكنانة في ظلمات بعضها فوق بعض. ولن تجد لسنة تبديلا.

فما من مجال إذن لنماري في هذه الحقائق، ونجادل محاولين منع الشمس بالغربال. فالحقيقة واضحة جلية. إن عمل الشيطان مستمر، ولكنه في النهاية حلقة من حلقات سنة الله التي لن تتبدل ولن تتحول. فهناك دعم وقت المصلحة ثم تملص وبراءة حين يظهر الحق.

وإن الدور آت على بشار وأعوانه في سوريا، فمنذ زمن بعيد والشيطان المتمثل في صورة روسيا والصين وجنودهما (ما خفي منهم وما ظهر، فالشياطين بعضهم أولياء بعض) يزين لبشار الظالم أعماله ويقدم له العون (سلاح، أموال، طائرات، خبرات عسكرية…) ويقلل المسلمين في عينيه، الذين هم على حق، ويعده بالنصر والغلبة مهما طالت المدة ومهما بلغ عدد العدو وعدته. ولكن لنكن متأكدين أن الشيطان لا عهد له، لا دين له… فوجوهه عديدة وحيله اكثر من أن تعد أو تحصى… ولنكن متأكدين كما لم نكن متاكدين من شيء قبل من أن روسيا والصين وأمريكا هم من سيكونون في طليعة الداعين إلى محاكمة بشار الأسد ومن معه دون استثناء، بعد هزيمته، بتهم حفظها التاريخ: جرائم حرب، جرائم في حق الإنسانية، قتل العزل والأطفال والنساء والشيوخ، جرائم في حق البيئة والثروات الطبيعية، استعمال مفرط للسلاح … ولن يطول الأمر حتى يحدث ذلك أليس الصبح بقريب. إن هذا الإيمان بهذا الحكم المسبق جاء بعد النظر في التاريخ البشري وأنه سنة واحد تتكرر كلما وقع الصراع بين المؤمنين والكافرين، والكل يعرفه. وانتظروا إني معكم من المنتظرين.

بقي الآن أن نفيق من سباتنا العميق ونعلم أن الشيطان ليس له ما يخسره، فقد خسر كل شيء يوم عصى الله تعالى. وإنما يريد ان يغوي المسلمين ويثنيهم عن الحق. ومهما لبس الشيطان من أقنعة وحلل، ومها اختفى بين الصور (سراقة/ أمريكا/ روسيا/ الصين/ حكام/ العلمانيون العرب…) فإن هدفه واحد. قال تعالى: { وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً }. وهذا دينهم وديدنهم، ولن تجد لسنة الله تبديلا، إنما نحن من يجب أن نغير ما بأنفسنا ونعتقد حق الاعتقاد أن هناك عقيدة الولاء والبراء،  وهي عقيدة أصيلة مترسخة لدى المسلمين. فيجب أن نعرف من يستحق الولاء فنواليه وندعمه ومن وجب منه البراء فنتبرأ منه ونأخذ حذرنا. واللبيب بالإشارة يفهم.

 

 

 

                                                                    محمد سجيد

                                                                      زاكورة

3 تعليقات

  1. مقال رائع استاذ . فحقا لن تجد لسنة الله تبديلا فالقرآن الذي هو كلام الله, شامل لكل شيء فهو لم يقتصر على عصر محدد او زمن معين فهو معاصر بما تحمله هذه الكلمة من معنى. فالله سبحانه يعلم ما يحدث الان وما سيحدث لاحقا,
    وسبب كل ما يحدث الان هو صمتنا وغباوتنا نحن العرب الاغبياء وانا لا اقصد العرب السابقين في عهد محمد صلى الله عليه وسلم, بل الحاليون في عهد حكم ال سعود . وشكر

  2. tahya 3alya l ousstad mohamed sajid,3lala hada lma9al ra1i3 men kafat nawahi,oussloub ra1i3 ka lmo3tad

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>

Current ye@r *

إلى الأعلى