إكــذب عَلَيْ فأنا مجرد زاكُوري

ايــــــدار مرابــط

4 810

قرأت عن الكذب والكذابين والدجل والدجالين، فلم أجد أكذوبة على مر التاريخ أكبر من أكذوبة أقرؤها مطلع كل شهر ويقرؤها معي آلاف الضحايا من اللاجئين المغاربة في إقليم زاكورة، إنها الأكذوبة التاريخية المدونة على فاتورة الماء وهي:    ” الماء الصالح للشرب”، أكذوبة العصر وأعجوبة الزمان ومهزلة القرون.

يمسك الضحايا هذه الفاتورة وتتجه أعينهم عن قصد أو غير قصد نحو الثمن مباشرة، أما بالنسبة لي فالأمر مختلف شيئا ما لأنني أبدأ بالعنوان هل تم تصحيحه أم ليس بعد، وأقول في كل مرة إنه مجرد خطأ مطبعي تسببت فيه آلة النسخ المجرمة وسيتم تصحيحه في الشهر المقبل لأن العبارة الصحيحة طبعا هي << الماء الطالح للشرب >> وربما  << الماء المالح للشرب>>  . لكن مع بالغ الأسف طال انتظاري وبقيت تلك العبارة الحزينة تتردد على مرآي ومسمعي كل شهر ” الماء الصالح للشرب ”  ولا زالت آلة النسخ الحقيرة تكذب علينا. قلت في نفسي عار علينا نحن الزاكوريين الذين بلغت سمعة “طيبوبتنا” كل بقاع الأرض أن نعتدي على الماء الصالح للشرب بهذه الطريقة وأن نطلق هذه العبارة البريئة على هذا السائل المر المالح العجيب الذي يسري في أنابيب أكواخنا أحيانا وينوب عنه الهواء وشخير الصنبور أحيانا أخرى.

فكرت مليا : ما العمل؟ إنه سؤال بريء لكنه قد يجرني إلى مشاكل لا تحمد عقباها… وردت على ذهني فكرة، وهي أن أنزع عني ثوب الزاكوري “الخجول” لبرهة من الزمن وأقصد أحد المسؤولين المحترمين وأقول له : يا سيدي ” جئتك قاصدا راغبا ولا تعتبرها مني قلة صواب” فأنا مواطن بسيط “درويش” أكفل أسرة وأكافح من أجل العيش ولا أعلم شيئا عن السياسة ولا أنتمي إلا لعائلتي. أنا فقط اقرأ على فاتورة الماء عبارة خاطئة وجئت لأنبه سيادتكم كي لا “يضحك علينا البراني”، من فضلكم غيروا تلك العبارة أو زودونا بالماء الصالح للشرب فعلا، وإن كنت يا سيدي أحبذ الحل الثاني ” إن جاء على خاطركم طبعا” لأنني يا سيدي أدفع ثمن فاتورة الماء غير الصالح للشرب وأيضا فاتورة الماء الصالح للشرب الذي أشتريه بالتقسيط عند “مول الستيرنا”، كما أن الماء الطالح يغيب لفترات طويلة، فلا أجد ما أنظف به ثيابي وصحون مطبخي فأعيش وضعا مزريا في بيتي وأجدني محرجا مع أهلي وضيوفي.

أنا يا سيدي لا أطلب وظيفة ولا أطلب مستشفى جامعيا ولا جامعة ولا أطلب مرافق رياضية وترفيهية لأنني أعلم أنها مطالب غير مشروعة لأنني مجرد مواطن من إقليم زاكورة، يعني مواطنا من الدرجة الرابعة يريد البقاء على قيد الحياة فقط ويرضى ب”النصيب” ويردد دائما عبارات الولاء للوطن الحبيب من قبيل  “العام زين”   “أيك ربي البركة غ المخزن”    ” نشا نسوا أينصر ربي أكليد” …

لقد أعجبتني كثيرا فكرة زيارة المسؤول وإن كان الصواب أن المسؤول هو من عليه زيارة المواطن وتفقد أحواله ورصد همومه ومشاكله، لكن لا بأس فنحن في إقليم زاكورة فقط.

توضأت وصليت ركعتين وودعت أهلي وأوصيتهم وصية المودع ثم انطلقت نحو مقر المسؤول في سابقة تاريخية من زاكوري، كلماتي تتلعثم وجسدي يرتعد، لكن لحسن الحظ لم أجد المسؤول في مكتبه، ثم جئته مرة ثانية لكنه مشغول وليس مستعدا لاستقبالي… جئته مرة ثالثة فقال لي حارس البوابة : ” يا أحمق أتريد ان تيتم أطفالك؟” نظرت إليه باستغراب شديد فاسترسل قائلا: أنت جئت تطلب الماء الصالح للشرب يعني أن الآخرين سيفعلون مثلك، إذن أنت تحرض الآخرين على التظاهر يعني أنك زفزافي وتسعى للفتنة، وبالتالي أنت انفصالي وتتلقى دعما خارجيا وتريد زعزعة استقرار الوطن وزعزعة الثوابت وخرق الدستور…

قلت له : الحمد لله أنك لم تحملني مسؤولية ثقب الأزون وتأسيس داعش وتنظيم القاعدة، والحمد لله أنك لم تتهمني بامتلاك أسلحة الدمار الشامل… ثم عدت أدراجي فقلت في نفسي إن هذا الغبي لا يدري أن في السجون ماء صالحا للشرب، أما إقليم زاكورة فهو سجن واسع مفتوح ليس فيه ماء صالح للشرب… لقد قلتها في نفسي فقط لأنني وكغيري من الجبناء في هذا الإقليم المنكوب لا نستطيع أن نطلب شربة ماء نرتوي بها كأبسط شرط من شروط الحياة. وحق لنا أيضا أن نغير الكوجيطو الديكارتي ليصبح “أنا زاكوري إذن أنا غير موجود”.

مواضيع قد تعجبك المزيد عن المؤلف

4 تعليقات

  1. bouchra يقول

    Tbakellaaaaaaaaaaah 3lik, sttamr

    1. IDAR يقول

      شكرا على مرورك

  2. عبد السلام يقول

    والله العظيم الى ضحكتيني او بكيتيني ماشاء الله عليك

    1. IDAR يقول

      مرحبا خويا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.