العنف المدرسي ، الشبح الذي يهدد تعليمنا ( جزء 1)

0 7

يكاد يُجمع الكل على ان فضاء المدرسة أو المؤسسات التربوية بشكل عام، هو الفضاء الاكثر مثالية من حيث طبيعة العمل الذي يزاوله الموظف بحكم الرسالة النبيلة التي يحملها من جهة ، ومن حيث القداسة التي يحظى بها هذا الموظف لدى السواد الاعظم من الامة من جهة ثانية ، حتى كان آباؤنا يحثوننا على التعلُّم وعدم التخلف عن الدرس لنصبح معلمين ” تُرجُمان ” ونتقاضى مالا كثيرا دون تعب بدني يذكر (حسب تصورهم )… وهي نفس القداسة التي أوحت لشاعر مصر ، أحمد شوقي ، بقصيدته المشهورة :

قـم للمعلم وفِّيه التبـجـيلا       كاد المعلم أن يكون رسولا

  غير ان هذه الصورة المثالية الناصعة ، وهذه القداسة الربانية ، تحولتا بفعل التغيرات الاجتماعية والاقتصادية والثقافية ، الى صورة قاتمة ملطخة بالأحداث المأساوية التي نصبح عليها ونمسي عند كل إطلالة على المواقع الاخبارية الالكترونية أو تصفح للجرائد اليومية . تلكم الاحداث هي العنف المدرسي الذي لم يعد يستثني مدينة كبرى بتناقضاتها أو قرية صغرى بسكونها وتناغمها . ولا هو يستثني موظفا أفنى وردة عمره في تعليم رجال الغد ولا أستاذة هجرت أسرتها لتساهم في بناء صرح هذا الوطن …. فما هو العنف المدرسي وما أنواعه؟ وماهي أسبابه ؟ وماهي عواقبه وآثاره ؟ وكيف يمكن الحد منه ومحاصرته ؟

إن العنف بشكل عام وبتعريف مبسط ، وبعيدا عن التفصيلات الاكاديمية يعني ” كل سلوك أو فعل مـادي من طرف شخص ما يؤدي الى التأثير سلبيا على الطرف الثاني ” فيُفهم من هذا التعريف جميع السلوكات المستفِزة للطرف الآخر كالضحك أو الاستهزاء أو القيام بحركات أو ارتداء لباس مثير … ويفهم منه كذلك كل الافعال المثيرة لغيظ الآخر بما في ذلك طريقة المشي أو الكلام ناهيك عن الافعال المسببة في أضرار مادية كالضرب والجرح . فالعنصر المحدد لدرجة العنف هو ” درجة استفزاز الآخر ” ووضع الاصبع على جرحه المؤلم أو ما يسميه الغرب ” نقطة ضعفه ” . من هنا نستخلص أيضا تفاوت الاستجابة للعنف والتأثر به من شخص لآخر ، فما اراه انا عنفا قد يراه شخص آخر يؤدي نفس وظيفتي ( استاذ مثلا) ، سلوكا عاديا والعكس صحيح . وما أكثر المرات التي استوقفتنا فيها حالات ونحن نجري مداولات الأقسام ، فيقع حولها اختلاف كبير بين مجرِّم ومبرِّئ ليتبين في الأخير ان الاختلاف منشؤُه اختلافٌ في الطبائع والعادات والتقاليد والمثل العليا في الحياة …

إلا ان العنف يبقى عنفا سواء خفت حدته وخبت جذوته أو علا صوته وتطاير لهبُه ، لان النتائج المتوخاة لا يمــكن

حصدها في مثل هكذا ظروف . وفيما يلي جرد لأهم انواع العنف كما رصدتها طوال مشواري التعليمي كتلميذ ثم

كأستاذ وحارس عـــــــام :

1 – الـلامبالاة أثناء إنجاز الدرس : إن حرص الاستاذ على تفهيم واستيعاب التلاميذ للدرس يدفعه بقوة لتتبع حركاتهم وسكناتهم ، فلا يقبل بأي حال – وهو يقوم بعمله – أن يرى واحدا من تلامذته يقوم بحركات زائدة أو عمل آخر: ( كتابة ، فتح كتاب ،التفاتة ….) غير متابعة إنجاز الدرس ، وحيث ان التلميذ يمكن أن يشعر في بعض الاحيان بالملل من الدرس او غيره فهو يتصرف تصرفات يقرؤها الاستاذ ” لامبالاة ” واستخفافا بمادته فيحدث تشنج يكون بذرة لبداية العنف إن لم يتم تطويقه .

2 – التشويش على الآخرين : عندما يحس التلميذ ، أو أي شخص ، بأنه منبوذ (بسبب تصرفاته ) داخل الجماعة ، عادة ما يلجأ الى أفعال استفزازية لإثبات الذات ، أو على الاقل تعكير صفو الأجواء السائدة ، فيضرب الأرض برجله في غفلة من الأستاذ أو يقوم بإحداث أصوات غريبة تصعد من صدره أو باستعمال أدوات مدرسية ، وهذا يؤدي الى خلق تشويش على سير الدرس يشعر معه الاستاذ بحرج كبير بين ضبط الفاعل والاستمرار في الدرس بشكل سلس وبين ضبط أعصابه كأن شيئا لم يقع ، غير أن التمادي في الفعل عادة ما يفقد الانسان صوابَه وأعصابه فيتحول القسم كله الى متهم فينشأ العنف المضاد لاحتواء الموقف .

3 –التمظهر بمظهر غير لائق : يمكن وصف هذا العصر بعصر المظاهر والموضة المتبدلة سنة بعد أخرى سواء في اللباس أو في نوع حلاقة الشعر ، هذه الموضة رغم أنها في جانب من جوانبها تعبر عن الحرية الفردية ، غير أنها في كثير من الأحيان تأخذ شكلا مُقْـرفا ، مخلا بالذوق العام ، مستفزة لمشاعر الآخرين كبعض الملابس الضيقة الواصفة التي يضعها بعض الشبان والشابات أو بعض الحلاقات المثيرة والتي لا نراها إلا عند أداء بعض المسرحيات الهزلية . كل هذا يخلق نوعا من الاستفزاز لدى الآخر لا يقل عنفا عن العنف المادي .

4 – الحرمان من الحصة : كثيرا ما يلجأ الاستاذ/ المربي الى الحلول السريعة كلما أحس بـ “لا انضباط ” بعض المتعلمين أو تهاونهم في إنجاز الواجبات المنزلية ، وهي إخراجهم من الفصل ، والقذف بهم الى المجهول ، هذا الحل يريح الاستاذ ويهدئ من روعه للحظة معينة ، غير أنه يسطر جرحا عميقا في نفسية ذلك المتعلم ، فالإخراج والطرد يتم تأويله لا شعوريا بالطرد من “رحمة” الاستاذ مما يؤدي الى القنوط والقلق و الإحباط وفقدان الثقة في النفس وفي الآخرين وبالتالي الانحراف إذا لم يتم تدارك الموقف .

5 – الحرمان من النقطة المستحقة (الشطط في استعمال السلطة ): وهو عنف معنوي يلجأ اليه أحد الأطراف لمعاقبة طرف آخر ، حيث يشعر المعاقَب أن مصيره بيد المعاقِب ، فإما أن ينصاع ويخضع كالعبيد فيحقق مآربه وإما أن يتمرد وينتفض فيكون سوء المصير . والنتيجة في كلتا الحالتين هي الشعور بالقيود تكبل كل رغبة في الانطلاق والحرية مما يؤدي الى أزمة داخلية وسلسلة من العقد النفسية .

6 – الاهانة بأنواعها : مثل السخرية أو الضحك أو حتى النصيحة أمام الأقران تصبح إهانة  قاسية الوطأة ، وقد قيل قديما ” النصيحة أمام الملإ فضيحة “،  فلا ينبغي أن نستهين أو نحتقر بعض الألفاظ التي نستعملها في خطاباتنا مع الآخرين ، فالمشاعر قسمة عادلة بين الانسان صغيرا كان أم كبيرا ، وإن اختلفت درجة التأثر من مرحلة عمرية لأخرى ، فالطفل يحس بالإهانة ولكن ردود فعله حيالها لا تطول وطأتها بينما المراهق يكون سريع التأثر وقد تتخزن أدنى إهانة في لا شعوره الى الابد ، وتترجم الى ردود أفعال عنيفة بين الحين والاخر .

7- السب والشتم : وهي أقسى أنواع الاهانة سواء كانت بألفاظ “متداولة” أو بألفاظ بذيئة ، وهي من العنف اللفظي المرتبط تاريخيا ببعض الفضاءات و الادارات كمخافر الشرطة والدرك ، حتى غدا ذكرها مقترنا بالعذاب والتسلط على الآخر الى حد سلب كرامته . غير أن هذه السلوكات اقتحمت المؤسسات التعليمية خاصة المستويات الابتدائية والاعدادية ، فأضحى التلميذ هدفا ومَطرحا لكل أنواع السب والشتم التي يضمها قاموس الاستاذ .

8 – القذف / الضرب بمواد صلبة : حينما يبلغ العنف اللفظي ذروته أو يصل الاستفزاز الى حد لا يطاق ، يتحول الى عنف مادي يأخذ أشكالا متعددة  كالضرب بمادة صلبة كالعصا أو أي وسيلة تعليمية تفي بالغرض (ممسحة مسطرة ..) ، وقد تستعمل الطباشير و الاقلام لرشق الأستاذ أثناء قيامه بالكتابة على السبورة ، هذا الأسلوب يتم رصده بشكل لافت في المستويات التأهيلية والسنة الاخيرة من التعليم الثانوي الإعدادي حيث يبدأ التلميذ / المراهق في الدفاع عن نفسه بشتى الطرق …

(يتبع…)

ذ. عبد الكريم أيت علي

مواضيع قد تعجبك المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.