اليوم الدولي للغابات..ثلاثة أسئلة للمدير العام للوكالة الوطنية للمياه و الغابات عبد الرحيم هومي

0 80

بمناسبة اليوم الدولي للغابات، الذي يحتفى به هذا العام تحت شعار “الغابات والاقتصادات”، أجرت الجريدة حوارا مع المدير العام للوكالة الوطنية للمياه و الغابات، عبد الرحيم هومي.

و في هذا الحوار، يسلط السيد هومي الضوء على المساهمة الإستراتيجية للقطاع الغابوي في الإقتصاد الوطني، كما يبرز تموقع المغرب في مجال التثمين الإقتصادي المستدام للغابات، فضلا عن تطرقه إلى دور إستراتيجية “غابات المغرب 2020-2030” في تعزيز هذه الدينامية.

1. كيف تثمن الوكالة الوطنية للمياه و الغابات المساهمة الإستراتيجية للقطاع الغابوي في الإقتصاد الوطني ؟

يحتل القطاع الغابوي مكانة إستراتيجية في الإقتصاد الوطني، إعتبارا لدوره المزدوج المتمثل في الحفاظ على التوازنات الإيكولوجية و خلق فرص إقتصادية و إجتماعية، لا سيما لفائدة حوالي 7 ملايين مواطن يعيشون في المناطق القروية و الجبلية.

و بفضل تغطية المجالات الغابوية لحوالي 12 في المائة من التراب الوطني، تشكل الغابة المغربية رأسمالا طبيعيا أساسيا. فهي توفر منتجات خشبية وغير خشبية، مع ضمان خدمات إيكولوجية ضرورية من قبيل حماية التربة، و تنظيم الموارد المائية، و عزل الكربون، و الحفاظ على التنوع البيولوجي.

و على المستوى الإقتصادي، يساهم القطاع بحوالي 1,5 في المائة من الناتج الداخلي الخام الوطني، و ما يصل إلى 10 في المائة من الناتج الداخلي الخام الفلاحي، بقيمة تجارية مباشرة تقدر بحوالي 17 مليار درهم سنويا. و مع ذلك، فإن هذه المساهمة، على الرغم من أهميتها، لا تعكس سوى جزء من القيمة الحقيقية للغابة.

و في الواقع، تتجاوز مساهمة القطاع الغابوي البعد التجاري الصرف لتشمل، أيضا، قيمة إجتماعية من خلال المداخيل و مناصب الشغل و سبل العيش التي توفرها لملايين المواطنين، فضلا عن قيمة بيئية ترتبط بالخدمات الإيكولوجية الأساسية التي تقدمها للمجتمع بشكل مجاني، لاسيما في مجال التنظيم المائي، و مكافحة الانجراف، و تخزين الكربون، و الحفاظ على التنوع البيولوجي.

و هكذا، ينبغي اعتبار الغابة بمثابة رأسمال طبيعي واستراتيجي حقيقي، تفوق قيمته الإجمالية بكثير التدفقات الاقتصادية التي يمكن قياسها بشكل مباشر.

و في هذا السياق، تندرج جهود الوكالة الوطنية للمياه و الغابات ضمن منطق التوازن بين التثمين الإقتصادي و المحافظة على النظم الإيكولوجية، و ذلك تماشيا مع إستراتيجية “غابات المغرب 2020-2030”.

و تتركز أولوياتنا، اليوم، حول هيكلة السلاسل، و تطوير التحويل المحلي من أجل خلق المزيد من القيمة المضافة في المجالات الترابية، و تعزيز التدبير التشاركي مع الساكنة المجاورة للغابات، و إعادة تأهيل النظم الإيكولوجية الغابوية، و كذا تحديث حكامة القطاع، خاصة عبر الرقمنة.

إن طموحنا واضح و يتمثل في جعل الغابة رافعة حقيقية للتنمية المستدامة، من خلال تثمين كافة وظائفها الإقتصادية و الإجتماعية و البيئية، مع ضمان الحفاظ على هذا التراث للأجيال القادمة.

2- كيف يتموقع المغرب في مجال التثمين الإقتصادي المستدام للغابات ؟

يتموقع المغرب، اليوم، كفاعل ملتزم في مجال التثمين المستدام لتراثه الغابوي، و ذلك من خلال مقاربة متكيفة مع خصوصياته الإيكولوجية و المناخية و السوسيو-اقتصادية.

و على عكس البلدان الغابوية الكبرى التي تتوفر على موارد شاسعة و ظروف مواتية لإنتاج مكثف، يتميز المغرب بنموذج غابوي تغلب عليه “غابة الحماية” بدلا من “غابة الإنتاج”. و يعزى هذا التموقع إلى الإكراهات الطبيعية، لاسيما جفاف المناخ، و هشاشة النظم الإيكولوجية، و الضغط الممارس على الموارد الطبيعية.

و في هذا السياق، يرتكز تثمين القطاع الغابوي بالمغرب على توازن دقيق بين الحفاظ على النظم الإيكولوجية و تطوير الإستخدامات الاقتصادية، مع هيمنة القيمة الإجتماعية. فالغابة تشكل، في الواقع، فضاء حيويا لملايين المواطنين، خاصة بالوسط القروي، من خلال ضمان مصادر الدخل و الطاقة و سبل العيش.

و علاوة على ذلك، تكتسي القيمة البيئية للغابة المغربية أهمية إستراتيجية بالغة؛ إذ تضطلع بدور حاسم في مكافحة التصحر، و حماية التربة و الموارد المائية، فضلا عن الحفاظ على التنوع البيولوجي.

و في هذا الصدد، تجدر الإشارة إلى أن المغرب يصنف ضمن البلدان الأكثر غنى من حيث التنوع البيولوجي في المجال المتوسطي، حيث يحتل المرتبة الثانية، مما يلقي على نظمه الإيكولوجية الغابوية مسؤولية خاصة في مجال المحافظة عليها.

و في هذا الإطار، تندرج إستراتيجية “غابات المغرب 2020-2030″، التي تهدف إلى تعزيز هذه المقاربة المندمجة، من خلال التوفيق بين التنمية الإقتصادية، و الإدماج الاجتماعي، و الإستدامة البيئية.

و تجسد العديد من المكتسبات هذه الدينامية. فقد تم تعزيز التدبير التشاركي بشكل ملموس، مع وجود أزيد من 320 تعاونية و مجموعة ذات نفع إقتصادي تضم حوالي 19 ألف منخرط.

و مكنت الشراكات التي تم تطويرها مع هذه الهياكل من تحقيق رقم معاملات يناهز 92 مليون درهم خلال سنة 2024، مما ساهم في تحسين دخل الساكنة المحلية.

و بالموازاة مع ذلك، تم إطلاق برنامج طموح للتشجير يهم 600 ألف هكتار في أفق سنة 2030، يروم إعادة تأهيل النظم الإيكولوجية الغابوية و تعزيز قدرة المجالات الترابية على الصمود.

كما يراهن المغرب على تطوير السياحة الإيكولوجية، لا سيما من خلال تثمين منتزهاته الوطنية، بهدف جعلها وجهات مرجعية على الصعيدين الوطني و الدولي.

و هكذا، يرتكز النموذج المغربي على تثمين معقلن و مستدام للغابة، يمنح الأولوية لوظائفها الاجتماعية والبيئية مع تطوير فرص إقتصادية متلائمة مع الحقائق الوطنية.

3. كيف تعزز إستراتيجية “غابات المغرب 2020-2030” هذه الدينامية ؟

تشكل استراتيجية “غابات المغرب 2030-2020” اليوم الإطار المرجعي لتحديث قطاع الغابات و تعزيز أثره الإقتصادي و الإجتماعي و البيئي.

و تستند هذه الإستراتيجية على طموح قوي يهدف إلى جعل الغابة محركا لخلق القيمة و فرص الشغل، مع ضمان إستدامة النظم البيئية.

و من بين أهدافها الرئيسية زيادة وتيرة إعادة التشجير لبلوغ 100 ألف هكتار سنويا، و خلق آلاف فرص الشغل في القطاعات الغابوية و السياحة البيئية، بالإضافة إلى مضاعفة القيمة التجارية للغابة المغربية، و التي من المتوقع أن تبلغ ما يقرب من 5 مليارات درهم في أفق 2030.

و لتحقيق هذه الأهداف، تعتمد الإستراتيجية على عدة روافع هيكلية، لا سيما تطوير سلاسل القيمة حول المنتجات الغابوية، و تعزيز المعالجة المحلية، و تعزيز مشاركة السكان المحليين، بالإضافة إلى إقامة رخص غابوية منتجة على مساحة محتملة تبلغ 120 ألف هكتار.

و في السياق ذاته، باشرت الوكالة الوطنية للمياه و الغابات وضع مخطط مديري للإستثمار يغطي كافة القطاعات الفرعية المرتبطة بالنظم الإيكولوجية الغابوية و الطبيعية.

و لا يقتصر هذا المخطط على المنتجات الخشبية و غير الخشبية فحسب، بل يدمج أيضا سلاسل ذات إمكانات قوية من قبيل تربية الأحياء المائية القارية، و الصيد، و القنص المستدام، و السياحة الإيكولوجية.

و يتمثل الهدف في هيكلة عرض مندمج و متنوع، كفيل بخلق القيمة المضافة و مناصب الشغل على الصعيد الترابي، مع ضمان التدبير المستدام للموارد الطبيعية.

و تندرج هذه المقاربة ضمن رؤية أكثر شمولية تروم إطلاق علامة حقيقية تحت إسم “طبيعة المغرب” (Maroc Nature)، و التي من شأنها أن تجعل المملكة مرجعا في مجال التثمين المستدام للفضاءات الطبيعية.

و تهدف هذه العلامة إلى توحيد كافة المبادرات المتعلقة بالسياحة الإيكولوجية، و المنتجات المجالية الغابوية، و الأنشطة المرتبطة بالطبيعة، مع ضمان معايير عالية من الجودة و الإستدامة و الأصالة.

من جهة أخرى، تنص الإستراتيجية على تحديث عميق للقطاع، من خلال رقمنة مسارات التدبير، وتعزيز تتبع مسار المنتجات الغابوية.

و في الختام، تعكس إستراتيجية “غابات المغرب 2020-2030” رؤية مندمجة و طموحة تروم جعل الغابة فضاء منتجا، و دامجا، و مستداما، في خدمة التنمية الإقتصادية، و التماسك الإجتماعي، و المحافظة على التراث الطبيعي الوطني.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.