الرئيسية | مقالات - عمود زاكورة بريس | شباب “الولكمان” والسراويل المسروبة
شباب “الولكمان” والسراويل المسروبة

شباب “الولكمان” والسراويل المسروبة

لقد اختمرت فكرة كتابة مقال عن الشباب في ذهني منذ الفترة الطلابية حيث صدمت بمظاهر غريبة لا تمت للمجتمع المغربي المسلم بأي صلة لكنها للأسف الشديد انتشرت بشكل سريع لم ننتبه إلا وهذه المظاهر قد غزتنا ولم نعد نعيرها اهتماما بحجة أنها أصبحت جزء من الثقافة المغربية والتي حسب البعض ازدادت غنا وتنوعا بدخول هذه المظاهر وتبنيها من طرف شريحة كبيرة من الشباب المغربي الذي يجهل ما يحمله مصطلح “الاستلاب الحضاري ” من معان عميقة ووصفا دقيقا لواقع الحال الذي أصبحنا نعيشه.
وأنا في طريقي من مدينة طنجة متجها نحو مدينة أكادير جلس الى جانبي شاب في العشرينيات من عمره واضعا سماعة “الولكمان” في أذنيه ينصت اليها بتركيز شديد ويدندن بين الفينة و الأخرى بكلمات لم أستطيع فهمها, وعندما حاولت الاقتراب منه ,تفطن الشاب الى فضولي الكبير لمعرفة أي نوع من الموسيقا هاته فمنحني إحدى السماعات ,وضعت السماعة في أذني ثم بدأت أنصت لعلي أصل الى الانتشاء الذي يشعر به جاري في الحافلة لكن الصدمة كانت كبيرة حيت الموسيقا الصاخبة والأصوات المتداخلة التي هي أقرب الى أصوات الحيوانات منها الى أصوات البشر ولكي لا أحرج الشاب تركت السماعة في أذني لفترة وجيزة ثم دفعتها الى صاحبها دون تعليق.
فأخلدت الى التفكير في الأسباب التي تدفع هؤلاء الشباب الى هذا النوع من الموسيقا الذي أخبرت فيما بعد أنه يحمل اسم “التك تونيك” فوجدت أن أهم الأسباب التي دفعت بهم الى براثن المجهول هو الفراغ القاتل الذي يعيشه أغلبهم, والخوف من المستقبل الذي أصبح الشغل الشاغل لكل شاب وشابة في عصرنا الحاضر, كما تعددت وسائل الاستماع والمشاهدة فمن “الولكمان” الى “م ب 3″ الى الهواتف الذكية التي تجاوزت الاستماع الى المشاهدة المباشرة ” للفيدوكلبات ” التي تركز على الصورة بدل الكلمة ,فغالبا ما تكون هذه الفيديوهات تتخللها مشاهد خليعة إباحية من تعرية متعمدة للصدور والنهود الى التغنجات المثيرة للغرائز بل في أحايين كثيرة الى تبادل القبل من طرف الراقصة والمغني واحتكاكات جسدية متعمدة والهدف من هذا كله هو الدفع بالشباب الى الانحلال الأخلاقي الذي يقود الى زوال المروءة والتركيز على منطقة أسفل البطن كمنطقة مركزية في الانسان بدل العقل وهذا كله يقود الى تقمص أخلاقيات حيوانية توحي بقرب زوال الأمم التي تتعايش مع هذه المظاهر دون خجل بحجة التقدم والحداثة.
كما تم التركيز على الجسد وجعله آلية من آليات التسويق الحديثة وذلك من خلال توظيف هذه الأجساد لشد الانتباه لمنتوج معين, فمثلا منطقة المؤخرة عند الإناث تم استغلالها بطريقة وقحة ,فالكثير من المرات قد يصطدم بصر المرء بمؤخرة فتاة مكتوب على سروالها الملتصق طبعا عبارات بلغات أجنبية وعلامات لشركات بعينها فمثلا قد تجد:
” تستطيع. Tu peux ” ” لا تلمسني أو don’t touche me” فقط جربه أو just do it
وهذه عبارات ” مفخخة ” يقصدون بها جذب النظر الى المنتوج من خلال المنطقة الحساسة لهؤلاء الفتيات وذلك للبطالة التي أصبح يعيشها أغلب الشباب فاتخذوا الأزقة والشوارع أماكن لمعاكسة هؤلاء الشابات اللواتي يساهمن بشكل أو بآخر في بيع منتوج شركة ما بطريقة أو أخرى كأنهن لوحات إعلانات دون أن يشعرن أنهن مستغلات استغلالا تجاريا انتهك حرمة الأجساد وجعل أنوثة هؤلاء الفتيات مبتذلة وأعدموا بذلك الجانب الانساني والروحي لفتياتنا مقتصرين على الجانب الغريزي الذي يشتركن فيه مع الحيوانات وهذه رسالة واضحة لمن يهمهم الأمر من علماء ومربون وأساتذة وأمهات وأباء شغلتهم الدنيا بزخارفها ونسوا المسؤولية الملقاة على عاتقهم.
دون أن أنسى دور قنواتنا العمومية المهترئة والمسوقة لعادات الغرب الفاسدة والتي بدأت منظمات غربية نفسها تدعو الى تجاوزها والرجوع بمجتمعاتها الى المسيحية وأخلاقياتها القديمة التي كانت تنفر من هذه السلوكيات المشينة التي انتشرت فيهم بفعل المدنية المادية الهوجاء التي حاربت الأخلاق بحجة الرجعية والتخلف.
فما المقصود إذن من استعمال عبارة “فقط جربه” ما الذي سيجرب هنا هل السروال أم شيء آخر؟ أو عبارة ” تستطيع”, أستطيع فعل ماذا ؟ أو عبارة ” لا تلمسني” هذه دعوة صريحة للمس وليس العكس.
بل الأدهى من ذلك أن تصاحب هذه العبارات بسلوكيات غريبة يعتقد الفتيان والفتيات أنها رمز الحضارة والتحضر ودليل قاطع على القطيعة التامة مع ماضي آباءهم المتخلفون حسب زعمهم ألا وهي السراويل ” المسروبة ” ,حيث يعمد الشاب الى منطقة الحزام ويوسعها حتى ينزلق السروال قليلا يمكن الشاب من إظهار جزء من مؤخرته للناس وهذا لو اقتصر فقط على الذكور لقلنا ربما الهرمونات الأنثوية عند بعض هؤلاء الذكور تفوق بكثير الهرمونات الذكورية مما يجعلهم يتصرفون تصرف الإناث الغير السويات بإظهار المفاتن لإغواء الرجال لكن أن ترى الظاهرة منتشرة في الإناث بدورهن فهذا ما يجعل المرء يضع رأسه بين يديه ويندب حظه العتر, إذ لم يقتصرن فقط على السراويل الملتصقة والشفافة بل تجاوزنها الى إظهار منطقة الجذب ” المنطقة الممغنطة “, إنها الحرية الفردية, والاستقلالية الذاتية ,جسمها وهي حرة فيه كما يقولون… وهذه حرية عجيبة جدا في زمن الانحطاط الأخلاقي.
ويتناسين أنهن بتصرفهن هذا يمارسن عنفا معنويا خطيرا على الرجال والشباب الأسوياء الذين يترفعون عن الوقوع في الفواحش ويدفعن بشريحة كبيرة من الذكور الى البرود الجنسي والكبت النهائي بفعل هذه الأجساد العارية ,ومع هذا كله يطالبن بقوانين تحميهن من التحرش الجنسي ويتناسين أنهن السبب الحقيقي لهذا التحرش ,فمن سيحمي هؤلاء الشباب من الأمراض النفسية والعضوية التي يصابون بها بسببهن… ؟ من سيسن قوانين تجرم العري وتعاقب عليه في المناطق العمومية والخاصة…؟ أم أن تعرية الأجساد حرية ,والمطالبة بتغطيتها ليست بحرية…؟ نعم الجسم جسمك لكن عندما تتعرين فأنت تتجاوزين حدود حريتك لتدخلين في حرية الآخر الذي يرغب في حفظ ذاته من الوقوع في الفواحش والموبقات.
وعندما بحثت عن السبب الحقيقي في ظهور “عادة ” السراويل ” المسروبة ” عند كلا الجنسين وجدت أنها رغبة الشواذ الجنسيين والمثليين في إظهار طقوسهم وجعل المجتمع يتعود عليها وتصبح غير مستهجنة من طرف شريحة كبيرة من هذا المجتمع لينتقلوا الى الممارسات العلانية لأمراضهم ونزواتهم المرضية, وهذا الكلام لا يعني أني أتهم كل من يرتدي سروالا ” مسروبا ” على أنه مثلي أو شاذا جنسيا وإنما هناك الكثير من الشباب غير واعين بتصرفاتهم يتبنون كل ظاهرة جديدة دون تمحيص في أهدافها الحقيقية ومن يقف وراء انتشارها الفعلي.
فلنتخيل أن المغرب قد هوجم من طرف عدو خارجي أراد استعمار بلدنا الحبيب, هل سندافع عن هذا الوطن بشباب بدل من أن يضع يده على السلاح دفاعا عن الوطن يضعها على مؤخرته مخافة أن ينزلق سرواله ؟ أم سندافع عنه بفتيات لا يعرفن إلا أسامي العطور و” المكياجات ” والفنانون والفنانات ,ولا يتقن إلا التدافع على الممثل الفلاني أو المغني العلاني التقاطا للصور وتبادلا للقبل..؟
لكم الحق أن تتساءلوا عن السبب الحقيقي الذي أدى الى هذا المستوى الأخلاقي المنحط لشبابنا ,فأهم سبب حسب رأي المتواضع هو الابتعاد المخيف عن الكتاب ,لوكان الشباب يدمنون القراءة كما يدمنون هذه الظواهر الخبيثة لكنا في مصاف الدول المتقدمة – والتقدم الذي أقصده هنا هو التقدم المعرفي والبحثي في جميع الميادين – ولعرف هؤلاء الشباب المكمن الحقيقي للتنافس ولكن عندما غاب الكتاب غاب المنطق وحلت محله الفوضى الأخلاقية التي لا ينكر عاقل أنها السبب الحقيقي لزوال أمم عظيمة عبر التاريخ, ومن درس التاريخ دراسة موضوعية دون عصبية أو ميل سيجد أن الأخلاق هي من ذهبت فذهبت الأمم بعدها.
كما أن مناهيجنا التعليمية تفتقر الى الحس الإبداعي الذي يمكن أن يدفع شبابنا الى الابتكار والبحث في مجالات علمية تقود الى التقدم الذي نرجوه لوطننا والابتعاد بهم عن هذه الظواهر الخبيثة, إذ أن أغلب المتخرجين هم عاجزون عن ابتكار آليات ذاتية تمكنهم من اكتساب قوت يومهم ,بل إن الكثير منهم يترفعون عن مزاولة مهن وحرف بحجة أنها لا ترقى الى مستوى شواهدهم الجامعية والتي يعلم الجميع أنها لا تعبر دائما عن المستوى الحقيقي لهؤلاء المتخرجون, فهم يفضلون دفن أعمارهم أمام البرلمان على مزاولة حرفة تغنيهم عن مد اليد للآباء وهم قد بلغوا سن الثلاثين أو تجاوزوها.
فيا أيها الشباب ألم تحن بعد لحظة الرجوع الى الذات واستوعاب المتغيرات التي يعرفها العالم من تسارع رهيب في الأحداث وتدفق غريب للمعلومات, ألم نفهم بعد أن التقدم الحقيقي يجب أن ينطلق منا والينا ,ألم تعلموا أننا أمة لنا رصيدنا الحضاري الضارب في عمق التاريخ, الى متى سنضل فئران لتجارب الغرب, فمرة يجربوا فينا الأدوية ومرات يعرون نسائنا وشبابنا باسم الموضة, ومرات عديدة يسرقون نقودنا بالفوائد المجحفة التي يفرضونها على مسؤولينا المنبطحين والمتذللين للمؤسسات المالية العالمية ,ألم نكن في فترات تاريخية من أعظم حضارات العالم في العلوم الاقتصادية , الاجتماعية ,الفلسفية و في الجوانب العسكرية ما الذي أصابنا حتى أصبحنا متمسكين بذيول الحضارات الغربية المادية المنحلة من الأخلاق والقيم والمثل العليا.
أيها الشباب أليست لنا لغاتنا المحلية من عربية وأمازيغية وحسانية ولغة دارجة ,لماذا لا نرجع الى هذه اللغات الراقية لنعبر بها عن كوامن نفوسنا ,لماذا لا يرجع كل فرد في المجتمع المغربي الى ثقافته الأصلية والأصيلة من جلباب و دراعية وقميص وملحفة ومن أهازيج أحواش ,أحدوس, الكدرة , الكتار, وأهازيج أخرى, الى متى سنضل نفتخر بلغة الآخر وببدلته و أهازيجه بينما لنا عناصرنا الثقافية التي تميزنا عن هذا الذي نقلده كالببغاوات, أيها الشباب لماذا لا نبحث عن الأسباب الحقيقية للنهوض الحضاري الذي ميز أمتنا في فترة تاريخية ما بدل تقليد أعمى للمنحطين والفساق الغربين الذين لا يخفون هدفهم الحقيقي وراء دفعنا الى تقمس أخلاقياتهم البهيمية.
أيها الشباب إننا جيل ماض ,راحل ومرتحل بدأ يترك مكانه لجيل آخر, ,فلنقارن تركة جيل المهدي المنجرة, محمد عابد الجابري ,طه عبدالرحمان, العروي ,أحمد الريسوني, محمد تقي الدين الهلالي ,فريد الانصاري, المقرئ الادريسي أبوزيد ,فاطمة النجار وآخرون, بتركة جيلنا نحن ,هل هناك مجال للمقارنة… ؟ أعتقد جازما أن لا مجال لذلك إذ هؤلاء العظام تركوا لنا ثروة معرفية عظيمة لو أعطيناها حقها من التأمل والدراسة لعاد لهذه الأمة بصيص من الأمل في النهوض الحضاري الذي نرجوه لها.. فيا أسفاه على جيل ورث مؤخرات, صدور, بطون و أفخاذ عارية للأجيال القادمة.

العبضلاوي عبدالله: تقني متخصص في تدبير المقاولات
Elabdellaoui.abdellah@gmail.com

2 تعليقات

  1. السلام عليكم استاذ احييك تحية اخلاص على الموضوع القيم حيث اتضح لي المنظور والمقاربة الشمولية والواقعية في عرض مشكلة اجتماعية تخص اهم نخبة داخل المجتمع(الشباب..)

  2. tbarklah 3lik kantmnaw tl9a odon saghiya

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>

Current ye@r *

إلى الأعلى