يشكل الإعلام العمومي في جوهره منبرا موجها للمجتمع، و أداة استراتيجية لتنوير الرأي العام، و مواكبة التحولات الوطنية و الدولية، و الدفاع عن القضايا الكبرى للوطن. غير أن الصورة التي ترسخت لدى فئات واسعة من المتتبعين تكشف مفارقة مقلقة بين الأدوار المنتظرة و الواقع الممارس، حيث أضحى هذا الإعلام، في كثير من تجلياته، أسيرَ هيمنة متحكمين تعاقبوا على تدبيره لسنوات طويلة، ما جعله عاجزاً عن مواكبة الإصلاح المنشود.
لقد أفرزت سنوات التدبير المغلق نوعا من “النخب الإدارية و الإعلامية الثابتة” التي رسخت منطق الولاءات بدل الكفاءات، و حوّلت بعض مفاصل الإعلام العمومي إلى مجالات نفوذ يصعب اختراقها. و مع مرور الزمن، لم تعد هذه الهيمنة مجرد اختلال عابر، بل تحولت إلى بنية قائمة الذات، تعيد إنتاج نفس الوجوه، و نفس العقليات، و نفس أساليب الاشتغال، بما يحدّ من أي نفس تجديدي أو إصلاحي.
إن أخطر ما في هذا الواقع لا يكمن فقط في تعطيل دينامية التطوير، بل في تحويل الإعلام العمومي إلى فضاء محافظ، متردد، يفتقد الجرأة التحريرية و القدرة على المبادرة. فحين يهيمن منطق التحكم، تتراجع روح الإبداع، و يُقصى أصحاب الكفاءة، و تُجهض المشاريع التحديثية قبل أن ترى النور، لأن أي إصلاح حقيقي يُنظر إليه كتهديد لمراكز النفوذ القائمة.
كما أن استمرار نفس المتحكمين في صناعة القرار الإعلامي لسنوات، دون ربط فعلي للمسؤولية بالمحاسبة، جعل مؤسسات الإعلام العمومي تدور في حلقة مفرغة، حيث يتم تكرار نفس الاختيارات البرامجية، و نفس المقاربات الاتصالية، رغم التحولات العميقة التي يعرفها المجتمع و وسائط التواصل الحديثة. و هو ما ساهم في اتساع فجوة الثقة بين المواطن و إعلامه العمومي.
إن نقد هذه الوضعية لا يستهدف الأشخاص بقدر ما يسلط الضوء على منطق تدبيري أصبح متجاوزا. فالإصلاح الحقيقي يمر عبر تفكيك بنية التحكم، وفتح المجال أمام التداول على المسؤولية، و ضخ دماء جديدة مؤهلة مهنياً و قادرة على حمل مشروع إعلامي حداثي. كما يقتضي إرساء حكامة شفافة تجعل من الكفاءة معياراً وحيداً للترقي و تحمل المسؤولية.
و لا يمكن للإعلام العمومي أن يتحول إلى قوة إيجابية داخل المجتمع، أو إلى سلاح ناعم في مواجهة الحملات المعادية، إلا إذا تحرر من هذه القيود البنيوية. فالمعركة اليوم ليست فقط معركة مضمون، بل معركة تدبير و رؤية. إعلام تُدبره نفس العقليات لعقود، لا يمكنه أن ينتج خطابا متجددا أو أن يكسب رهانات التأثير داخلياً و خارجياً.
إن الرهان المطروح يتمثل في الانتقال من إعلام تتحكم فيه دوائر مغلقة، إلى إعلام عمومي مواطن، منفتح، تعددي، يضع مصلحة الوطن فوق كل اعتبار، ويجعل من الكفاءة و الابتكار أساس شرعيته. حينها فقط يمكن لهذا الإعلام أن يستعيد ثقة المجتمع، و أن يؤدي أدواره كاملة كرافعة للتنمية، و درع للدفاع عن القضايا الوطنية في زمن تتعاظم فيه حروب الصورة و الخبر.