الرئيسية | مقالات - عمود زاكورة بريس | عندما يتنازل الإنسان عن حريته يتنازل عن إنسانيته

عندما يتنازل الإنسان عن حريته يتنازل عن إنسانيته

سعيد بن هرة

بدأ جان جاك روسّو كتابه الذي طرح فيه رؤيته للحكومة والمجتمع، والذي انبثقت منه كثير من المبادئ الإنسانية في العالم ب وُلِدَ الإنسان حُرّاً إلا أنه في كل مكان مُكبّل بالأغلال.
لقد كان عصر روسو، أو ما يعرف بعصر التنوير، الذي سبق قيام الثورة الفرنسية عام 1789، عصراً مليئاً بالرؤى السياسية والأفكار الفلسفية التي انطلقت منها مبادئ حضارية كثيرة أُسست عليها الأنظمة الديمقراطية في أوروبا وأميركا. ولقد ساهم وجود نخبة من الفلاسفة والمفكرين في تلك الفترة، في إيجاد حراك سياسي ورؤى فكرية عميقة، نقلت الشعوب من الفوضى إلى الاستقرار.
إن الدولة التي تقوم على المعرفة تدوم طويلاً، وذلك لأن أركانها تُبنى على قواعد صلبة، ولا يمكن إيجاد تلك القواعد دون مفكرين ومثقفين يرصفون الطريق الصحيح لقيامها، ويدلّون شعوبها على الطريقة المُثْلى لفعل ذلك. لقد كان تأثير بضعة رجال حُكماء كفيل بقيام ثورتين تاريخيتين، الأميركية ومن ثم الفرنسية، اللتان كانتا نقطتي تحول في التاريخ الحديث، ومناط تغيير لمسيرة التاريخ الإنساني. فالثورات التي تنبثق من عقول الفلاسفة، خير من الفلسفة التي تنبثق من عقول الثوار، ولذلك فإن الثورات المُشتتة التي لا تدري ماذا تُريد تذبُل بعد انتصارها، وغالباً ما تأتي فئة من أصحاب المصالح لتقتات على دماء الشهداء الذين راحوا ضحايا في تلك الثورات، وتخطف جهود الشعوب الثائرة قبل أن تقطف الشعوب ثمار ثوراتها.
فمفهوم الإصلاح ليس بالضرورة أن يكون في وجه الفساد، فالإصلاح مذهب حضاري وممارسة عصرية تمتهنها الحكومات بغض النظر عن مستوى الفساد في دولها، والإصلاح لا يُمارس للقضاء على الفساد فقط، ولكن لتفاديه، وللارتقاء بمستوى المؤسسة السياسية في أي دولة. وهنا يفصل روسو بين الدولة وبين السلطة، فالسلطة جهاز تنفيذي يُشكل إحدى مكونات الدولة إلى جانب المواطنين والمجتمع، ولذلك تعتبر الدولة مقدسة أما الحكومة فإنها ليست كذلك.
لقد ساهمت أفكار فلاسفة عصر التنوير في تأسيس بنية تحتية للفكر الإنساني في أوروبا وأميركا، إلا أنه على الرغم من وجود تلك الكوكبة من المفكرين والسياسيين والقادة الإصلاحيين، إلا أن الثورات لم تأتِ أُكُلها إلا بعد عشرات السنين، حيث أن المعرفة تحتاج إلى وقت كي تُختزل، وتُفهم، ومن ثم تُوضع حيّز التنفيذ. وهذا يدعونا إلى التساؤل عن مصير الثورات التي تندلع في الشرق والغرب دون وجود منظرين ومفكرين ورؤى تخرج بتلك المجتمعات الثائرة من أنفاقها المظلمة، وتمدها بالمكوّنات الضامنة لنجاحها، فلقد أثبتت السنوات الماضية بأن الثورات غالباً ما تكون عاطفية إن لم تتقدمها مبادئ حضارية، تنقلها من قلوب الناس إلى عقولهم ومن ثم إلى أيديهم.
يقول روسو عندما يتنازل الإنسان عن حريته يتنازل عن إنسانيته.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>

Current ye@r *

إلى الأعلى