مكتبة تمكروت

مكتبة تمكروت

حسن الوزاني - جريدة العرب

الكتاباتُ التاريخية تختلف حول فترة تأسيس مكتبة تمكروت، ذلك لأن كل شيوخ الزاوية الناصرية ساهموا، ابتداء من القرن السابع عشر، بشكل أو بآخر، في مسار تأسيسها وتطويرها.

زرتُ قبل فترة مكتبة تمكروت الكائنة قرب مدينة زاكورة، جنوب المغرب. الساعة التي قضيتُها هناك لم تكن بالتأكيد كافية للاطلاع على ذخائر المكتبة، غير أنها كانت كفيلة للاقتراب من وضعية مكتبة آيلة للزوال، وهي التي ظلت طيلة قرون من بين أهم المكتبات بالمغرب والعالم الإسلامي.

الكتاباتُ التاريخية تختلف حول فترة تأسيس مكتبة تمكروت، ذلك لأن كل شيوخ الزاوية الناصرية ساهموا، ابتداء من القرن السابع عشر، بشكل أو بآخر، في مسار تأسيسها وتطويرها، بشكل تبدو معه المكتبة كما لو أنها جزء من مسار كل واحد منهم. فأبوعبدالله ابن ناصر قضى جزءا من عمره في جمع واستنساخ المخطوطات التي شكلت اللبنة الأولى لرصيد المكتبة. أما أبوالعباس ابن ناصر فقد جلب مئات المخطوطات من مصر. بموازاة مع ذلك، حرص أبوالعباس على تنظيم المكتبة، حيث عمل على تصنيفها وترتيبها حسب المجالات المعرفية، جاعلا لكل مجال علامة تميزه. وهو الأمر الذي قد يبدو سابقا على ظهور التصنيفات المكتبية الحديثة، بما فيها التصنيف العشري الذي أطلقه الأميركي مليفيل دويوي سنة 1867، والذي يعتبر الأكثر تداولا إلى حدّ الآن.

في نفس السياق، حرص محمد بن عبدالسلام الناصري على جلب عدد من المخطوطات أثناء رحلته إلى إستانبول، ومنها كتاب “الكمال” للحافظ عبدالغني المقدسي. وفعل ذلك أيضا غيرُه من شيوخ الزاوية أثناء رحلاتهم إلى مكة والمدينة ومصر وتونس. مكتبة تامركوت استفادت أيضا، سواء من أرصدة عدد من المكتبات الخاصة، ومنها مكتبة أبي الحسن الدمناتي، أو من المخطوطات التي كانت موقوفة على الزوايا الفرعية التابعة للزاوية الناصرية، ومنها زوايا فاس والرباط وتطوان. والنتيجة أن مكتبة تمكروت انتقلت من بضعة مخطوطات، فَضّل مؤسسُ المكتبة أن يضعها، حسب محمد المنوني، على الحصير الذي كان قد أهدِي له ليفترشه لنومه، إلى مكتبة تملك الآلاف من نفائس المخطوطات المغربية والمشرقية.

المكتبة ستعرف تراجعا مع مرور الزمن. حيث انحصر عدد المخطوطات في 4200 عنوان بداية السبعينيات، وهو الرصيد الذي توفق الراحل محمد المنوني في فهرسته.

العددُ الحالي أقل بكثير، فبالإضافة إلى حوالي الألف عنوان لمخطوطات حُولت إلى الخزانة العامة بالرباط، يبدو أن هناك ذخائر أخرى قد تم تحويل اتجاهها إلى عدد من البيوت الخاصة. أما المخطوطات النفيسة المتبقية فقد تُركت لمختلف عوامل التلف. فالقاعة التي زرتها تبدو كمستودع لا يملك أدنى شروط حفظ مخطوطات يعود عمرها إلى مئات السنين. ويبدو من العاجل ترميم رصيد المكتبة ورقمنته.

على الأقل كي لا تندم أرواح شيوخ الزاوية على إخفائهم مخطوطات المكتبة وراء الحيطان خوفا من وصول أيادي سلطات الاستعمار إليها. ربما كانت الأيادي تلك ستكون أكثر عناية بها.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>

Current ye@r *

إلى الأعلى