أيها الفايس …؟

أيها الفايس …؟

عبد الكريم أيت علي

 ما أنت أيها الفايس …؟

وماذا فيك من سحر يأسر العيون والألباب ؟ 

  أنت كوة ضيقة … ولكن إطلالة من نافذتك تغرر بالفضوليين فتقودهم الى التيه في ساحاتك التي لا تنتهي …

  أنت صفحة يسطع منها النور … ولكن نورك خيوط تنسج شراكا يجلب التائهين كما يتهافت الفَراش وباقي الحشرات الليلية الى مصدر الضوء فما يزال يحوم حوله بحثا عن منفذ الى عالم مجهول حتى يسقط صريعا من التعب أو يحترق من اللهب ، فتظل أنت عنيدا ترمقها بعينك التي لا يرف لها جفن …

  أنت جدول صغير يسيل منسابا بلا قيود …مياهك اللامعة الرقراقة تُسيل لعاب الظمآى لشرب غَرفات من ينبوعك المتدفق وتغري هواة السباحة للاستمتاع بنعومة منظرك، لكن صفاءك الظاهر وملمسك الناعم يضمر من القاذورات والسموم والمخاطر ما يهيج في نفس عشاقك الشعور بالغثيان ويورث الطامعين في اللجوء إليك تيها وضياعا .

نعم أنت جدول صغير هادئ لمن يرى سطحك الأزرق الشفاف ،ولكنك في الحقيقة بركان وزلزال متدفق هادر …

  أنت سوق عالمي مشترك …أبوابك مُشرعة على مدار الساعة ، يلجأ اليك الرجال والنساء الكبار والصغار ،الغني والفقير ، العالم والمتعلم ،الوجيه والوضيع ، الفقيه والعامي… في ساحاتك يتسابق التجار والصناع والزهاد والفساق والمنافقون والمفلسون والسماسرة لعرض منتوجاتهم وسلعهم … أرباحهم من ذلك ما يجمعونه من “لايكات” أو ما يغنمونه في بورصة “التقاسم”…فمن تعجل منهم اكتفى بالنزهة ثم يطوف طواف إفاضة قبل الوقوع في حبال دردشة “شات” ذات شجون …،أما طائفة أخرى من المداومين فقد استمرأوا جوارك فتسمروا على طول الدهر لا يبرحون أماكنهم فكأنما انت وهُم وجْهان لعملة واحدة .

 أنت “حمَّادُ” العصر لنقل الأخبار ونشر الإشاعة … مزجت الجد بالهزل والصدق بالكذب والخرافة بالحقيقة ،غير أن “حمادا” ينظُم الأشعار وينتحل الأخبار فينسبها لغير صاحبها تعظيما ومروءة أما أنت فافتراءاتك مكشوفة تفضحك تكاد تصرخ في وجهك : يا كذاب …

   أنت أكبر ساحر عرفه الكون ….بحق نوافذك العديدة ومدخلاتك ومخرجاتك التي لا تنتهي ، بحق ملايين المشتركين، الأحياء منهم والأموات ،بحق الشبكة التي تنتعش بها ، بحق قوة الصبيب… قل لي عن الكيمياء التي ترفع بها الوضيع الى مرتبة الاولياء الصالحين وتضع بها الرفيع الى حضيض الشياطين المارقين … قل لي عن طبيعة المادة السحرية التي تميت بها الهمم وتحيي بها الرمم : صنعت جيلا من أشباه المحترفين في كل المجالات والفنون من العدم …كم كائناتٍ لم تكن شيئا مذكورا امتطت صهوة موجاتك فأضحت قدوة في العصامية والنجاح ،…كم عيِـي تتلاطم الحروف والكلمات بين شِدقيه قبل أن تخرج معاقة مشلولة ،أصبح بفضلك وفي ساحتك فارسا في الفصاحة والبلاغة لو سمعه “سحبان وائل” لسلم له قياد اللغة … كم متهورٍ جاهلٍ طائشٍ قد فُصِّل له  قوله تعالى :” (إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّناً وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ) النور:15/ ، فُصِّل له تفصيلا عجيبا ، ثم يُطل علينا من نافذتك يدعو الى الزهد والنسك حتى ليخيل إلى المتسوقين أمثالي أنهم في حضرة شيخ محنك رصين يقطر فمُه حكمة و هداية …    

كم جبانٍ رعديد يقفز قلبُه الى حلقه لسماع صوت قط أليف أو لرؤية أفعى مائي لطيف، قد امتشق سيفَه يحارب أعداء غير موجودين إلا في أعماق أعماق شعوره ، يقصم ظهر هذا بتعليق يقطر سُما ويقطع رأس هذا بالتخوين، وقد يدُك حصون هذا أو ذاك بصور “الفوتوشوب” لإخراج محضر الإدانة إخراجا لا مفر بعده من الاعتراف بأفعال لم تقترفها يداه ولم تسعَ إليها رجلاه… ثم يأوي الى فراشه في آخر الليل ،متوجا ببعض “الــلايكات” توهِمه بالنصر في معارك بيضاء ،لا فلسطين حررت ولا في تنمية الوطن ساهمت …

كم أمةٍ ركنت الى الخنوع واستسلمت لقضاءٍ صنعتْه أقبيةُ السجون والتعذيب فاستكانت في سبات عميق والجلاد فوق جثتها يشرب نخْب هزيمتها …فكنتَ أنت أيها الفايس الشرارة التي أشعلتْ بركانها إذ نفختَ فيها من روحك ،فانطلقت كطوفان هائج يحطم كل الحدود ويكسر كل القيود … كشفتَ عورة الطغاة فاهتزت أركانهم وتساقطت حصونهم عند أول هبة ،كأوراق الخريف ،فمنهم من هرب ومنهم من قُـتل ومنهم من أظهر الورع فانحنى للعاصفة واشترى أمنه بدريهمات ،ومنهم من بقي متمسكا  بأهداب عرش يترنح في انتظار طوق نجاة …

  أنت الحاضر الغائب في كل مجلس … أنت الرقم الزوجي لكل عدد فردي… فرقت بين الجليسين بجدار من الصمت الرهيب ،وأنت لا تكف عن الصراخ كطفل صغير يأبى الفطام … صوتك خفي ولكنه قوي ساحر جذاب ،يسمعه صاحبك فيُلبي نداءك كما تهـرول الأم إلى إرضاء رضيعها فلا تبالي بمن حولها… ولكن بأي خيط وبأي ميثاق جمعت و ربطتَ بين شخصين التقيا على ضفتيك بنقرة “إضافة”/Ajouter فنمَت حولهما ظلال محبة لم يذق طعمها قيس رغم هُـيامه المجنون بليلى ؟

  لقد أعطيتَ أيها الفايس للحب معنىً آخر ، معنى الجفاء والبرود يخيم على علاقاتنا بمن يدب حولنا ، والتعلق والهيام ب”مجسمات” افتراضية تنشط خيالاتنا في رسم ملامحها … أفرغت المشاعر من كل قيمة ودلالة حين رمزت الى الإعجاب بإبهام منتصب إلى أعلى ( ) ، فلا نجد حرجا في النقر على هذا الرمز لكل ما يُـنشر ،ولككنا نستشعر الحرج كل الحرج لنشكر أو نمدح من يعيش معنا أو بيننا على عمل جليل أنجزه .

ولكنك أيها الفايس :

أنت صوت من لا صوت له …

أنت حبل غسيل عمومي …

أنت الملاذ الأخير لمن أوصدت في وجهه الأبواب …فرفقا بضيوفك قبل أن تنضاف “متلازمة فايس بوك” الى لائحة أمراض العصر .  

4 تعليقات

  1. انت ايها الرجل العبقري لطفا بجيل الغد الافضل الا تجد في الفيس لغزا محيرا ويقرب الاصدقاء من كل زمن

    • شكرا على المرور الطيب ، هو فعلا سبب للتلاقي ولكن بقدرما كان ملتقى للاصدقاء بقر ما زاد الهوة اتساعا بين أهل البيت الواحد …

  2. ـأوفيت و كفيت بكلماتك الصادقة و عمق تحليلك لما يدور و يجري بالفايس بوك …خلاصة القول أنه مع انتشار وسائل الاتصال و كثرتها انعدم التواصل ….

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>

Current ye@r *

إلى الأعلى