الرئيسية | مجتمع | ربورتاج: العرس في زاكورة – سبعة أيام من الفرح بالبساطة والتضامن
ربورتاج: العرس في زاكورة –  سبعة أيام من الفرح بالبساطة والتضامن

ربورتاج: العرس في زاكورة – سبعة أيام من الفرح بالبساطة والتضامن

لتنقل صورة أصلية عن العرس الزاكوري، فأنت ملزم بالتجرد من قبعتك الصحفية وارتداء الجلباب على الطريقة المحلية؛ ليتأتى لك الاندماج الكلي وتعيش تفاصيل بضعة أيام من البساطة والتضامن والفرح؛ تم الإعداد لها طيلة سنة أو يزيد. فكما يقول المغاربة «زواج ليلة تدبيرُه عام»، فمهما سبق لك أن حضرت من الأعراس سيبدو لك كل شيء هنا مختلفا عن كل ما قد تكون شاهدْتَه أو سمعت عنه.

البساطة في كل شيء
سكان زاكورة، أناس تشرَّبَتهم البساطة حتى أصبحوا منها وأصبحت منهم، مع كثير من الجود والحفاوة وحسن الضيافة.. هم جزء من أهل الصحراء الشرقية المعروفين بمعقوليتهم وحسن أخلاقهم، فلا تكادُ تمر عبر أزقة «الكَصْر» أو «القصر» إلا وتجد من يبادرك بإلقاء التحية، مع كثير من الحشمة والتقدير والوقار، أو من يدعوك لشرب كأس شاي أو إلى طبق تمر ولبن.من بين الأمور التي قد تشدك وتثير انتباهك؛ شدة حُب أهل زاكورة للمواويل والأهازيج والرقص «الرُّكبة، الصْقَل، الهرمة، الرسمة… فهم أناس يُجيدون نظم القصائد والأبيات النثرية نساء كانوا أم رجالا، حتى أن أطفالهم يتعلمون ويحفظون الشعر ويتدربون على الرقص. ولعل هذه الصورة تعكس طريقة انتقال هذا التراث من جيل لآخر لعدة عقود أو ربما لقرون دون أن يندثر هذا النوع من الرقصات على الرغم من عدم وجود مدارس خاصة لحفظه، أو حتى كتبا تضم بين دفتيها تلك الكلمات، فهو تراث وعلم يوجد في الرأس ولا أثر له في الكراس، اللهم بعض ما يخطه بعض شباب اليوم المولعون بتلك الفنون.
صفوف «الركبة»..
«وكسا أها سْكِي أها .خُويا أها سْكي أها لعب أها سكي «.. هي كلمات يرددها رئيس الفرقة أو ضابط الإيقاع كمثل السمفونية الناظمة لعزف أُوركِسترا كبيرة مكونة من صفَّين مُتقابِلين، وهي عبارات تصدر عن ضابط الصف وتعلم الأعضاء بالرفع من الإيقاع أو الاستعداد لبعض حركات القفز أو الانحناء أو لإعلان النهاية أو الدخول للرقص بين الصفين إلى غير ذلك من الإشارات.. ولعل في وُقوفِهم واصْطِفافِهم ذاك تَماهٍ مع صفوف وواحات النَّخيل الباسِق المُحِيط بهم من كل جانب، ذلك النخيل الذي ضرب جزءا كبيرا منه مرض فتاك اسمه «بايوض» وسط عيون مسؤولة كثيرة اختارت موقف المتفرج كما هو شأن من يتابع رقصات أولئك المبدعين من أهل وضيوف الفرح، يصعب على الحب لوحده أن يفسر العلاقة التي تربط ساكنة زاكورة مع نهر درعا مثلا أو مع النخلة، فالنخلة هناك ليست فقط مثالا للمؤمن الذي يرشق بالحجارة فيلقي الثمار؛ وما أكثر الحجارة التي ضربت ساكنة زاكورة، بل إن النخلة تعني الشموخ مع الصبر تعني الفقر مع الشجاعة .. ويكفي القول أن النخلة هناك منها حطب التدفئة ومنها تجنى الثمار ومن سعفها تعدل الحصائر و»الشواري» (شيء يوضع فوق الحمار وهو من كفتين واسعتين ويتسع لحمل أمور كثيرة)، ومن أغصانها يصنع الجدار الواقي للحقول من زحف الزواحف والرمال وبعض بني البشر أيضا. من النخلة تصنع الأعمدة التي بها يتم تغطية المنازل والبيوت ومنها أيضا تصنع وسائل لتنظيف الأواني وتحل محل «الجيكس»، منها أيضا تصنع روابط الحيوانات الأ ليفة وكذا أماكن وضع العلف لها كل هذا دون أن يعني ذلك وضع حد لحياة تلك النخلة الشامخة شموخ قومها الذي يصعب تعداد جراحهم في أماكن أنهكت وأذابت حرارتها صبر وقدرة تحمل الكثيرين، فقرروا الهجرة مكرهين لا أبطالا؛ أملا في نيل حظهم من ثروة وطن ما تزال متعثرة في الوصول إليهم كاملة غير منقوصة.
مولاي السلطان وركوب الخيل
بحضور «لوزير»
انطلاقا من بيت العريس مرورا بساحة عمومية تسمى «النوادر» وصولا إلى وادي درعة الذي يمر على أقل من مرمى حجر من دوار السفالات بقيادة تمكروت إقليم زاكورة ، يعمل «لوْزير» وهو اسم يطلق على مساعد العريس وساعده الأيمن الذي يرافقه لمدة 15 يوما؛ حاملا سيفا في غمده طيلة تلك المدة بما يرمز له السيف من معاني. الوزير يعمل على مساعدة «مولاي السلطان»، وهو العريس طبعا ولا أحد يتمتع بذلك اللقب بتلك الدواويير خارج إطار دخوله غمار الحياة الزوجية، هنا يساعده وزيره على امتطاء صهوة جواده وقيادته إلى حدود الساحة التي تتوسط «كَصر السفالات». مع ترديد أهازيج تحترم خصوصية اللحظة.
يتحرك موكب العريس المُلثم وهو بكامل أناقته مرتديا جلبابا أبيض وسلهاما أسودَ؛ مع رمانة صغيرة وحبتي لوز في نهاية «القُب»، مرفُوقا بجو احتفالي بهيج، فلا صوت يعلو فوق أصوات الأهازيج والأغاني المحلِّية ذات الحُمولات المَليئة بالحِكمة حينا وبالغزل حينا آخر.
وسط الساحة يتوقف الموكب، ليقوم الرجال بتشكيل صفَّين مُتقابلين وترديد مواويل وأهازيج متبوعة بحركات منتظمة للأرجل والأيدي لا تخطئها العين، ومُتوَّجة بـ»زغاريد» النسوة مُعلنات عن إعجابهن برقصة «الرُّكبة»..
رشق العريس بالحجارة
من الظواهر الغريبة وهي ليست وحدها بهذه الأعراس خاصة القروية منها؛ فترة رشق العريس بالحجارة والتي تتم مساء يوم الأربعاء بعد فقرة تسمى «طلاء الحنة» حيث يتم فيها وضع شيء من حناء على رأس العريس، وبعد ذلك تأتي فقرة هو مطالب فيها؛ كما فعل أبوه وجده وجد أبيه؛ بأن يطلق ساقيه للريح وأن يجيد المناورة وحماية رأسه من الحجارة الصغيرة والطوب، يساعده في ذلك ما يسمى «بالوزير» ويكون شابا أو طفلا، المهم أن يصغر العريس بسنوات، ويقوم بعملية الرشق بالحجارة أساسا الشباب والأطفال وبعض الشيوخ المرحين دون مشاركة النساء. لكن العملية لا تخلو أحيانا من محاولات لتصفية حسابات مع العريس وهو ما ينتج أحيانا إصابات للعديد من العرسان تتطلب بعض من العلاجات الضرورية لمعالجة إصابة عادة ما تكون على مستوى الرأس أو الظهر.
وحول تفسير هذه الفقرة التي لم تستقر على رواية واحدة؛ يذهب كثيرون إلى اعتبارها فقرة لاختبار قدرة الشاب على تأكيد التحول من ذلك الشاب المراهق إلى مرحلة استحقاق لقب الرجل ومولاي السلطان، وآخرون يرون فيها فترة للمرح والفرح لا أقل ولا أكثر، وثالثون يقولون بما أن العريس بعد عملية الهرب هذه يتوجه إلى إحدى المنازل غير منزل أهله ليقيم فيه إلى يوم الدخلة في ما يشبه عزلة تامة عند عدد من الأصدقاء والمقربين؛ وبالتالي فهربه ذاك يساعد على التعتيم أكثر عن المعلومة الدالة على مكان تواجده.
«التريتور» لا حظ له
التضامن والتعاون والتراحم هي أحد المفاهيم التي قد تسمع عنها في نقاشات فكرية أو تقرأ لها عند مفكر مصري كعبد الوهاب المسيري أو عالم اجتماع فرنسي كإميل دوركهايم، لكن إذ قدر لك زيارة هذه البقاع كما هو شأن مناطق مختلفة من المغرب الحبيب، فإن عينك لن تخطئ تلك الصور التضامنية الراقية؛ فرجالات البلد يتجندون قبل العرس بأسابيع لتوفير الماء اللازم والحطب اللازم والآواني التي تجمع من مختلف العائلات الكبيرة والمتوسطة بالقرى، طبعا كل عائلة تقوم بوضع علامة مميزة على أوانيها، وقد يكون صباغة أو اسما أو خيطا.. هي ذات الفرق الشبابية التي تتكفل باستقبال الضيوف والذين ليسوا طبعا أبناء القرية؛ لأن أولئك في إقامة دائمة ولمدة أسبوع مع اختلاف، مرجعه درجة القرب من صاحب الفرح، تحت رئاسة شخص ذي حنكة يوزع المهام بإحكام قبل الموعد المحدد؛ فهذا مسؤول عن فريق الشاي الذي سيوفر مئات الكؤوس للمدعويين، وطبعا فإن إعداد الشاي يحاط بهالة خاصة فلا يمكن لأي كان أن يقوم ويتقن هذه المهمة فلا توجه «الصينية» إلى للمختصين وإن لم يكن كذلك فسرعان ما تتعالى الأصوات لشهادة يعتبرونها واجبا في كون المعني غير مهني ثم بعد ذلك يقوم شخص برعاية ساقي الشاي من البداية إلى النهاية؛ وأول الأمر تقديم الماء ليغسل يديه؛ فلا يمكن ألا تتم هذه العملية أمام الناس مهما كان المعني نقيا أو أنه استحم لتوه أو حتى غسل يديه قبل دخول القاعة بدقائق، بل لا بد أن تكون العملية مشهودة، وتنطلق العملية تحت مراقبة الجميع وكل شيء مرصود؛ طريقة الجلوس وطريقة إمساك البراد وهل استعملت اليمنى أم اليسرى في وضع الحبوب في البراد.. إلى طريقة ترتيب الكؤوس التي تتجاوز العشرين في كل صينية. بعد كل هذا يترقب الجميع لحظة صب الشاي في الكؤوس، كيف هو لون الشاي لأنه مؤشر أول على النجاح؟ وما حجم «الرزة أو الكشكوشة» لأنها مؤشر ثان؟ ثم يأتي المرافق ليقوم بالتوزيع وهي لحظة يضع فيها مول الصينية يده على قلبه وهو ينتظر ردود الفعل الأولى خاصة من كبار القوم .. فلا يهدأ له بال ولا تنزل عينه عن الحضور إلا بعد سماع كلمات من قبيل «اعطاك الله الصحة أسي فلان» أو «وكاس هذا» أسيدي تبارك الله عليك»…
طبعا هناك فرق أخرى واحدة مكلفة بتوزيع الماء الشروب على الناس وأخرى تستعد لتقديم ماء غسل اليدين بالنسبة للضيوف وفريق آخر مكلف بتحضير الموائد والطواجن وآخرون بالفاكهة إن توفرت طبعا، وآخرون مكلفون بالطبخ وهي مهمة عادة ما يقوم بها الرجال على عكس ما قد يتبادر، عموما الاشتغال يتم كخلية نحل في جو من التعاون والتنظيم المحكم وبشكل متجرد لا ينتظر جزاء ولا شكورا من أحد، لكن الكل معني بكل الأفراح القادمة في نوع من التضامن العضوي يجعل دور «السرباي أو التريتور» مستبعدا تماما وغير مرغوب فيه في هذه الأوساط القروية، ف»التريتور» في هذا المجال لا حاضر له ولا مستقبل قريب. ويشار على هذا المستوى أن الاعتماد على ما هو محلي يطبع كل المستويات اللهم إلا الخبز الرومي الذي يستقدم من الفرن من أقرب فيلاج.
الهدية بلا «بابيي كاضو»
«لهدية يا لالة لهديا ليك جاية» كلمات تستطيع التقاطها من لحن عازف المزمار الذي يتقدم أصحاب لهدية أو من ترانيم عزف النساء على «الطعارج» و»البندير» مع تسجيل تراجع على مستوى عزف المزمار، والاكتفاء بأصوات الرجال وخلفه النساء ملتحفات، للهدية عند أهل زاكورة وقع خاص فلست في حاجة «لورق الهدايا «بابيي كاضوا» أو عله لن يسعفك في ما تريد أن تضعه فيه، ففي الهدية الزاكورية لا مكان للأشياء الصغيرة أو الميكروسكوبية فإما هدية بكبش أقرن أملح وأكياس دقيق من حجم 50 كيلوغرام وعلب السكر من الحجم الكبير وبعد الأغطية؛ وإلا فإن الخجل سيمنعك من تقديم غير هذا فلا بد من سيارة مملوئة من فوق ومن الداخل، أو مجموعة من الدواب تحمل كل ذلك؛ أو تجميعه في عربة يجرها حمار. وقد جرت العادة أن يشترك في الهدية أكثر من عائلة خاصة من فروع وأصول متقاربة وهكذا يجتمع جالبو الهديات ليقوموا لإيصال كل واحدة على حدة، وعدد الهدايا في المجمل قد لا يصل إلى عشرة ولكنه يتجاوز خمسة عادة. بعض الدواوير تقدم الهدية بطريقة أخرى في فقرة تسمى بـ»الله مع» وهي فقرة يتجمع فيها أهل القصر ويحضرون كناشا ويقوم أحد المنادين بإعلان وإشهار أي مساهمة يقدمها أي أحد كأن يقول مثلا «والله مع مولاي السلطان 100 درهم من عند فلان بن علان خال العريس» وهكذا تدون كل المساهمات في الدفتر وتحفظ، وهنا يمكن للباحث الاجتماعي «مارسيل موس» أن يفسر طبيعة هذه الهبة أو الصدقة وكيف تعتبر دينا على الآخذ عليه أن يرده، وعن كون حجمها الذي يجب أن يكون دائما أكبر من الأولى، وكيف أنها تحدد الموقع الاجتماعي للأسر والأفراد داخل المجتمع، وعن الإكراه غير المعلن الذي تمارسه هذه الآلية على الناس. طبعا لا يمكن إسقاط بعض الهدايا الملفوفة والتي يحاول بعض الضيوف القادمين من المدن أن يجعلوا لذلك النوع من الهدايا موقع قدم بالأعراس القروية، شأنها في ذلك شأن «الجوق» وهي ظاهرة جلب الشيخات وآلات العزف، وهي ظاهرة ما تزال جد محاصرة بتلك القرى والحمد لله.
ليلة الزفاف
يوم الخميس هو اليوم الموعود، فالاستعدادات على قدم وساق لاستقبال العروسة في بيتها الجديد والذي لا يعدو كونه بيت العائلة، مع تخصيص غرفة للزوجين الجديدين، حيث يقوم العريس بإصلاحها وتزيينها وتركها فارغة تماما من أي أثاث أو سرير؛ فأهل العروسة في هذه البقاع هي من تتولى تزيين وإعمار الغرفة من السرير إلى «الماريو» مرورا بالصندوق وصولا إلى شاشة التلفاز في الآونة الأخيرة، وكذا الأواني وكل صغيرة وكبيرة قد يحتاجها بيت الزوجية.
وعادة ما تشيد غرف الزواج الجديد بالنسبة للعروسين في سطح المنزل إلا ما نذر. قبيل التحاق العروس تقوم واحدة من قريباتها قد تكون عموما عمتها أو خالتها أو ربما جدتها، فالأم لا تصلح لأن تنتقل مع ابنتها في ليلتها الأولى تلك لأسباب غير معلومة، إلاَّ أنها تلتحق بدار العرس مع تباشير الصبح الأولى، حاملة معها ما لذ وطاب من المأكولات المحلية؛ وفي مُقدمتها عدد من «الحمائم المحشوة» والحلوى والمشروبات والفواكه الجافة وغيرها.. عَساها تَكُون فاتِحة خير وبركة عليهما.
كل الدخلات تتم يوم ليلة الجمعة؛ وفي وقت متأخر من الليل مع عدد من الاستثناءات وتحاط هذه اللحظة بهالة وترقب كبيرين لدى أهل العروسين وشباب القرية، هي ليلة يختلط فيها الفرح بالخوف وتعرف في هذه الأوساط بالذات سلوكيات تنافي العقل والشرع أحيانا..
منذ صبحية العرسان يبدأ العد العكسي لتفرق الأشخاص غير القريبين جدا من العائلتين ويبدأ العريس في مزاولة مهامه بمساعدة وزيره يرتادون الحقول ويجلبون التمر والعلف للأغنام وأشياء أخرى إلى حين يوم الجمعة يوم «التحزام» بحيث يقوم العريس بإلباس العروسة وربط حزامها معلنا بذلك نهاية سبعة أيام ديال الفرح .
ليلة الحناء و«الهرمة»
هي ليلة الأربعاء حيث يتم تخضيب يدي ورِجْلي وناصِية العريس بالحناء، مع تأفف وتخل عن هذه العادة عند بعض الشباب المتعلمين، هكذا يُجلب العريس للمرة الثانية في نفس اليوم إلى ذات الساحة المُحادية للواد الهائم وسط الواحة، يتجمهر حوله رجال «الكَصر» وأصدقاؤه من الشباب واليافعين، ليقوم أحد الشرفاء وبمساعدة وزير العريس وبعض أقربائه بتزيين عينيه بـ»الكحل» وليلبسوه جلبابا وقميصا جديدا ثم الخنجر والسلهام شريطة أن يكون بين الواقفين وبين السماء ونجومها ثوبا أبيضا مع ترديد عبارات «بسم الله ويالله يارحمان وبالله ويا الله يا رحيم» لعشرات المرات إلى حين انتهاء العملية.
بعدها يجلس العريس في مكان مُخصص له وحده ومفروش بزرابي زاهية، ليَمُدَّ يديه ورجليه لتقوم جدته بوضع القليل من الحناء عليها وحولها النساء يصْدَحن بمواويل يُناجين بها الزَّمن أو يُحاكين الواحة ويُذكِّرنَها بالأيام الخَوالي.. هو مشهد يجعلك تستسلم لقشعريرة تعود بك إلى حنايا الموروث الثقافي الأصيل.. من خلال ترديد موال يسمى «بالواكدي».
بالتوازي مع ذلك يقوم الرجال بتأدية رقصة «الهرمة» وهي تختلف عن الركبة بحيث ينتظم الرجال في أزيد من ثلاث صفوف، ويقومون بالطواف حول العريس الذي تضع له النساء الحناء ويرددون كلمات تدور حول الغزل وكلمات توصف بالحكمة وأخرى حول تحمل المسؤولية وتجارب كتاب الحياة.
نقل «الجهاز» للعروسة
من أبرز مظاهر بداية العرس التقليدي بإقليم زاكورة، تَولِّي بعض النِّسوة المُقرّبات من عائلة العريس من قبيل أخواته وجدته وعماته نقل «الجهاز» إلى بيت أهل العروس، وسط جو لا يخلو من أهازيج تدعو للزوجين الجديدين بالثبات في حياتهما وأن يرزقهما الله تعالى الذرية الصالحة.
ويضم «الجهاز» الذي يقع عناء اختيار محتوياته على أم العريس، عددا من القفاطين والملابس التقليدية الخاصة بالمنطقة كـ»القْتِيب» و»لِيزَار»، ناهيك عن مختلف أنواع الملابس والحِلِي والأحذية والعُطور والحناء والسكر والزيت وغيرها.فما أن يصل الوفد الرسمي إلى بيت العروس حتى يتم «إغراق» ملابس القادمات بـ «الزهر» وهي التسمية الشائعة للعطر بالمنطقة، إضافة إلى تقديم التمر و»اللبن»، لتقوم إحداهن بعرض القطعة تلو الأخرى؛ مما حوته حقيبة العروس وفق طقس خاص لا محيدَ عنه أمام أنظار قريبات العروس، مُرددة بصوت عال» جابْ الواد السكر، جاب الواد السكر، هاَكْ الخِير يامْنْ بْغاهْ» لتضع السُّكر جانبا، وتُعيد ذات اللاَّزمة مع تَسمية كل ما جَلبْنه بالتفصيل.
العروس الشابة مخفيَّة معالم الوَجه مُحاطة بصديقاتها وأهلها؛ يرقُصن ويُغنُّين ويدُقُّن على الدف و»الطَّعارج».. تتقَدَّم جدة العريس وتقوم بطَلْي «الحنَّة» على رأس العروس ولفه بثوب أبيض، ثم كسر بيضة عليه فلف الثوب الأبيض من جديد، لتتكفل أحدى أقرب صديقات العروس بحملها على ظهرِها والذَّهاب بها إلى غُرفَتِها مثلما حملتها أول مرة وأتت بها..لا تتعب الزَّاكوريات من الرقص والغناء طيلة اليوم وأيام العرس الممتدة على مدى سبعة أيام، ولعل جزءا من تفسير ذلك يعود لبعد زمن تكرار مثل هذه المناسبات فهي تتجمع أساسا في فترة ما بعد عيد الأضحى، أما باقي فصول السنة فلا تكاد تشهد أحداثا مماثلة اللهم من بعض العقيقات أو الاحتفاليات الخاصة.
يرقصن من الصباح حتى تَحل العَشِيُّ وتصْفَر أشعة الشمس؛ معلنة لنخيل الواحات الممتدة عن قرب رحيلها، ليبتدأ شوط آخر لا تحسبه إلا –مهرجانا- من أشواط وفقرات العرس الزاكوري الزَّاخر حد التُّخمة بالعادات والتقاليد العتيقة والجميلة ومنها الغريبة في نفس الوقت.
إكرام لا يخلو من تبذير
من عجائب الأعراس في القرى الزاكورية وعلى الرغم من معالم الفقر التي لا تخطئها العين؛ فإن أيام التشريق تلك تنتفي معها العديد من مظاهر الفقر ويدخل أهل العرس في سلسلة من ذبح الأبقار والعجول والخرفان بشكل مستمر حتى اليوم السابع آخر يوم من أيام العرس؛ بطريقة لا تخلو من تبذير. فمنذ اليوم الأول بالنسبة للعرس عند أهل العريس أو مولاي السلطان كما ينعت قبل أثناء وبعد تلك الأيام، اليوم الأول يكون هو يوم الثلاثاء فيذبح غالبا بقرة ضخمة؛ مهما بلغت ضخامتها فإنه لا يبقى منها ولو قطعة صغيرة في غضون 24 ساعة، ففي الليلة الأولى يعد كل أهل القصر مدعوون كبارا وصغارا، ثم في اليوم الموالي يحضر أهل القصر الكبير في ما سمى ب «حد الصايم « بمعنى أن كل من له القدرة على الصوم فهو مدعو للحضور وهي طريقة لإقصاء الأطفال الصغار المنعوتين ب «البز» عكس الليلة الأولى، ثم بعد ذلك تنطلق فترة استقبال الضيوف المحيطين بالقرية بحيث يحضر عموما ممثل عن كل منزل في الأحياء المجاورة وحتى البعيدة، وفي مساء اليوم الثاني يقوم أهل العريس بذبح بقرة ثانية أو عجل لا يقل «سمونة» عن اليوم الأول، وتطهى هي الأخرى لاستكمال حملة إطعام المدعوين من الضيوف، وكل ليلة يحضر أهل القصر لدار العرس، وهنا تجدر الإشارة إلى أن العائلات القريبة جدا وحتى التي «فيها ريحة الشحمة فالشاقور» لا تشعل النار في مطبخها طيلة الأسبوع. بعد ذلك قد تمر العائلة إلى ذبح عجل يكون عادة أقل من الأول والثاني أو يتم اللجوء إلى سلسلة أخرى من ذبح الأكباش والتي قد تصل إلى كبشين في اليوم، فالوجبات الرئيسية لا يركز فيها على الخضروات أو المرق بل أساسا على اللحوم، وطبعا أصبح معروفا حكايات مرافقة لاسبوع افتراس اللحوم هذا بمن يصابون بالإسهال ومن يلجؤون للتقيء لمدد معينة خاصة من عديمي الخبرة في التعاطي ما الزيوت والذهون التي ما تزال علامة على الكرم وعلى فخامة الأضحية وسمونتها.

المصدر: محمد لغروس – التجديد

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>

Current ye@r *

إلى الأعلى